الرئيسية / سياسة وفكر / عن التدجين – سلسلة انبوب اختبار “2”

عن التدجين – سلسلة انبوب اختبار “2”

قلنا في التقديم لهذه السلسة ان الاسرى الفلسطينيين يتعرضون لما يمكن تسميته تجارب مخبرية متعمدة يقوم بها الاحتلال ولا بد ان يحتل راس هذه القائمة محاولات الثني عن الاهداف التي انطلق من اجلها الاسير والحركة الاسيرة في العمل قبل ان يحطوا رحالهم بين جدران السجون وكان اكثر ما يؤرق المحتل ان فئة من الشعب الواقع تحت الاحتلال لا يعترفون بوجوده من اساسه ولا اقول ينكرون لان الانكار التعامي عن حقيقة موجودة ولكن جحدها يحقق مصلحة ما وإنما اتحدث عن عدم الاعتراف بكينونة ذلك المحتل من الاساس وهو ارم مهين جدا للمحتل اذ انه يأتيك بالطعام والشراب ويحرسك طوال اليوم ومن ثم انت تقابله بعدم الاعتراف بوجوده وكأنه عدم محض رفعه جهل البعض وانحنائهم امامه على انه السيد في المنطقة.

التحقيق مع الأسير الفلسطيني 

وأول محطات التدجين التي يسعى المحتل لإيقاع الاسرى الفلسطينيين فيه هي محطة التحقيق حيث اصبح الامر في التحقيق معقدا بصورة مخيفة حيث تجد ان المحققين يعمدون الى الاحتياجات الاساسية في التحقيق ويبادرون بقضائها للأسير دون أي تورع او ترفع وكذلك يفردون للأسير جلسات من التحقيق تطول بصورة غير مبررة لا يتحدثون فيها عن التهم التي يوجهونها للأسير بل يسمونها دردشات عامة تكون في الاغلب مقارنات بين عيش الضنك والاستهداف الذي يتعرض له المقاوم في ارضه المحتلة والجنة المتوهمة التي يحيا فيها من يصمت عن الاحتلال ويشايعه والنعم المزجاة التي تنعم بها من يعاون الاحتلال فان ايس المحقق من قبول بالعمل معه او الصمت عن وجود الاحتلال وتبعاته على الارض اخذ في الحديث عن انسانية المحتل وانه يسمح للفلسطينيين بالعمل ويعالج المرضى المدنفين ويسهل المعيشة للسكان كما يقول ولك ان تستحضر اللمحاضرة الاخلاقية التي القاها السفير الصهيوني في الامم المتحدة وهو ينهال على ممثل النظام العلوي ويحدثه عن الاخلاق الفاضلة التي تتحلى بها دولة الكيان الصهيوني ويا له من انقلاب في كل المعايير.

ثم يشرع ان افلت منه الاسير في المحاولة الثانية يشرع في الحديث عن المظلمة اليهودية التاريخية وانك انما ترفض وجوده من باب ان دينك الاسلامي يرفض الاخر ويقصيه ويبدأ في استحضار امثلة من الواقع وهنا يدخل البعض في هفوة الدفاع المستميت عن الاسلام بعاطفة لا بعلم وأدلة مما يعطي المحقق فرصة اخرى ليلج الى اللاوعي ويخزن ما يشاء وربما يظن البعض ان الامر فيه مبالغة ولكن الادلة ستجعله يغير رأيه فمثلا هناك اسرى امضوا اعواما مديدة في السجون الصهيونية ومن ثم خرجوا واطلوا علينا بمبادرات وأمور يندى لها الجبين وتذوب الوجنات منها خجلا فهل لك ان تتخيل استشهادية في الانتفاضة الثانية لا تفلح في تنفيذ عمليتها ويتم اسرها وبعد تحررها تنشئ مع صهاينة لوقف العنف تخيل النضال اصبح عنفا ومحاولات التحرر صارت ارهابا ولا تكتفي هذه المحررة بالقول عن بعد بل تسجل مع اسرى مخدوعين اخرين وصهاينة فيلما وثائقيا لما تعده نضال جديد بالصورة السلمية ولك ان تبحث وترى كيف انطبع الذل في عيني من يتحدث منهم وترى كيف خرجوا من قافلة الشعب الى اقفاص التدجين مع المحتل الذي لا يقبلهم إلا ادوات وقفازات مرحلية لتبييض وجهه الدميم الذميم.

