الرئيسية / سياسة وفكر / محاولة للحوار مع الجنرال الرئيس!

محاولة للحوار مع الجنرال الرئيس!

صباح الخير على بلدي وزيه مفيش
بلاد الشرطة والقاضي والخفافيش
صباح الورد النادي على الحرافيش
الشعب الساكت الراضي بكسرة عيش .
بهاء جاهين

ينسى صانع القرار في مصر أن تعسفه في استخدام قوته و تجاوزه حدود تلك القوة بعيداً عن الأُطر الدستورية والقانونية يخصم من شرعيته ويزيد من كراهيته ويحرض على إزاحته.

كنتُ أظُن أنى لن أعود للحديث عن الشأن المصري وخصوصاً وقد كتبت عن الأحوال المصرية مقالاً شارحاً ومفصلاً الأوضاع فيها. إلا أنى وجدت أن الأوضاع الحالية في مصر المحروسة والجو المأزوم فيها يستحق همسة في أذن الرئيس الجنرال (عبد الفتاح السيسي)!.

همسات في أذن الرئيس

كُنت قد ذكرت في مقال سابق:

• أننا لا زلنا في مرحلة الانتقال من شرعية (الرجل الواحد) إلى الشرعية (الدستورية القانونية) وذلك هو جُزء من الصراع الذي نراه الآن. فالرئيس الحالي لمصر (عبد الفتاح السيسي) وبطانته من حوله يحاولون أن يجمدوا اللحظة الراهنة عند شرعية (الرجل الواحد) بما لها من “سُلطة مُطلقة” في اتخاذ القرارات، وبينما قوى أخرى في المجتمع تريد الإنتقال إلى المرحلة الأخرى بأقصى سرعة.

• بناء على ذلك فأن الرئيس هو وحده المسئول بعيداً عن مؤسسات كارتونية لم تستطيع أن تُثبت نفسها بعد (مجلس الشعب أو “مجلس عليا الطلاق ولو سمحت” كما يطلق عليه المصريون).

• إن النظام المصري منذ فترة يتخبط في أزمات ومشاكل مثل (أزمة الدولار)

• و (الصراعات التي صارت علنية بين أجهزة الأمن والتأمين للاستحواذ على النفوذ والتأثير في صانع القرار)

• و (وفك لغز مقتل الطالب الإيطالي “ريجينى” الذي سبب أزمة دبلوماسية مع ايطاليا)

• و(تجاوزات الداخلية التي عادت الى ما كانت عليه قبل 25 يناير وأسواء)

• و (وإرتفاع الأسعار الجنوني في البلد) و (تفشى الفساد بدرجة زادت عما قبلها وسط تصريحات منقولة عن الرئيس الجنرال “بأن ذلك ليس هو الوقت المناسب لمحاربة الفساد”!)

• و (اتفاقية الجزر التي أنهت أي رابط بين تحالف 30 يونيو)

• و (مظاهرات طلبة الثانوية العامة احتجاجاً على تسريب الامتحانات)

• و(أزمة سد النهضة مع أثيوبيا) و(طفو العلاقات المصرية الإسرائيلية على السطح من جديد بزيارة وزير الخارجية للإسرائيل).

• إن تلك المشاكل والأزمات تُسبب لذلك النظام “تأكُل” في الرضا الشعبي على المستوى الداخلي (رغم كل المُهدئات والمسكنات الإعلامية) مما يُنذر بحدوث قلاقل داخلية.
و “تعرية” تتسبب في الخصم من شرعيته على المستوى الخارجي وتلك التعرية تجعله عُرضه للابتزاز من الخارج قبل الداخل.

• إن ذلك كله عائد لغياب مشروع وطني واضح المعالم ومحدد القسمات له خطة معروفه تتحرك على أساسها الدولة وتنظم المؤسسات والأجهزة عملها على ايقاعاته!

• أنه منذ ثورة(25 يناير) وحتى الموجه الثورية الثانية في (30/6)حدثت عملية تبادل منفعة بين الجماهير والجيش.

• إن الجماهير المصرية تعاملت مع الجنرال (السيسي) بمنطق أنه الأمل لهذا اليوم الذي قد يغلب التشاؤم لذلك الأمس وأنه قد يكون الداء الشافي لذلك المرض العاتي!

