<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / سياسة وفكر / وثائق من ملف العلاقات المصرية السعودية الأمريكية!

وثائق من ملف العلاقات المصرية السعودية الأمريكية!

لعل العلاقات المصرية السعودية منذ أن بدأت وهى علاقات ليست مستقرة فهي ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً ، تتوتر أحياناً وتنفرج أحياناً ، فالعلاقة المصرية السعودية فى العادة لا تحكمها حقائق الصراع المعروفة من اختلاف أو اتفاق ، وإنما تتحول وتتطور العلاقة في بعض الأحيان إلى تعبيرات مشاعر فيها الحب والكره ، وفيها الإقبال والصد ، وفيها العطاء والحرمان، وفيها النصيحة والنميمة ، بل ودخل فيها في بعض الأحيان الحب والقتل!

وقبل أن أبدأ بالدخول إلى ساحة العتبات المقدسة أحب أن اسرد بعض الملاحظات :

  • انه من الغريب أن بعض ممن يقرئون مقالاتي اثر أن يتصرف بالتفرقة بين الخبر وبين ناقل الخبر فهو لا ينكر الوقائع التي أذكرها بمقالاتي ، ولكنه يكره أن يتعامل مع نتائجها ومعانيها ، وبالتالي فأن الخبر نفسه ليس كفراً ، ولكن ناقل الخبر مثواه النار وبئس المصير!ولعل اغرب ما جاءني من تعليقات يقول :” إن كل ما قلته ونسبته من وقائع صحيح ولكن ” هذا ليس وقته “، وأظن أن ذلك المنطق يحتاج إلى مناقشة. لان القائلين بأن هذا ليس وقته يريدون من الناس حبس مواقفهم وآرائهم التي لا تتوافق مع السيد الكبير ! أياً كان هذ السيد سواء وضع على رأسه عمامة بيضاء أو سوداء أو عقالا أو وبرنيطة مادام يدفع سواء بالدولار أو باليورو أو بالريال أو بالدينار لا يهم المهم أن يدفع طويل العمر! .
  • وكان على ممن يقول أن هذا ليس وقته أن يتذكروا أن هذه السياسات هي التي أدت إلى تفكيك وتدمير أوطان وتشريد شعوب (أفغانستان في الماضي وسوريا في الحاضر) وأن تلك السياسات التي تنفذ حالياً ليس هذا وقتها ولا مكانها ولا زمانها لأنه حينما تتحول كل الأحداث الممكنة والغير ممكنة وسيلة لتمرير سياسات تدمر الواقع العربي يصبح السكوت تفريط ورخصة لأعداء هذه الأمة في صياغة وعيها وكتابة تاريخها وتحديد المثل الأعلى للالهامها بما في ذلك تنصيب الأبطال والشهداء والقديسين والحكام أيضاً على طريقة الفنان (محمد صبحي) في مسرحيته الهمجي  حينما كان يقول ” بفلوسي يا كلاب !!”.وهناك من قال أن الناصرين هؤلاء لا يُعجبهم العجب آلا يمثل الملك (سالمان) اليوم بطل العرب في محاربة إيران الفارسية!

وأحسبُ أن الملك السعودي لو قرأ ما يكتب عنه في الصحافة الخليجية عموماً والسعودية خصوصاً اليوم وأمس لقال كما قال رئيس وزراء بريطانيا الأسطوري (ونستون تشرشل) حينما قرأ مقالا لأحد الكتاب البريطانيين وكان ذلك الكاتب فيما يبدوا في لحظة انبهار بتشرشل فأمسك تشرشل الجريدة وقرأ المقال مرة ومرة ثانية ثم أمسك قلمه ودون على المقال ملاحظة تقول :

“جيد جدا إلى درجة انه من المستحيل أن يكون حقيقي “!

