الرئيسية / أدب / فاكهة الرمان و ديستوبيا ما بعد السقوط

فاكهة الرمان و ديستوبيا ما بعد السقوط

دراسة في رواية “بيت الرمان” لاوسكار وايلد و “وحدها شجرة الرمان” لسنان انطون

وردت مفردة “الرمان” في رواية الكاتب الانكليزي اوسكار وايلد “بيت الرمان” (A House of Pomegranates) و هي مجموعة من اربع قصص خيالية تضم “الملك الشاب”, عيد ميلاد انفانتا”, “صياد السمك و روحه” و “النجمة الطفلة”, و كذلك في رواية العراقي سنان انطون “وحدها شجرة الرمان” لتتيح لملمة شتات المختلف كعنصر موحد لأبطال قصص وايلد الاربع و بطل انطون, الفنان التشكيلي جواد كاظم. هذا و يمكن ربط فاكهة الرمان بأسطورة برسفون (Persphone), الالهة التي عجز الفنانون عن تصوير جمالها, و التي ,كما تشير المصادر الاغريقية, خطفها الاله هيدز الى العالم السفلي ليحتفظ بها لنفسه. و يذكر ان هيدز قد منح بسفون سبع حبات من الرمان و التي قبلت الاخيرة بأكلهم في
النهاية و هذا يرمز الى اتمام زواجهما. و بعد رحلة طويلة في العالم السفلي, اقنعت الالهة بسفون الاله هيدز بالسماح لها زيارة العالم الخارجي لفترة قصيرة كل عام, و لكنها لم تستطيع استعادة براءتها التي افتقدتها خلال فترة الاختطاف.

رمزية الرمان بالنسبة للتفاح

ويمكننا المقاربة بين رمزية فاكهة “الرمان” مع رمزية فاكهة “التفاح” و التي ترمز الى “الخطيئة الاولى” تلك التي اخرجت الانسان من جنة عدن الى عالم مليء بالشر و المؤامرات; فمفردة الرمان تعني باللغة اللاتينية “تفاحة تحتوي على العديد من البذور”; فوايلد يعتقد ان من هاوية العالم السفلي يأتي الانبعاث الروحي و و يمنح وايلد الشخص التائب منزلة اعلى من القديس الذي لم يقترف الخطيئة اذ يقول:

“كل قديس له ماض, و كل مذنب له مستقبل”
وفي ادراك ذاته “و لذلك تجد جميع شخصيات وايلد بعد الوصول الى درجة القداسة من خلال الالم و المعاناة قد التحقوا بمملكة الرب”

و يمكن ملاحظة ان الالم الذي عانى منه ابطال وايلد في “بيت الرمان” ترجمه انطون في “وحدها شجرة الرمان” صانعا من الشخصية العراقية انموذجا في البطولة و الكفاح ضد الموت و رفض التعايش مع غيبوبة الاندثار, فلقد رسم انطون ويلات و احزان العراقيين على شكل لوحة فنية طغت عليها الوان الحروب السوداوية, فهي تحكي قصة اختطاف بسفون (العراق) الى العالم السفلي على أيدي دخلاء هيدز, ليكون محاطا بالموت في الحياة و مغلفا بالخيبة في الامل.

في “بيت الرمان” يقرر الملك الشاب الذي تم تتويجه بالعرش ارتداء عباءة من الصوف و تاج من الاشواك, وهذا ما جعله عرضتا للسخرية من قبل الشعب, فبعد الفترة القصيرة من حكمه بالعدل عوقب هذا الشعب بحاكم مستبد عاث بالأرض فسادا و هو شبيه للقائد الذي حكم العراق في رواية انطون ليجعله ساحة للحروب و مرتعا للتخلف و الجهل. اما قصة “صياد السمك و روحه” فالصياد يقرر وهب روحه الى الشيطان, بصفقة اقرب ما تكون الى “الصفقة الفاوستية”, في مقابل الحصول على حورية البحر “فاكهة الرمان” التي وقع الصياد في حبها, وهنا يمكن القول ان العالم في رواية “صياد السمك” اصبح شبيها “بالمغيسل” في رواية انطون; حيث بات دلالة على الماضي, الموت و السكون, اما “البحر”
في رواية الاول بات اقرب الى “كلية الفنون الجميلة” في رواية الثاني; كدلالة على الغد, الاحلام و الحبيبة (حورية البحر للصياد و ريم لجواد كاظم).

فالأبطال في رواية الانكليزي وايلد و العراقي انطون هم جملة من الجثث بانتظار الموت, فصياد السمك مثلا قرر الابحار بسفينة خياله المتطرف الى عالم المجهول بحثا عن الحب, السعادة و الامان حتى لو تطلب الامر ان يهب روحه الى الشيطان, اما جواد فعقد العزم في نهاية المطاف على مغادرة العراق بذريعة انه لم يعد بلدا صالحا للعيش فالكل يقتل الكل و المدنيون هم الحلقة الاضعف, غير ان الحدود الاردنية تشكل سدا عصيا بوجه طموحات جواد بحجة انه اعزب و ليس لديه عائلة فيعود الاخير مرغما الى العراق, و ينتهي به المطاف مستقرا عند شجرة الرمان التي لا تزال مستمرة بالانتصاب و تنتج ثمارا طيبه و هي ترتوي من مياه غسل الموتى في مكان عمله “المغيسل”, رغم انه خريج كلية الفنون الجميلة, لتكون شاهدا خالدا على ابشع جرائم التاريخ على مر العصور لبلد عظيم ظهرت فيه اول حضارة عرفتها البشرية. و يختتم جواد قصته و الرواية بهذه الكلمات:

” أنا مثل شجرة الرمان. لكن كل أغصاني قطعت وكسرت ودفنت مع جثث الموتى.
أما قلبي فقد صار رمانة يابسة تنبض بالموت وتسقط مني كل لحظة في هاوية بلا قرار
. لكن لا أحد يعرف
. لا أحد. وحدها شجرة الرمان … تعرف.”

و تظهر رمزية “الرمان” كدلالة على الخطيئة و الغفران في الروايتين, و ان المجتمع الذي عاش فيه الابطال هو مجتمعا ديستوبيا, يفتقر الى ابسط ركائز اليوتبيا, تسوده حالة اللاحياة و غيبوبة عن كل ما يحصل في العالم الخارجي و سجنا كبيرا لا يمكن الفرار منه.

مهند عاجل

عضو جمعية المترجمين العراقيين و عضو الاتحاد الدولي للمترجمين