<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / قضايا مجتمعية / مجتمع الفضيحة!

مجتمع الفضيحة!

المجتمع المريض 

إن المجتمعات شبيهة بأجساد البشر تمرض وتعتل هي الأخرى، منها من يمر بمرحلة حمى خفيفة فيستطب له بأبسط الأدوية فيجد الشفاء إليه سبيلا ، ومنها من تنخره الأمراض نخرا ، والمعضلة هي تلك الأمراض العضال التي تصيب المجتمعات ، إذ لا ينفع معها غير الاستئصال علاجا، ولعل ما يعرفه المجتمع المغربي اليوم في ما يخص تعاطيه مع ما يسميه الفضيحة، لا يخرج على أن يكون مرضا عضال لا تصلح معه المهدئات أو أدوية الأكشاك.

إن ما يعانيه أفراده من حالة غبن وإقصاء وغياب الوجهة وانسداد الأفق يجعل هؤلاء الأفراد شبقيين عنيفي السلوك، منحرفي الخلق، شددي الانفعال، إن حالهم مماثل لذاك الحيوان الذي تعرض لعمليات التهيج المستمر فأصبح على الدوام متوجسا في ثوران دائم ، وغير متوقع سلوكه ، ولعل من هذه الاعتلالات التي يشهدها المجتمع المغربي اليوم وأكثرها شيوعا هو استهواءه للفضيحة والبحث عنها ، والتلذذ بها وتفجير كل غضبه الجمعي على فاعلها، باعتباره خرق القواعد الأخلاقية، التي في كثير من الأحيان لا يعمل بها هذا الضمير الجمعي . إن ما يهمنا هنا هو الكشف عن ما يعكسه الانسياق وراء الفضائح والنبش في خصوصيات الآخرين عن حالة هذا المجتمع. لماذا تستهوي الفضيحة شريحة واسعة من المجتمع المغربي ؟ كيف ينظر للفضيحة من طرف الشعوب المضطهدة ؟ هل يستغل أفراد المجتمع المغربي المهووسون بالفضيحة الأخيرة لتفريغ المعاناة النفسية التي يعرفونها ؟

المجتمع الناضجمجتمع الفضيحة!

إن المجتمعات السوية والناضجة والمثقفة بحق شرائحها، والتي تحصل لديها وعي بحقوق الإنسان وبالخصوصيات الفردية ، من منطلق أن لكل إنسان هامش من الحرية يعيش بها حياته الخاصة ويحرم بموجب القانون والأخلاق المدنية على أي كان الخوض في تلك الخصوصيات ، تجد تلك المجتمعات لا تهمها الحياة الشخصية لغيرها إذ تعيش في انسجام مع ذاتها تعلم أن لا احد له الحق في أن ينبش في خصوصيات الآخرين وان الأخيرة مقدسة قداسة الحياة ذاتها، إذ يعلم هؤلاء أن الإنسانية مقدر لها أن تنزلق فقد تستبد بها حاجات ما في لحظات ضعف ما وهذا لا ينقص من الإنسان في شيء بل يؤكد على اختراق الجانب الغرائزي الوجداني والعاطفي للإنساني.

الهوس بخبر الفضيحة

إنه واقع المجتمعات التي كونت ذاكرة جماعية للجوانب الدفينة في الإنسان وفي مقابل هؤلاء نجد المجتمعات الممحوقة والمسحوقة والتي ما يزال منطق القبيلة مستبدا بها ، تراقب ذاتها في العلن تمارس ثقافة اختلاس النظر والتعقب وتبحث لتتوارى عن الأنظار ، كي تستمع لجسدها لنداء الغريزي فيها متناقضة مع ذاتها .

إن الأمر يزكيه هذا الهوس بالفضيحة إن نظرة الفرد في هذا المجتمع لذاته دونية نتيجة لكل ما يكابده في حياته بشكل يومي ، انه دائم البحث عن أخر ينتقص منه كي يشعر بنوع من التعالي عن أحد ما انه يقول عبر منولوغ داخلي هناك من هو أدنى مني هناك من هو اقل مني هناك من يعاني أكثر اني أفضل حالا من غيري انه عزاء الذات الهشة لذاتها . بينما الأصل أن الذات المتزنة والقوية تضفي على محيطها من الطاقة ما يضرب عرض الحائط كل محاولات الانتقاص من الأخر .