وأريد أن اُذكر هؤلاء أن نفس تلك الصحافة ونفس هؤلاء الكتبة هم من كانوا يقودون حملة للهجوم على الرجل بطريقة الغمز واللمز والتلميح باتهام الرجل بكبر السن إلى حد الخرف بالإضافة إلى ما يصل إلى الذمة الشخصية في عهد الملك السابق (عبد الله) وكان ذلك في إطار الصراع على السلطة وقتها بين (عبد الله)  الملك وقتها و أشقاءه السدرين ومنهم الملك الحالي (سلمان).

(1)

” إن الشرق الأوسط مجرة كونية هائلة من حقول البترول لا يعرف أحدا لها نظير في الدنيا ، والسعودية هي بمثابة الشمس في هذه المجرة “

تقرير مرفوع للرئيس روزفلت

إن العلاقات السعودية الأمريكية: لم تكن السعودية ضمن اهتمامات أمريكا حتى بعد الحرب العالمية الأولى وذلك لأنها لم تكن لها أي صالح في السعودية ، وبالإضافة لذلك أن كل البلدان العربية تقريباً كانت تقع ضمن مناطق النفوذ البريطاني – إن بداية العلاقة السعودية الأمريكية تعود لعام 1928 حينما أرسل (فوأد حمزة) أحد المقربين من الملك عبد العزيز رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكية وقتها (فرانك كيلوج) بأن تقوم الولايات المتحدة بالاعتراف بالسعودية وتبادل التمثيل الدبلوماسي إلا أن الخارجية الأمريكية قد رفضت الطلب ! ، وأرسلت الرفض إلى ممثلها في مصر وطلبت منه إبلاغه إلى حمزة مؤكدة إلى أنها ستنظر في الأمر في المستقبل بعين الاعتبار.(1)

وكان رفض أمريكا للإقامة علاقات مع السعودية مبنى على نقطتين:

الأولى / أن السعودية ليست لها علاقات تجارية هامة مع أمريكا.

الثانية / انه إذا اعترفت أمريكا بالسعودية فيجب أيضا أن تعترف بحكومة الإمام في اليمن.

إلا أنه مع بدأ السعودية في شراء السيارات الأمريكية بدأت الخارجية الأمريكية تُعيد النظر في الموضوع وخصوصاً إن بن سعود كما جاء ف تقرير أمريكي ” يحاول الرد على الهجر الأمريكي له بإنقاص مشترياته من السيارات الأمريكية والاتجاه إلى التعامل مع شركة فيات الإيطالية”. وبالفعل نتيجة ذلك وقعت اتفاقية الاعتراف والتبادل الدبلوماسي بين البلدين في 7 نوفمبر 1931. (2)

وفى الثلاثينات من هذا القرن قررت أمريكا أن تعطى نفسها حق المنافسة على بترول الشرق الأوسط وتمكن المليونير الأمريكي الشهير (وليام ميلون) من عقد صفقة مع الشيخ (احمد الجابر الصباح) شيخ الكويت في ذلك الوقت الذي كان غاضباً على الشركات البريطانية لان تلك الشركات عثرت على البترول في البحرين قبل العثور عليه في الكويت وقال الشيخ لرئيس شركة شل:

“إن ظهور البترول في البحرين قبل ظهوره في الكويت طعنة خنجر في قلبي” !

وسارعت بريطانيا لعقد اتفاق مع ( بن سعود) وبعد الحرب العالمية الثانية خرجت الولايات المتحدة تقود معسكر المنتصرين وبترولها هو الذي احدث الطفرة في الحرب وكان هذا عبئاً كبيراً على الموارد الأمريكية التي كانت متخوفة من الضغط الشديد على مخزوناتها ، وقد أحست أن ضرورات الاقتصاد والأمن تحتم عليها أن تبدأ زحفاً منظماً على موارد البترول وراء البحار .

ويروى (هارولد أيكس) وزير الداخلية الأمريكي والمسئول عن البترول في ذلك الوقت في مذكراته ” انه وكبار مستشاري الرئيس (روزفلت) كانوا يجلسون يناقشون عالم ما بعد الحرب ويكمل كنا نضع البوصلة على أي موقع فوق مائدة الاجتماع وحيثما وضعناها فان إبرتها كانت تقفز تلقائياً إلى الشرق الأوسط”.

