الرئيسية / سياسة وفكر / مسلمي ميانمار : الهجرة أو الموت !

مسلمي ميانمار : الهجرة أو الموت !

لا أجد أبلغ ولا أفتق من هذه الآية الكريمة أفتتح بها كلامي ، من سورة الحج ، بِسْم الله الرحمن الرحيم

﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ صدق الله العظيم

1/ صبرا آل ياسر ، إن موعدكم الجنة :

مسلمي الروهنجيا

سأتحدث اليوم عن مسلمي الروهنجيا ، و سأقترح حلا ، يتطلب أولا قرارا سياسيا سياديا تتخذه الدُّول الاسلامية ، ثم ينتقل القرار بعد ذلك الى الشّعوب الاسلامية ( أغنياء المسلمين ) ، لإنقاذ الإخوة المنسيون ، بأقصى الأرض الضاربة ، في العراء و تحت البلاء ، أولئك اللذين لا نقول فيهم سوى كقول خير الأنام ، حين صاح عمار بن ياسر و الناس نيام ( صبرا آل ياسر ، صبرا ، إن موعدكم الجنة).

أتعلمون ما هي مصيبتنا نحن ؟ تحركت قلوبنا لبني الأجداد و نأت بمهجتها عن إخوة الاسلام ! اي والذي نفسي بيده ، ما عرفنا الله حق معرفته ، و ما عبدناه حق عبادته ، و ما قدرناه حق قدره ! فما بال القوم ، أراهم من حولي لا تتزعزع لهم مهجة إلا عند ذكر العروبة و نسوا أن الاسلام هو ما يجب أن يحدد مسارات مشاعرنا .

جوار ميانمار

يحز في النفس كثيرا ، ما يقع على الجهة اليمين منا ، هناك بعيدا حيث ميانمار ، و ما جاورها ، نازية متعفنة و فاشية مستبدة ، و من بين ما تكبده الاخوة في الله هناك من مسلمي الروهنجيا يستوقفني موقف هو أكثر ما أثر في و حز في نفسي ، و هو حينما يهرب إخوتنا الروهنجيا من بطش حكومة ميانمار للارتماء بين أحضان اخوتهم المسلمين في الدول المجاورة كبنغلادش و باكستان و ماليزيا و اندونيسيا ضنا منهم أن الاسلام سينسي الناس أمر الدنيا ! و لكن وا أسفاه ، تقوم هذه الدول المسلمة بإعادة ترحيل هؤلاء المضطهدين و لكن ليس إلى بلادهم المطرودون منها ( ميانمار) و إنما بترحيلهم نحو الموت !

فهناك من هذه الدول من قامت بإعادة هؤلاء ، و لكن كيف ؟ لقد أركبوهم القوارب ليتركوهم في عرض البحار يموتون ! ، أطفال و نساء و رجال عراة حفاة على قوارب الموت في ضلمة الليل ينتظرون مصيرهم المحتوم ” الموت في عرض البحار ” ، لا أحد يسمعهم ، لا أحد يمد لهم اليد ، لا أحد يهتم لأمرهم ، بل أكاد أجزم لو اني أسأل احدا عن الروهنجيا سأجده لا يعرف عنهم شيئا ، بل لم يسمع عنهم في حياته ! ..

2/ حين قالوا ( ربنا الله ) ! :

هذه الأقلية المسلمة التي تعد الأكثر اضطهادا في العالم حسب تقارير الامم المتحدة ، فعلى رغم أنها تقر بذلك و لكن لا إجراءات ملموسة و فعالة تذكر لرفع الغبن و الظلم و العدوان على مسلمي بورما ( ميانمار) ، ما وقع و يقع في راخين ( أراكان ) و هي منطقة تواجد مسلمي ميانمار ، هو استهداف صريح لمسلمي السنة بالمنطقة ، تجلى في اعتداءات البوذيين من أهل ميانمار ، شرطة و جيشا و قوانينا و تشريعات و إجراءات و عمليات منظمة ، كلها لاستهداف هؤلاء اللذين لا ذنب لهم سوى أنهم مسلمون قالوا ( ربنا الله ) فتم اضطهادهم على أرضهم ، رغم المزاعم التي تقول بأنهم لاجئون و ليسوا أصحاب أرض ! … و لنفرض ذلك ؟

أين هو احترام معاهدات حقوق الانسان ، و معاهدات حقوق اللاجئين ؟! ، لماذا حكومة ميانمار مسكوت عليها ؟! أم لأن مضطهديها هم مسلمون و بالتالي دمهم حلال ! . هؤلاء البوذيون البورميون استحلوا نساءنا و شردوا ابناءنا و قتلوا رجالنا و جوعوا كبارنا و روعوا صغارنا دون هوادة ، مسلمات صوامات قوامات ينتهك شرفهن أمام مرأى الجميع من عباد الأصنام و التماثيل لعنة الله عليهم ، دون تحرك المسلمين في بقاع العالم ! .