• إن الجنرال رغم فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت (والتي لم يكن له فيها منافس حقيقي) الا أن شرعيته لازالت هي شرعية (قبول وترقب) ولم تتحول بعد إلى شرعية (عقد سياسي واجتماعي كامل).

• أنه من أجل أن تتحول الشرعية من شرعية (قبول وترقب) إلى شرعية (عقد سياسي واجتماعي كامل) يجب على الجنرال أن يكون لديه مشروع إصلاح اجتماعي حقيقي.

• إن من يمنع وجود ذلك المشروع تلك الطبقة التي اصطُلح على تسميتها (بالطبقة الرأسمالية) بينما حقيقتها هي طبقة (النهب المنظم لمصر) أو طلائع (الثورة المضادة) والتي شبت ونمت وتكاثرت في ظل بركات عصر الانفتاح واتساع فردوسه الموعود! ، عندما أتى الرئيس المؤمن (السادات) وحاول أن يؤسس لنفسه شرعية مختلفة عن شرعية سلفه الزعيم (جمال عبد الناصر) ولم يكن مُمكناً تأسيس الشرعية الجديدة بنفس الرجال وفى ظل نفس الأفكار فكان لابد من الإنقلاب على الثوابت الأصيلة حتى ولو بالقتل مع سبق الإصرار والترصد!

• أن تلك الطبقة التي راكمت مئات الملايين من دماء ذلك الشعب المسكين! تعترض أي عملية إصلاح إجتماعى لأنها تعرف جيدا أن أي إصلاح في ذلك الملف سيخصم حتماً من أرباحها وسيفتح عليها أبواب الجحيم.
ومن يُريد مثالاً على قُدرة تلك الطبقة في مواجهة السلطة الحاكمة ينظُر الى رجل الأعمال (صلاح دياب) لقد تم إلقاء القبض عليه في قصره وقيل أن الرجل متهماً في أكثر من جريمة. وبدأت بعدها كل وسائل الاعلام المسموعة والمرئية والمقروءة المملوكة له ولغيره من (طلائع الثورة المضادة) أو (طبقة رجال الأعمال) في فتح النار على النظام والتحدث بحصرة عن حالة حقوق الإنسان في مصر!، وعن سوء معاملة الداخلية للمصريين وعن تجاوز القانون ومخالفة الدستور! وبعدها تم غلق الملف من قبل السلطة والنظام السياسي!.

• إن من أحد أسباب عدم القدرة على التغيير هي (صراعات مراكز القوى داخل المؤسسة الأمنية مدنية كانت أو عسكرية) وتلك مشكلة يبدو الرئيس الجنرال (السيسي) غير قادر على حلها رغم مجيئه من قمة جهاز أمنى كبير (المخابرات الحربية) وذلك أمر يبدو مُحيراً مرة وعصياً على الفهم مرات.

• إن الأمر الآخر للإعاقة التغيير في رأيي هو الفهم الخاطئ للاستخدام قوة الدولة وتجاوز الدولة حدود تلك القوة لتتصاعد وتصبح قوة غاشمة. وبذلك ينسى صانع القرار أن استخدام القوة ممكن إذا التزم حدوده الدستورية و القانونية ولكن عندما تتجاوز تلك القوة كل الأُطر الدستورية والقانونية فإن الدولة تتنازل من رجل الشرطة الذى ينفذ القانون الى بلطجي لا يردعه رادع سوى قوة أكبر منه وأقوى!!
وفي حقيقة الأمر ينسى صانع القرار في مصر أن تعسفه في استخدام تلك القوة و تجاوزه حدود تلك القوة بعيداً عن الأُطر الدستورية والقانونية “تخصم من شرعيته وتزيد من كراهيته وتُحرض على إزاحته”!.