ومضى (روزفلت – الرئيس الأمريكي) يضغط على (تشرشل) – رئيس وزراء بريطانيا) من أجل نصيب أمريكي كبير في بترول الشرق الأوسط  ويرسل روزفلت بلجنة رئاسية خاصة لدراسة الشرق الأوسط وتقوم الجنة بزيارة إيران، دول الخليج وتعود لتقدم تقريرا للرئيس الأمريكي يبدأ بالعبارة التالية :

(إن بترول الشرق الأوسط هو أعظم كنز تركته الطبيعة للتاريخ ، والتأثير الاقتصادي والسياسي لهذا الكنز سيكون فادحاً).

ويجلس (جيمس بيرنز) وزير الخارجية ، يسأل (روزفلت) مباشرةً :

” سيادة الرئيس ما هي الحصة التي ينبغي أن تسيطر عليها الحكومة الأمريكية ؟ ويسكت روزفلت ويفكر صامتاً ويطيل التفكير ثم يرد على وزير خارجيته ” جيم.. لا أقل من 100%” .

ويسارع (هارولد أيكس) بعدها ويكتب لروزفلت:

“إن الشرق الأوسط مجرة كونية هائلة من حقول البترول لا يعرف أحدا لها نظير في الدنيا ، والسعودية هي بمثابة الشمس في هذه المجرة فهي اكبر بئر بترول في الشرق الأوسط والظروف فيها ألان مناسبة ، وملكها بن سعود يريد شيئين : مالاً يصرف منه ، وضمانا يكفل ويضمن استمرار العرش في أسرته ، ويجب أن تكون الولايات المتحدة هي التي تمنحه المطلبين”.

وبالفعل تحصل الولايات المتحدة على بترول السعودية بموجب اتفاق مع الملك    (عبد العزيز) وقعه الملك مع مجموعة أرامكو المكونة من أربع شركات بنسبة مائة في المائة للشركات الأمريكية !! (3).

وجاء ذلك بعد مقابلة الرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت ) للملك (عبد العزيز ) على ظهر الطراد الأمريكي (كوينسي ) وقد استمع الرئيس الأمريكي للملك السعودي وبدا له بعض ما سمعه غريبا على ثقافته فالملك السعودي يحدثه بلغة زعماء القبائل ويقول له :

” أنت أخي وكنت اشتاق دائماً إلى روئيتك – وأريد أن يكون تعاملي معك أنت وليس مع غيرك لأنك رجل مبادئ ونصير حقوق ونحن العرب نتطلع إليك في طلب العدل والإنصاف من تحكم واستبداد الآخرين ( يقصد الإنجليز).

وصحيح أن الملك (عبد العزيز تحدث في موضوع المظلومين من الفلسطينيين إلا أن لهجة  الملك كانت رجاء ونداء إلى الرئيس الأمريكي باعتباره ” السيد القوى العادل ” ، وكان الملك السعودي حريصاً على التركيز بأنه هو والرئيس الأمريكي   ” توأمان في الروح ! ” وحتى في الظروف الصحية ! ، لان كليهما غير قادر على المشي – فالرئيس الأمريكي يجلس على مقعد متحرك بسبب إصابته بشلل أطفال ، وباني الدولة السعودية وهنت عظام ساقيه فلم تعودا قادرتين على حمل قامته الطويلة  وجسده الممتلئ ، وكذلك أهداه روزفلت كرسي متحركا).

وقد سجل ( روزفلت ) في يومياته عن ذلك اللقاء ” بدا لي الرجل طرازاً بدوياً من النوع المتوحش النبيل يذكر بأزمان غابرة وتقاليد تعود إلى عصور لم يعد لها ألان مكان!!. “(4).