ما هذا البرود و الهوان أم هو الذل في القلب استكان ، منعت عنهم صلاة الجمعة و الآذان و سحبت منهم الجنسية فباتوا بلا هوية ! ، منع عنهم الإنجاب لأكثر من طفلين و طردوا من وظائفهم الحكومية و منعوا من السفر و غلقت مدارسهم و سجن و قتل دُعاتهم و أئمتهم و علمائهم ، سلبت أموالهم و صودرت ممتلكاتهم ، تشريد تجويع ترهيب تعذيب تقتيل تنكيل و إعدامات بلا محاكمات ، كل ذلك تحت مرأى و مسمع العالم الاسلامي دون نهضة حقيقية لإنقاذ هؤلاء المحسوبين علينا. هؤلاء هم إخوة الاسلام ، أفلا يجدر بِنَا معاملتهم كما عامل أنصار المدينة إخوتهم المهاجرين ؟

3/ بين أنصار الأمس و أنصار اليوم ! :

باستثناء البعض من الدول الاسلامية التي لا ننكر لها وقفتها مع لاجئي ميانمار ، إلا أن أكثر الدول قد سكتت عن الكلام المباح ! ، كما قامت دول أخرى مجاورة لبورما بطرد هؤلاء للعودة الى بلدهم في موقف مخزي يندى له الجبين ، ما هكذا تعامل الانصار مع المهاجرين ، ما هكذا يا إخوة الاسلام ؟! ، ليس الأخ بالمال فقط ولا بما تحتويه البطن و إنما الأخوة أمان و سلام ، و طيب مقام نتقاسم فيه ما كتب لنا الرحمن ، دون قتر ولا إسراف ، حتى إذا ما تكلم الأعداء قالوا : أخ كريم ابن أخ كريم ! .

إخوتنا الروهنجيا اليوم ، كحال المهاجرين بالأمس ، اللذين طردوا من أرضهم مكة لا لشيء سوى لأنهم قالوا : ربنا الله ، فخرجوا كرها من مكة نحو المدينة . فكذلك الروهنجيا ، خرجوا من ديارهم كرها نحو البلاد المسلمة حيث يفترض أن يكون اَهلها أنصارا لهم ، و لكن .. نقول أطبخي ما شئت من الحصى فلقد مات عمر !!

إلا أن الله قال في آياته الكريمات ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) ، فالله ينصر هؤلاء باذنه تعالى مادام أنهم متمسكون بقول ( ربنا الله ) ، قاتلوهم فظلموهم فأخرجوهم من ديارهم نحو اللامدينة ! ، و هنا يقع الاختلاف بين هؤلاء و بين المهاجرين ، هذا لأن مهاجري مكة استقبلهم أنصار المدينة بالقلب و الروح و الجسد و المال و العيش الكريم ، تقاسموا معهم حتى الزوجات فمابالك بالاموال ، في حين أن مهاجري ميانمار لم يجدوا الأنصار ، ولا من يقاسمهم البيت و المال من الأحرار ، بل وجدوا من رمى بهم في عرض البحار من اخوانهم المسلمين . أو اللذين يفترض أنهم إخوانهم ! فأي مفارقة هذه ؟!

4/ الارهاب البوذي ، و المسكوت عنه ! :

أجبار مسلمي بورما على الردة

إن اضطهاد مسلمي بورما ليس وليد اللحظة و انما يشهد التاريخ أن أول اضطهاد ديني معلن و صريح اتجاههم كان في القرن السادس عشر حينما منع الملك ذبح الحلال ، و أجبر بالقوة مسلمي بورما على الردة و ترك دينهم للدخول في البوذية ، ثم استمر الاضطهاد الى أن تنامت اكثر فاكثر المشاعر المعادية للروهنجيا إبان الحكم البريطاني ، لتستمر معاناتهم على طول قرون عجاف و لحد اليوم تكبدوا خلالها الويلات على يد البوذيين الكفرة ، و اليوم تعتبر حكومة ميانمار أن مسلمي الروهنجيا هم من أصل بنغالي و بالتالي هم لاجئون لديها ، و ليسوا سكانا أصليين في بورما ، و عليه يجب إعادتهم الى بلدهم و هو بنغلاديش ، إلا أن دراسات و تقارير اخرى قد بينت أنهم اصحاب أرض و ليسوا لاجئين.