• وكانت النهاية أن قطاع عريض من الشعب المصري وقف أمام خيار متعسف موأداه أن الذين يعترضون على الأمر الواقع الحالي بما فيها تلك الإجراءات القمعية ليس أمامهم الا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني بوجه وتقاطيع (الاخوان المسلمين).
وإذا لم يُبرأ هؤلاء المعترضين أنفسهم بقبول كل شيء بما في ذلك الوسائل القمعية والقسرية ، فأنهم بالإعتراض يكونوا متواطئون وإن لم يقصدوا مع قوى الظلام وشياطينها الشريرة. !!

(2)
لم يكن الجنرال الرئيس بحاجه لمشكلة جديدة يصنعها لنفسه كعادته ليضيفها الى المشاكل والمشكلات التي تحول بعضها بفعل الإدارة السيئة لذلك النظام الى أزمات قائمة بالفعل أمامه. تلك الأزمات التي أصبحت تؤثر على توجهاته وتشوش على نظراته وتعيق تحركاته وتشل قدراته!

يفاجئ الجنرال الرئيس (السيسي) وحكومته الشعب المصري كل يوم إما بأقوال الجنرال الرئيس المتسرعة أو بأفعال حكومته الفاشلة المُتهترئة. فهي أقوال غريبة بعض الوقت وأفعال مُريبة بعض الوقت وعجيبة طول الوقت!.

وقد استدعى ذلك “تعجُب” و”استغراب” مناصرين ومؤيدين الجنرال الرئيس بلا تحفظ قبل “غضب” و”حنق” معارضيه الواصل الى حد القذع ، وذلك لأن الجنرال الرئيس ونظامه يواجهون منذ فترة مجموعة من المشاكل والمشكلات التي تجمعت وتداخلت وتشابكت فأنتجت كوكتيل من الأزمات “سياسية” (مثل ازمة الجُزر وتباعتها في الشارع المصري) و”اقتصادية” (مثل أزمة الدولار وغلاء الأسعار ل أكثر من الضعف وعلى رأسها زيادة أسعار الأدوية الماسة بحياة المواطن البسيط المطحون بين شقى الرحى) وتفاعل ما هو “سياسي” مع ما هو “اقتصادي” وأضيف إليه خِواء على الساحة الثقافية لينتجوا في النهاية “أزمة إجتماعية” طاحنة صارت تأخذ بخناق الجميع في مصر المحروسة! وساعد على تضخُم الأزمة غياب أي يقين لدى الشعب في وجود رؤية واضحة المعالم محددة القسمات لدى أحد (سواء في النظام الحاكم أو في المعارضة) في حل لتلك الأزمات والمشاكل .

ولم يكن الجنرال الرئيس بحاجه لمشكلة جديدة يصنعها لنفسه كعادته ليضيفها الى المشاكل والمشكلات التي تحول بعضها بفعل الإدارة السيئة لذلك النظام الى أزمات قائمة بالفعل أمامه. تلك الأزمات التي أصبحت تؤثر على توجهاته وتشوش على نظراته وتعيق تحركاته وتشل قدراته!
وفى البداية دعونا نتفق بأن أسئلة أي نظام لنفسه والتي يتحدد بناء على إجابته عليها توجهات هذا النظام هي :

– هذا النظام باسم مَن يتكلم ؟

– ولمصلحة مَن يحكُم؟

وإن تجاسرت وحاولت الإجابة عن السؤالين أقول:

• بأن النظام الحالي للرئيس (السيسي) لا زال حتى هذه اللحظة يتكلم باسم الأغلبية من الشعب (رغم تناقص سريع ومطرد في صفوف المؤيدين له).

• وأما لمصلحة مَن يحكم؟

• فتكفينا نظرةً واحدةً على السياسات الإقتصادية للدولة المطبقة حالياً من قبل نظام الرئيس (السيسي) حتى نعرف أن النظام يحكم لمصلحة الطبقة الغنية في هذا الوطن.(وذلك يثبت بما لا يدع مجالاً للشك مُشكك ويقطع بيقين لا يخالجه ظن ظان بأن سياسات اليوم هي امتدادات لسياسات الأمس وأول الأمس وكأن شيئاً لم يتغير!).

ودعونا ثانياً أن نقول إنصافاً للحق وتعظيماً للحقيقة بأن النظام الحالي قام ويقوم بأعمال تستحق الإعجاب وتتطلب تصفيقاً للتشجيع وإعطاء علامات الإجادة للقائمين عليها مثل (عمليات البناء ورصف الطرق وغيرها من عمليات الانشاء في بعض الأماكن).