إلا أن المصالح جعلت الرئيس روزفلت يعطى الملك السعودي تعهد بحمايته وحماية ملكه هذا نصه:

” أود أن يصبح مفهوماً بوضوح أن بإمكان المملكة العربية السعودية أن تعتمد على صداقة الولايات المتحدة وتعاونها في كل ما يمس سلامتها وأمنها”. (5) ،

وهذ التعهد يعطيه كل رئيس أمريكي لكل ملك جديد في  السعودية حتى يومنا هذا وقد ظل سراً حتى أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية في بيان رسمي سنة 1966 كتهديد لمصر الناصرية في ذلك الوقت .

(2)

” إلى أين تذهبان بآل سعود يا يوسف ؟ إلى الأرض الحضيض إلى .. جهنم والله “

الأمير عبد الرحمن آل سعود للمستشار الملك في وجود الملك سعود

لعل أول خطوات التعاون الفعلية بين السعودية والولايات المتحدة كانت بهدف القضاء على الزعيم المصري (جمال عبد الناصر) لوقف حركة القومية العربية التي كانت تقودها مصر الناصرية في ذلك الوقت وقد بدأ الخلاف بين مصر الجمهورية والسعودية الملكية بعد حرب السويس 1956 وانتهاج “عبد الناصر” سياسته التحررية وجاءت الطامة الكبرى حينما قرر الملك سعود اغتيال “عبد الناصر” في يوم الوحدة المصرية السورية عام واكتشفت المؤامرة سنة 1958 وأعلنها الرئيس “عبد الناصر” من شرفة القصر في دمشق، ويسجل تقرير السفير الأمريكي وقتها في السعودية الاتي:

تقرير سرى رقم 2565 / 3268 للعرض على الوزير – ويمضى التقرير قائلاً:

” إن إذاعة تفاصيل المؤامرة وأسرارها كانت بمثابة قنبلة انفجرت في الرياض وقد هرع بعض الأمراء الشبان إلى القصر الملكي وقد عرفوا أن الملك (سعود)  ليس في العاصمة وإنما هو في قصره بالمدينة ، وسأله ما إذا كان قد سمع ما أذيع للتو من دمشق؟

ورد عليه الملك بقوله : لا تنزعج وتوجه إلى المدينة.

ودخل الأمير (طلال) (والد الملياردير السعودي المعروف الوليد) إلى القصر في المدينة ليجد أن نائب أميرها (عبد الله السديري) جالس مع الملك وكان الملك يسأله :

” هل صدق أهل المدينة ما قاله الحاسدون في دمشق؟ ”

وحاول الأمير (طلال) أن يستطلع رأى الملك في الموضوع ، ولكن الملك راح يتحدث في أمر أخر وأحس طلال أن الملك يراوغه ، فقال له منفعلا:

” بالله يا طويل العمر أن تبيض وجوه أل سعود لو تركنا ما أذيع بغير رد لسودت الفضيحة وجوهنا ، ونحن لا نمثل فرد ولا اثنين ولكن إحنا خمسة ألاف من أل سعود ، وأين نذهب بوجوهنا ؟

وتصنع الملك ابتسامة ثم رد: ” أبشر ولا تنزعجوا ”

وبعد قليل دعا الملك مستشاريه ولم يكد مجلسهم ينعقد حتى دخل عمه الأمير      (عبد الرحمن أل سعود) (كان وقتها يعتبر عميد العائلة) وأمر الملك بالقهوة والصمت سائد في المجلس وبعد قليل قام الملك واتجه إلى مكتبه ودعا إليه مستشاريه الشيخ (يوسف ياسين) والسيد (جمال الحسيني) ونهض الأمير (عبد الرحمن) واقفاً يقول للشيخ يوسف ياسين والملك يسمع :

” إلى أين تذهبان بآل سعود يا يوسف ؟ ، إلى الأرض الحضيض إلى جهنم والله ” قالها وانصرف”.

وتأتى تأشيرة وزير الخارجية الأمريكي (جون فوستر دالاس)على ذلك التقرير: “علينا أن نستعد لرد ناصر على سعود ، لقد حرق سعود أصابعه بمحاولة الاغتيال الفاشلة !! وأشك أن ناصر سيصمت”.

ويُعرض التقرير على الرئيس الأمريكي ( أيزنهاور) ويسجل أيزنهاور على التقرير ما يلى:

” اننى حاولت بكل جهدي أن انسق مع الملك سعود لكن محاولتي لم تسفر إلا عن نتائج هزيلة ، وحده ناصر يعرف ماذا يريد وكيف يفعل ونحن لا نجد في صفنا إلا قطعة لحم كبيرة اسمها (سعود) أظن انه قد حان الوقت لكي يرتاح سعود” (6).

وبالفعل يقوم الأمير فيصل بعد فترة بانقلاب ابيض على أخيه الملك (سعود) ويتولى فيصل المُلك وتتوالى الأحداث وتندلع الثورة في اليمن 1962 ويصبح المزاج السعودي ثائراً.

(3)

” من سوء الحظ أن التمرد في اليمن أوصل السعودية من الناصرية إلى نقطة الغليان  “

تقرير أمريكي للرئيس كنيدي

 

ويأتي فيصل إلى أمريكا للقاء الرئيس الأمريكي الجديد (جون كنيدي) وتظهر الوثائق مذكرة أعدها (روبرت كومر) مساعد مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي وقد قدمها لكنيدي صبيحة لقائه مع فيصل ونص المذكرة كما يلى:

 4 أكتوبر 1962 – مذكرة إلى الرئيس

” إن (فيصل) هنا وهو يريد بشدة نصف ساعة في حديث خاص معك .. من سوء الحظ أن التمرد في اليمن أوصل السعودية من الناصرية إلى نقطة الغليان ، إن فيصل يريد مساندتك من اجل جهد بريطاني سعودي مشترك في العمل في اليمن ضد (ناصر) ، من المهم أن تؤكد (لفيصل) مرة أخرى مساندتنا للأسرة السعودية ، من المهم أن تؤكد أيضا (لفيصل) إننا لا نتعامل مع (ناصر) على انه السيد الكبير في المنطقة وأننا فقط نحاول احتوائه.”(7)

(4)

“إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل ، أوقفوا عنه الطعام تماماً وسوف ترون ما يحدث”

الملك فيصل متحدثا عن الرئيس عبد الناصر للسفير الأمريكي.

ويمضى التنسيق السعودي الأمريكي في مساره بعد اغتيال (كنيدي) وتتطور العلاقة أكثر مع الرئيس الأمريكي الجديد (ليندون جونسون) الذي كان يكن كراهية أكثر من الملك (فيصل) للرئيس (عبد الناصر) وتظهر الوثائق شعور الملك فيصل في تلك الفترة ورأيه ورؤيته حيث قام الملك فيصل بتحريض الرئيس الأمريكي (جونسون) ضد (جمال عبد الناصر) و(مصر) بالتبعية ولعل أكثر ما يُجسم ذلك البرقية التي أرسلها السفير الأمريكي في السعودية (بيتر هارت) لوزير الخارجية الأمريكي عن محضر مقابلته مع الملك (فيصل)

( وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ  19 أغسطس 1964 ونص البرقية كالتالي :

” اتصل بي البرتوكول صباح أمس ل إبلاغي اننى مطلوب في الطائف الساعة  15:4 بعد الظهر ولم يعطني البرتوكول أي إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة ستحملني إلى الطائف بعد الظهر .

استقبلني الملك ( فيصل) في قصر (الشبرة) في الساعة التاسعة مساء في حضور السقاف وفرعون (مستشاري الملك) وقال الملك إن هناك شيئاً حدث وهو يريد إخطاري به بنفسه كصديق شخصي لي وكممثل لبلد صديق له ولأسرته  ، ثم قال الملك انه خلال اليومين السابقين قامت ثلاث طائرات مصرية باختراق المجال الجوي السعودي جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث وأبو عريش ، وأن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة في محاولة ظاهرة للاستفزاز ، كما أن معلومات لديه (أي الملك) من داخل اليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية ، وقت حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات ولم يكن لديه شيء لا عن حجم هذه القوات ولا عن تسليح تلك القوات ولا عن مواقعها وقد قال الملك أن هذه التطورات تثير في ذاكرته ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مر والعراق والأردن ! لغزو وتقسيم بلاده على النحو التالي :

“حسين يأخذ الحجاز باعتبارها مملكة هاشمية في السابق ، والعراق يأخذ المقاطعة الشرقية ، واليمن يأخذ الجنوب ، وباقي المملكة يدخل تحت سيطرة ناصر”،

ثم قال لي الملك أيضا إن (ناصر) أوحى إلى صديقة (هيكل) (يقصد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل) بأن ينشر خطة عن إنشاء منظمة عربية للبترول ثم أضاف الملك :

” إن السعودية محاصرة ، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأرضها وشرفها وإذا كان (ناصر) كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصوراً أنه – (فيصل) – سوف يقف ساكتاً في انتظار أن يُخنق فهو مخطئ في ذلك “.

وأشار الملك إلى انه سوف يقاوم عسكرياً وهو قد اتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغني بها ألان :

  • قرر أن يدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدود اليمن وانه أعطى بالفعل أوامر بذلك.
  • انه أعطى أوامر بالفعل لقواته بأن تحتشد على حدود اليمن لتكون في وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية .
  • وهو الآن لا يعتبر نفسه مرتبطا باتفاق فصل القوات في اليمن وسوف يساند الملكيين بأي طريقة يراها مناسبة له.

اننى أبديت دهشتي للملك ، كما أبديت له استغرابي لكل ما قاله عن خطط تعد بين مصر والعراق والأردن!.

ثم اطلعني الملك على تقرير مخابرات سعودي يحوى معلومات عن أن ضباطاً من الجيش المصري رتبوا عملية لقتل ( ناصر) يوم 26 يوليو ، وأضاف الملك إن (ناصر) مريض جدا، ثم أمر الملك بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه وعداي وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدود اليمن وان يحتفظ بما يشاء من قوات في أوضاع تأهب في أي مكان يراه بعيدا عن الحدود وقلت له إننا لسنا متحمسين لتوسيع الحرب في اليمن وهنا تدخل الملك بحدة قائلاً:

” اخرجوا القوات المصرية من اليمن وسوف ينهار هذا النظام الذي يدعون بمساعدته في شهر أو اثنين على أقصى تقدير” .

ثم استجمع الملك كل قوته وحيويته ليقول:

“إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذي يفتح الطريق للتغلغل الشيوعي ، إن مقترحاته بشأن نزع السلاح في جنيف جاءته مباشرة في شكل تعليمات من موسكو”.

وأبديت تحفظي على كلام الملك ، ولكن الملك  كان لايزال مصراً على أن (ناصر) يعادينا ويخدعنا وأننا مازلنا نحاول استرضاءه ، وذكرته بأننا عطلنا توريد القمح إلى مصر، وعقب الملك ( فيصل) :

” أوقفوا عنه الطعام تماماً وسوف ترون ما يحدث” (8) .

ولم يكن الرئيس (جونسون ) بحاجة إلى تحريض الملك (فيصل) ضد (عبد الناصر) لأنه كان يجهز مع إسرائيل خطة (اصطياد الديك الرومي) يونيو 1967 وقبل حرب يونيو 1967 ارتأى (جونسون) أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربي على العروش العربية في حالة إذا ما شنت إسرائيل هجوم عسكري خاطف ضد مصر ، واستقر رأى (جونسون) بمشورة من وزير دفاعه (روبرت ماكنمارا) وموافقة وزير الخارجية (دين راسك) على التوجه بسؤال مباشرة إلى ملكين في المنطقة تعتبر الولايات المتحدة إن عرشهما (مسألة تهمها ) !

الأول هو الملك (حسين بن طلال) في الأردن ، والثاني هو الملك ( فيصل بن عبد العزيز) في السعودية ، و أما بالنسبة للملك ( فيصل) فقد توجه إلى مقابلته يوم 28 مايو 1967 (ريتشارد هيلمز ) مدير وكالة المخابرات المركزية.

(5)

“كان الخطر الأكبر علينا أمام ملكه – عليه رحمة الله – هو صديقك الرئيس (جمال)”

كمال ادهم ( رئيس المخابرات  السعودية ) في عهد الملك فيصل للأستاذ محمد حسنين هيكل

وكان الملك (فيصل) يومها في زيارة رسمية للعاصمة البريطانية لندن ولم يكن مزاج  الملك (فيصل) عند وصوله إلى لندن 9 مايو رائقاً أو صافياً ، فقد قابلته في المطار مظاهرات معادية له نظمتها اتحادات الطلبة العرب في الجامعات البريطانية ، واضطر الأمن البريطاني إلى حشد قوات إضافية حول المطار ، وهكذا فان وصول الملك إلى مطار هيثرو بدا أشبه ما يكون بعملية عسكرية وفى هذا المناخ وصل إلى لندن والى فندق دورشستر مبعوث جونسون السري “ريتشارد هيلمز” مدير وكالة المخابرات المركزية إلى الملك ،

وكانت تعليمات البيت الأبيض لهيلمز أن يقيس رد فعل الملك لما يكون عليه رد فعل الشارع العربي في هذه الحالة ، ثم وترتيباً على ذلك أن يستطلع رأى الملك في أية إجراءات يلزم أن تتخذها الحكومة الأمريكية لحماية أصدقائها من غضب الشارع العربي. (9)

ولا يوجد أي تفاصيل للقاء في الوثائق لأن محضر ذلك اللقاء لم يُكشف عنه بعد وذلك لاعتبارات الأمن القومي الأمريكي رغم مرور كل تلك السنوات مما يدل على خطورة ذلك المحضر على الأمن القومي الأمريكي ،إلا أن السيد ( كمال أدهم) وهو مدير المخابرات السعودية في عهد الملك (فيصل) وزوج شقيقة الملك (الأميرة عفت) حينما سُأل عما دار في ذلك اللقاء  ( فيصل – هيلمز) رفض أن يجيب مباشرة عن ذلك السؤال إلا انه قال لسائله :

” اسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أي كلام والسلام ، ما سألتني فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم وأنا أقولها لك بمنتهى الصراحة: صديقك الرئيس (جمال) كان في مواجهة مفتوحة وعنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية ونفسية –  وأخيرا أصبحت عسكرية في (اليمن) والملك فيصل مسئولاً عن مملكته . مسئول أمام أسرته .مسئول أمام إخوته وأبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها واجبه واضح أمام العرش والأسرة وعليه أن يتصرف بما يحقق المصلحة وهذا هو كل شيء وليس هناك شيء أخر ، كان الخطر الأكبر علينا أمام ملكه – عليه رحمة الله – هو صديقك الرئيس (جمال) وبالنسبة لنا في المملكة فان فيصل انتصر في التهديد الذي مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة ولا بالخوض في الحكايات والتواريخ”(10).

إلا أن هناك وثيقة ظهرت أخيرا وهى عبارة عن رسالة أرسلها الرئيس الأمريكي ليندون جونسون إلى الملك فيصل فور إعلان الرئيس عبد الناصر تنحية في 9 يونيو 1967 حيث أرسل (جونسون) رسالة ( لفيصل) جاء فيها :

” لعلك الآن تكون سعيدا !! ولعلك تأكدت الآن من قدرة أمريكا على حماية حلفائها وأصدقائها “(11).

(6)

“إن اللصوص الصغار في مصر يريدون النصب على اللصوص الكبار في السعودية”

هنري كيسنجر

يتبقى لي مشهد كاشف يدل على رأى صانع السياسة الأمريكية في صُناع القرار الجُدد في السعودية وفى مصر وأعتقد انه لازال رأيهم حتى الآن.

حينما تولى الرئيس “السادات” الحكم وأثناء مفاوضات فض الاشتباك والتفاوض مع كيسنجر أرسل السادات مستشاره للشئون الخارجية السيد (أشرف مروان) إلى المملكة السعودية والتقى مروان كافة رجال الحكم في السعودية وكتب تقارير لكل مقابلة مع كل مسئول سعودي قابله – وكتب تقريراً عن مقابلته لكل من (كمال ادهم) والأمير ( تركي الفيصل) والسيد (احمد عبد الوهاب) رئيس الديوان ، هذا نصها:

“سرى جدا –

طلب كمال أدهم(مدير المخابرات السعودية) و الأمير تركي الفيصل والسيد أحمد عبد الوهاب إبلاغ الرئيس  السادات الموضوع التالي مع رجائهم الشديد عدم التحدث مع أي مسئول سعودي أو مصري في هذا الموضوع وان الذي جعلهم يتحدثون في هذا الموضوع هو حرصهم عل المستوى الممتاز التي وصلت إليه العلاقات بين البلدين : إن بعض الشخصيات المصرية المسئولة تناولت الأمراء السعوديين ومنهم الأمير فهد والأمير سلطان بالتجريح ، وأنهم لا يفعلون أي شيء إلا إذا كان لهم مصلحة فيه والحصول على العمولات ! ، ودللوا على ذلك ما ردده كثير من المسئولين المصريين حول عقد البترول الأخير بين المملكة ومصر وان هناك عمولة كبيرة أخذها الدكتور رشاد فرعون والأمير فهد وكذلك الملاحظات التي لا لزوم لها التي يذكرها السيد إسماعيل فهمي للسيد فؤاد ناظر (سفير السعودية في مصر) وطلبوا منى إبلاغ السيد الرئيس بزيادة الاتصالات” .

الغريب أن هذا التقرير وُجدت صورة منه في الوثائق الأمريكية ومعلق عليه من هنري كيسنجر بقولة :

” إن اللصوص الصغار في مصر يريدون النصب على اللصوص الكبار في السعودية ، ويضيف ما اعلمه أن الإسلام في البلدين يحرم النصب والسرقة !! “(12).

ولازالت الوثائق تبوح بأسرارها !! وتكشف المسكوت عنه وتفضح المخفي منه .

المراجع:

1-      أرشيف البيت الأبيض الأمريكي – واشنطن.

2-      تاريخ العلاقات الأمريكية السعودية – ولياك كونت – العبيكان للنشر.

3-      أرشيف البيت الأبيض الأمريكي – مذكرات هارولد أيكس – جامعة يل.

4-      أرشيف البيت الأبيض – مذكرات وليم ايدى. يوميات روزفلت – مكتبة واشنطن.

5-      بيان رسمي صادر من الخارجية الأمريكية سنة 1966 – وثائق البيت الأبيض /واشنطن

6-      أرشيف الخارجية الأمريكية ، أرشيف البيت الأبيض – تحقيقات لجنة تشرش بالكونجرس في فضيحة إيران جيت.

7-      أرشيف البيت الأبيض – واشنطن – مذكرات روبرت كومر – دار بولفار للنشر بوسطن

8-      أرشيف كلا من الخارجية الأمريكية ، البيت ابيض – الحروب العربية لجورج كاشى – دار العلم لبنان طبعة 1990. – المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل  محمد حسنين هيكل

9-      مذكرات ريتشارد هيلمز – الطبعة الأولى 1980 – دار سوشى.

10-    الوثائق الإسرائيلية – محمد حسنين هيكل – دار الشروق

11-    دراسة أفي شلايم بعنوان الجدار الحديدي – جامعة بنسلفانيا.

12-    بوب وود ورد الهدف الشرق الأوسط ،- مذكرات هنري كيسنجر.

مجدي منصور

‎محامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة

شاهد أيضاً

أسرار وخفايا تصنيع السلاح غير التقليدي في العالم العربي ج(1)|| بقلم: مجدي منصور|| موقع مقال

أسرار وخفايا تصنيع السلاح غير التقليدي في العالم العربي ج(1)

تكاثر الحديث عن الأسلحة غير التقليدية (نووية وكيميائية وصواريخ) بعد خروج أمريكا من الاتفاق النووي …