سجن الأسير الفلسطيني  

وثاني محطات التدجين هي السجن حيث سيقضي الاسير فترة اعتقاله التي قد تطول او تقصر تبعا للتهم الموجهة اليه وهنا يمكن القول ان هناك اكثر من امر يساعد في اخضاع الاسير للتدجين وأول هذه الامور هو الاعلام الصهيوني المفروض على الاسرى متابعته دون ان يكون لهم الحق في الغاء هذه القنوات الصهيونية فأنت طوال يومك ترى الاخبار والعالم بكل ما فيه بعيون صهيونية عنصرية بحتة وهناك للأسف بعض الاسر يعتمد الرواية الصهيونية في الاعلام ولا يمكن ان يحيد عن رأيه في مسالة اذا كان الاعلام الصهيوني قد قال فيها قولا حتى وان كان المقابل فقها او نصا واضحا صريحا لا نقاش فيه وهو يبرر ذلك بان الصهيوني يعتبر محايدا في المنطقة ولا يمكن ان ينحاز لطرفهم وهذه حجة داحضة بالواقع والحجة والرهان والدليل وان سمح المحتل بقنوات ناطقة بالعربية فهي قنوات مقاربة ومشابهة وربما سابقة لإعلامه في الكيد لهذه الامة فهناك قنوات عربية نسخت مفاهيم واصطلاحات الصراع مع المحتل فكل من يستشهد مقاوما للمحتل قتيل ولا اذكر اني خلال المرة الاخيرة التي كنت فيها في السجن اني رأيت كلمة شهيد خلا مرة واحدة يتحدث فيها التقرير عن مواطنين عرب في بلد ما استهدفتهم مليشيا منقلبة في بلد اخر بقذائف فاعتبرهم اعلام ذلك البلد شهداء مع انه كان بينهم اسيويين غير مسلمين ربما وباقي الوقت فكل فلسطيني يستشهد ليس إلا قتيلا كغيره من القتلى ويمكن القول ايضا في مسالة الاعلام العبري الصهيوني انه يختار اناسا محددين يخدمون فكرته ولا زلت اذكر تلك المقابلة مع كاتب فلسطيني تابع للنظام الحاكم وهو يتحدث عن ابطال انتفاضة القدس الحالية على انهم ليسوا إلا مراهقين غضبوا من اهليهم او عشيقاتهم او فشلوا في امتحاناتهم المدرسية والخلاصة انه ليس هناك ممارسات احتلالية قمعية ولا انتهاك للمقدسات وتعد على الاعراض وإنما هفوات مراهقة وعليه فقس وهناك الكثيرين الذين قالوا ما هو اشد نكاية من ذلك ولكن تبقى عقدة النقص والتبعية للمحتل والخوف منه هي الغالبة على بعض النفوس الضعيفة الهزيلة.

غسيل دماغ الأسير الفلسطيني 

وأمر اخر استغله المحتل لمحاولة تدجين بعض الاسرى الفلسطينيين ألا وهو التعليم في الجامعة الصهيونية المفتوحة حيث وقع بعض الاسرى للأسف في فخه هذا وأصبحوا يرون الامور من منظور صهيوني بحت حتى تاريخ العرب والإسلام والشرق الاوسط تتم دراسته من خلال منظار صهيوني حتى ان احدهم بعد هذا التحوير والتحول في فكره اصبح ينظر لنفسه على انه مفكر صهيوني ولن اذكر اسمه حفاظا على المشاعر العامة ويبقى هو ومن شايعه قلة قليلة لا يؤبه لها ولكنه للأسف كان المثال الابرز على محاولات التدجين الصهيونية للحركة الاسيرة.

وعلى الطرف الاخر فقد درس البعض في الجامعة العبرية المفتوحة وهاهم الان قامات شامخة في وطننا المحتل حيث يحللون ويكتبون وينذرون من المحتل وكأنهم اخبر به من نفسه والفارق واضح والشاشات تعج يبعضهم ومراكز الدراسات غير ان ذلك لا يمنع ان تذكر محاولة التدجين هذه التي افلحت مع البعض.

تدجين الأسير الفلسطيني 

وتبقى امر اخر وأخير في استعراض هذه التجربة التدجينية وهو فخ التعامل اليومي مع الاحتلال حيث يتحول الامر في بعض الاحيان الى كسر حدة الرفض للمحتل الغاصب وربما للأسف ينسحب البعض الى هوة ما يمكن تسميته الصداقة او ما يشبه من علاقات العواطف الحنونة وهو من الامور الخطيرة وقد افلح المحتل الغاصب في بعض المواقع من استنساخ تجربة لورنس العرب حيث تبرز شخصية استخباراتية كان في السابق طبيب اسنان وهو ما يمكن تسميته لورنس السجون فهو لا يكف عن اعطاء الوعود الاجلة ولا يقول كلمة لا ابدا وإنما دوما يفحص ويمحص ويصور لك المر على انه في صفك وتاريخه يقول انه لم يعطي شيئا واحدا وهو مثال العلاقة اليومية الصارخ في السجون ولا يمكن ان تسال اسيرا فلسطينيا عنه وينكر معرفته لأنه في كل مسالة موجود تمما كحبر الكلمات ونقاط الحروف وقد حذرنا منه ومن معسكره ولا زلنا فهو من اخطر الاسلحة الموجهة للحركة الاسيرة في العقد الاخير.

ختاما يجب القول ان مسالة التدجين هذه المتحدث عنها ربما افلحت مع البعض ولكنها في المقابل فشلت فشلا ذريعا حتى ان معظم قادة العمل المقاوم والمنفذين له هم من الاسرى المحررين وهذا دليل على ان المحتل وان طال ظلمه وكثر معاونيه الى زوال وانه لا يمكن اخضاع النفوس الابية المؤمنة وإنما يخضع ناقصو الكرامة والوطنية.

فيديو المقال

أضف تعليقك هنا

مروان محمد ابو فارة

مهتم بالحالة الفكرية للأمة
أبلغ من العمر 35 عاما
أمضيت في سجون المحتل الصهيوني عشرة أعوام
أحمل شهادة البكالوريوس في المهن الصحية تخصص تمريض
من فلسطين المحتلة