و لكن هذا لا يبرر لحكومة ميانمار أن تنكل بأجسادهم و تضعهم تحت طائل التعذيب الممنهج و في ضَل سكوت عالمي رهيب ، فأين هم المتشدقون بحقوق الانسان ؟! و أين هم دعاة السلام و نبذ الاٍرهاب حتى يلتفتوا قليلا الى هؤلاء الإرهابيين ؟! فالبوذية تُمارس الاٍرهاب ضد المسلمين ولا أحد تكلم ، سوى بضع همهمات محتشمة لا يكاد يسمع لها صدى ؟! ، و ماذا تفعل رئيسة بورما التي منحوها جائزة نوبل للسلام بلا فائدة تذكر و لا مبرر يعقل ! ، فجيشها براخين أباد و حرق و قتل و نكل وفق خطة ممنهجة لتطهير عرقي و عقائدي بات جليا و واضحا ، و مل ذلك تحت شعار جائزة نوبل للسلام الكرتونية !!! .. حتى أن الدول المجاورة التي استقبلت الروهنجيا الفارين اليها و أعدت لهم مخيمات لاجئين ، لم تعاملهم بالطريقة التي كان من المفترض أن تكون إذا ما عدنا إلى : قانون حقوق اللاجئين في الاسلام .

و لذلك يقول الله تعالى استكمالا للآيات الكريمات التي افتتحت بها حديثي ( و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) أي أن الله عز و جل يدفع الباطل بالحق ، فكما هناك من الناس من يقيمون الباطل ( كحكومة ميانمار ) هناك بالمقابل من يدفعون هذا الباطل ( نحن المسلمون ) ، ندفعه بحماية اخوتنا و ضمهم إلينا ..

5/ نحو قانون اللاجئين في الاسلام :

لا اريد التحدث عن مسألة الارض و من صاحبها ، فهذا اساسا امر فيه جدل و اختلاف لذا ما يهمنا الآن ليس الارض و انما الأرواح ، مسلمو مكة لما اضطهدوا و عذبوا على ارضهم باشروا أولا بالهجرة حماية لدينهم و كرامتهم و لم يتمسكوا بالأرض ، و حتى لما عادت اليهم الارض لم يتركوا المدينة ، تماما كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لذلك نريد أن نحفظ دين هؤلاء الاخوة لنا خشية الردة ، و نحن مسؤولون عن ذلك.

الدول الاسلامية وقضايا اللاجئين المسلمين ومنها راخين ( أراكان ) بميانمار

و الحل يكون بتطبيق قانون حقوق اللاجئين في الاسلام و الذي تحدثت عنه آنفا حينما عرضت قصة استقبال أنصار المدينة لمهاجري مكة ، و كيف كان التعامل مع ملفهم ، أما اليوم ، فلا وجود لهذا القانون السامي على الواقع سوى مبادرات فردية متفرقة ، لا نريدها كذلك و انما نريدها مبادرات جماعية ، لذلك أنا اناشد الدول الاسلامية ان تعود الى رشدها في التعامل مع قضايا المسلمين وفق معاهدات و قوانين الاسلام ، فباستثناء اللاجئين المتواجدين ببلدان اللجوء المذكورة آنفا ، بقي لنا ما قيمة 800.000 لاجىء في راخين ( أراكان ) بميانمار

و لقد كان عدد مسلمي الروهنجيامنذ سنين غدت اكبر بكثير مما هو عليه الآن ، و لكن تمت ابادتهم بالحديد و النار و التجويع و تقتيلهم و رميهم احياء في البحار حتى تناقص العدد شيئا فشيئا الى أن وصل الى حوالي مليون و نصف مسلم بورمي ، و هم اليوم موزعون على أراضي اللجوء بما يقارب 700.000 لاجىء ، فيما تبقى ثمانمائة الف في بورما يعانون الويلات على يد البوذيين .

تتقاسم البلدان الاسلامية المسؤولية

فبالعودة الى قانون اللاجئين في الاسلام أقترح أن تتقاسم البلدان الاسلامية التي تتوفر على مساحة شاسعة و بنية تحتية صلبة هؤلاء الإخوة الروهنجيون ، إذا كانت السعودية استوعبت نصف العدد اي 400.000 الف لاجىء روهنجي ، فالجزائر ليست أقل شأنا ، فلطالما عرفت بمواقفها السيادية و بنبل أخلاقها مع الاخوة و الاشقاء ، و الأمر لا يتعدى كونه إنقاذ إخوة لنا من التقتيل و التجويع و تدنيس الشرف ، و ليس الامر يحتاج الى أموال طائلة بقدر ما يحتاج الى قلب رحيم يحتوي اخوته ، لنحاول إخراجهم من ميانمار و احتضانهم عندنا فأرض الله واسعة نقيم لهم عليها مساكنا يسكنونها كنموذج مساكن اللاجئين بأوربا ، و نحاول إدماجهم في سوق العمل من منطلق أنهم أصحاب أرض كذلك ( انا أتكلم من مبدأ قانون حقوق اللاجئين في الاسلام و ليس من منطلق القومية ) ..

6/ إتحاد أغنياء المسلمين :

و حديثي ليس فقط عن ما يمكن ان توفره الدولة كسياسة و استراتيجية لإنقاذ هؤلاء الاخوة و انما أتكلم كذلك عن الشعوب الاسلامية ، عن العائلات و الأسر ، عن الأغنياء ( أمراء الخليج ، كبار رجال الاعمال و المستثمرين ، و ملاك الاراضي و العقارات و كبار التجار و غيرهم ..) اذ لابد أن تؤدي كل هذه الفئات دورها كما فعل أنصار المدينة ، هذا هو الاسلام و إلا فلا ، لماذا لا يتحد الأغنياء المسلمين وفق دراسة محكمة حتى يقتطعوا نصيبا من ثروتهم توجه إلى الروهنجيا من أجل بناء مساكن لهم في بلاد الاسلام ، و تشييد مصانع و ورشات عمل و فلاحة و غير ذلك لادماجهم في سوق العمل ، أليس ذلك ممكنا ؟

بلى ، والذي نفسي بيده لهو ممكن و متوفر، فهكذا كان أنصار المدينة تقاسموا اموالهم مع المهاجرين و أسكنوهم ديارهم و شاركوهم في التجارة و الاملاك .. فهل بقي هناك من الشعوب الاسلامية من يفكر بهذا المنطق السليم !؟ هل بقي هناك من الشعوب الاسلامية من يتقاسم ماله كله مع مهاجر مضطهد من المسلمين ؟! ، لماذا لا نكون من اللذين قال الله فيهم في نفس السورة ( الحج ) و بعد تلك الآيات الكريمات التي افتتحت بها حديثي إذ قال جل في علاه ( اللذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور ) ، فالتمكين هنا يعني المال و السلطة و المقدرة ، فعلى كل من مكنه الله أن يسخر ذلك في خدمة الخير.

لذلك أنا أناشد مستويين معا هما : الحكومات و الشعوب ، على الحكومات المسلمة فتح الباب لهؤلاء حسب طاقة كل دولة ( المساحة مقابل الكثافة السكانية + البنية التحتية ) ، ثم اتحاد أغنياء المسلمين للمساهمة في ارساء حياة كريمة لاخوانهم المضطهدين ، لذا أنا أدعوا إلى تشكيل ما أسميه ب ( إتحاد أغنياء المسلمين ) بوضع نصيب من أموالهم لإنقاذ اخوانهم في الوقت الذي تتدارس فيه الدول الاسلامية التي تتوافر على المواصفات التي ذكرتها آنفا ملف توزيع ال 800.000 روهنجي فيما بينها بالعدل ، هناك مناطق شاسعة غير مأهولة في بلداننا الاسلامية باستطاعتنا فتحها لهؤلاء يسكنون بها و يعملون و يحيون بكرامة بدل التنكيل و التقتيل الذي يعانونه على يد عباد الأصنام البوذيين ، المسألة ليست مسألة سياسة بقدر ما هو واجب ، و فرض علينا سنسأل عنه يوم غد.

فالبدار البدار يا إخوة الاسلام ( و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) .

هذا والله من وراء القصد ، و عليه قصد السبيل

د/ لبنى لطيف

أضف تعليقك هنا

د. لبنى لطيف

باحثة متخصصة في علم الإجتماع