إن التعنيف الرمزي والمادي الذي يتعرض له المجتمع المهووس أفراده بالفضيحة يجعل منها ذاتا انتقامية وهو الأمر الذي نجد مصطفى حجازي يقول به في كتابه التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور: إذ أمام القوة التي يفرضها السيد عليه ، او المتسلط او الحاكم المستبد، او رجل البوليس ،او المالك الذي يتحكم بقوته.. لا يجد المقهور من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية ، سوى الوقوع في الدونية كقدر مفروض . ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستلزام …وبمقدار تتضخم ذات المتسلط تفقد ذات التابع المسود أهميتها واعتبارها حتى تكاد تتلاشى إنسانيتها كليا فتسعى لان تسقط الكل كي ترتفع كيف لا وقد تشبعت مجتمعيا منطق الإقصاء انها تنظر للآخر ، عملا بمبدأ أن الحاجة للجماعة أكبر مقدارا من الحاجة للفرد ، ووفقا لهكذا منطق فأنك ستجد الأطفال والشيوخ والأمهات والأسر وقد اجتمعت على مائدة الغداء تتعالى أصواتها ضحكا ونبشا في العيوب من موقف لشخصية عمومية ، أو لحادث أو واقعة تعرض لها شخص ما ، إن الأمر لا يعدو أن يكون تعبيرا عن سعي للارتقاء بالانتقاص من الأخر، إن المجتمع المغربي بما يشهده من غبن تحولت الكثير من شرائحه إلى أفراد يتلذذون بمعاناة بعضهم البعض ، إن الفرد هنا اقرب إلى أن يكون شخصية سادية أكثر منها شخصية سوية في سلوكات عدة .

غياب المؤسسات

إن حالة الغبن و حالة الفوضى هذه التي يعيشها الإنسان المغربي راجعة زيادة على عوامل الهيمنة والتسلط والتهميش ، إلى غياب مشروع مجتمعي فكل المؤسسات التي وكل لها إعداد الأجيال الناشئة ، بدءا من الأسرة وانتهاء بالمؤسسات التعليمية فشلت في أداء المهمة المنوطة بها ، إن الفرد المغربي متروك تتقاذفه كل التيارات كل العوالم دون أن يجد قواعد أخلاقية أو تشريعات يستند إليها غير تلك التي يبتدعها تحث الضغوطات التي يعرفها وتحث التهميش والإقصاء إلى جانب التسلط والقمع الممارس عليه ، وقد لا نبالغ هنا إذا ما اعتبرنا واقعه لا يختلف عن باقي وقائع المجتمعات العربية والتي تشهد ما يمكن أن نسميه انسدادا تاريخيا ، بلغة هاشم صالح أي فقدان الوجهة ورؤية واضحة للمستقبل أن المغربي يعيش حاضره لا باعتباره يوم عمل للغد بل باعتباره حاجزا أمام مستقبل أفضل ، هذا الأخير لن يأتي فالاستعداد له لا تتم أصلا وكيف تكون وهذا المستقبل لا يتم استحضاره إلا بكونه عودة تراجعية إلى زمن الماضي.

هل يمكن الاستفادة من الحضارة الغربية؟

إن هذا الأمر قد لا يحصل مع الطبقات الهشة فقط بل قط يشيع عند الطبقات المثقفة كذلك ، إن المغربي منهار أمام ذاته للانتكاسات التي يعرفها وهو منهار أمام النموذج الغربي وهو التحليل الذي ذهب إليه جورج طرابيشي في كتابه المرض بالغرب تحليل لعصاب جماعي حينما اعتبر أن المثقف العربي قبل الإنسان العادي ظل عاجزا عن الخروج من شرنقة ماضي الأسلاف باعتباره النموذج الوحيد الممكن ، انه يعيش في كنف الحضارة الغربية مستفيدا من مختلف ما أنتجت على المستوى التقني والتكنولوجي، في حين يضع حاجزا أمام المعارف والنظريات التي يتم التوصل إليها بشكل مستمر هكذا يجد الإنسان المغربي ، أو المغاربي ، أو العربي بشكل عام ، دائم التأرجح بين واقع يعيشه وبين واقع يريده أن يكون ، ليستمر عيشه في حلقة استشراف الماضي القادم لا المستقبل الممكن ، وكل هذا يحصل في ظل توالي العواصف عليه بدءا بالاستعمار مرورا بالحداثة ، والتي تجثثه من جذوره ، ليجد نفسه غير قادر على موقعة نفسه في التاريخ انه يعرف شيء واحدا ، وهو أن هناك خلاصا وحيدا لهذه المعاناة اليومية و المستمرة منذ مئات السنين تتلخص في النكوص والعودة إلى زمن الأمجاد الغابرة .

خلاصة القول إن مجتمع الفضيحة هو مجتمع يعبر عن معاناته الذاتية عن كل ما يكابده في معيشه اليومي

فهو مضطهد من سياسات الدولة من تسلطها باعتبارها تمارس عليه مختلف أشكال العنف مما افقده إنسانيته إن الفرد يحاول التناسي عبر احتفائه بمعاناة غيره وفضائحه، انه يعي ذاته وبشكل جماعي مشترك باعتبارها ذاتا أخفقت أمام مشاريع الإصلاح ومخفقة أمام نجحات الشعوب الأخرى وعندما يريد أن يتمسك بثوابت تنجيه مما يعيشه كفرد وجامعات من معاناة داخلية وخارجية لا يجد أمامه غير نموذج الماضي المعد سلفا والذي وإن افترضنا جدلا حضوره كضرورة ، فأن تطبيقه أو حتى محاكاته مستحيلة القيام فلكل عصر شروطه ووقائعه الخاصة ولكل جماعة ما معيشها المتفرد لا يمكن لتاريخ بالبث والمطلق أن يكرره حرفيا.

عن سعيد ايت خويا

wavatar