مشروعية أي سلطة

ودعونا ثالثاً نتفق على أن مشروعية السلطة أي سلطة شيئان:

• أن تكون بالقانون.

• ثم أن تكون أداة لإحداث تغيير يدفع خطوة إلى الأمام .. سياسية أو اجتماعية أو ثقافية.
إن طلب السلطة بغير القانون … إرهاب بل ويمكن أن يصفه البعض بالانقلاب!.
ثم إن السلطة حين لا تُصبح أداة لإحداث التغيير كارثة ، ذلك أنه حين تصبح السلطة هدفاً في حد ذاتها فإن الأمر يتحول إلى سيطرة تصل بأصحابها إلى طريق مسدود، إن السلطة طاقة ، فإذا لم تُستعمل الطاقة في هدف نافع، فإن تراكم المخزون منها ينتهى بتفجير نفسه، وهو قادر بذلك على تدمير غيره.

• أن من حسن الحظ أن النظام الحالي يصله صوت النداء التاريخي ( المشروع القومي والوطني لثورة يوليو المؤسس على القومية والعدالة الاجتماعية) لكن الأمر الواقع يقف أمامها ( متمثلاً في مجموعة من الأغنياء اللصوص” على حد وصف “ميشيل جوبير”) وهكذا يبدو وكأن القرار لا يبرح مكانه أو لعله يدور حول نفسه لأنه صراع بين النداء التاريخي الأصيل وبين أحكام الواقع الراهن الصعب والعسير.

ولكن على النظام وعلى رأسه الجنرال أن يعرف أن الناس ليس في طاقتها “مقدرة على الصبر” بأكثر مما صبرت ولا تحمُل “للظلم الاجتماعي” بأكثر مما تحملوا وأن ساعة الانفجار قادمة لا محالة مالم يقوم النظام بتصحيح مساره وتعديل رؤاه وضبط البوصلة على اتجاه الأغلبية من الشعب وليس على مصالح حفنة من الأغنياء اللصوص.

• أن واجب السلطة السياسية أن تذهب الى الناس تقول لهم وتسمع منهم ، تناقشهم و تحاورهم و تطرح عليهم رؤاها وتسمع منهم هواجسهم ومخاوفهم ، وليس واجب السلطة أن تفرض عليهم بالقسر وبقوة السلاح أراءها وبرنامجها ( سواء عن طريق الرصاصة القاتلة أو الكلمة المسمومة الناعمة تخرج من أعمدة صحف أو مذياع أو شاشات الفضائيات) فذلك كله يضع شرعيتها ومشروعيتها على المحك الذى يُشبه الوقوف على حد السكين!.

• ثم إن السلطة السياسية يجب أن تعرف أنها إذا أحست أو تصرفت بمنطق “الحق الإلهي” في الحكم – استغنت ، ومن ثم انعزلت، لكنها إذا تواضعت سعت إلى الناس ومن ثم فإنها تقودهم إلى حيث أمالهم و مناهم .

وأخيراً فإن النظام السياسي عليه أن يفهم ويعي بإدراك عميق واقتناع لا يخالجه ثمة شك أن حل المشاكل والأزمات لا يتأتى عن طريق تجاهلها بالصمت ، ولا عن طريق استخدام وسائل القهر والقسر وانتهاج أسلوب المنع و استخدام القبضة الأمنية للإسكات الأصوات في الحلوق وكسر الاقلام في الأيدي و لا عن طريق الغطس في بحور المُنى وإنما وضوح الرؤيا نصف الطريق إلى الحل ، وأن العمل الواعي الجاد هو نصف الطريق الثاني.

وهذه هي الهمسة التي أردت قولها في أذن السيد الرئيس علها تصل وتنفع في إصلاح ما تهدم حتى لا يجد كل الذين انتخبوا الرجل يقولون ما قاله شاعر العرب (بن المعتز):

أملٌ رجوناه وبتنا نرقبهُ حتى إذا ما كان ضل مقصدهُ.

مجدي منصور

‎محامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة