الرئيسية / غير مصنّف بعد / أصدقاء إليكترونيون

أصدقاء إليكترونيون

التكنولوجيا، سلاح ذو حَدّين.. وهذا السلاح أصبح تدريجيًّا جزءً لا يتجزأ من حياتنا اليومية. التطور السريع في التكنولوجيا أدّى لتطور سريع أيضًا في طُرق التواصل بين الشعوب من مُختلف البلدان. فمع بداية الألفية ولمُدة عَقد من الزمان تَوهّجت شُعلة المنتديات بـمُختلف الاختصاصات؛ اجتماعيّة، فنيّة، رياضيّة، دينيّة، إلخ.

كانت المُنتديات تُشبع فضول وتُرضي مُختلف الطاقات والهوايات الإلكترونية لمستخدميها من خلال تعدد أقسامها ما بين مقالات، ترجمة، تصميم والجرافيكس وغيرهم الكثير.. كما أن صَيحة المنتديات تزامنت مع برنامج التواصل Hotmail Messenger آنذاك. إلا أن شُعلة المنتديات خُمِدَت بسبب بزوغ نجم مواقع التواصل الاجتماعية بدءً من Facebook، مرورًا بـ Twitter، وختامًا بـ Instagram.. ومؤخرًا شهدنا ثورة Snapchat. برامج عديدة تهدف لتقريب الشعوب لكنها تسلك سُبُلًا مُختلفةً لبلوغ ذات الغاية.

 

أصدقاء إليكترونيون

حول العالم، برامج التواصل تجمع أشخاصًا كُثُر بروابط مَتينة نابعة من العاطفة تَمّت هَيكلتها بشكل رئيسي بميول أو اهتمام مُشترك.. من واقع معاينة ومشاهدة ولأن العالم الغربي مُتفتّح أكثر من عالمنا العربي، هناك مجموعات كثيرة تُسافر مسافات بعيدة للاتقاء بزُملاء الميول والاهتمام لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مثلًا، إذ أنهم كانوا على تواصل تام ومستمر لـفترة ليست بـالقصيرة والتي بـدورها أسّست قواعد صلبة للثقة وحتى نشوء مشاعر الحب والود بينهم لـتصل بهم إلى بَر الصداقة.. نعم صداقة، بدأت رَقَمِيّة وانتهت حِسيّة.. ومَن يدري؟ لعلها تكون أبديّة.
وطننا العربي لا يقل جماليةً ولا صفاءً عن الدُوَل الغربيّة.. لـذلك نجد أن الحب، البساطة، الشفافيّة، والصدق هو ما يجمع الكثير حول نُقطة مركزيّة واحدة أيًّا كان اختصاصها (فن، رياضة، فكر)، تاركين تُرهات التفرقة بـكل أشكالها النتنة وسُبُلها الرخيصة جانبًا. هذا لا ينفي ولا يمنع وجود عيّنات سيئة في المجتمع الدولي التي قَد تستغل المساحة الشاسعة من الحُريّة والانفتاح لـمصالح دُنيوية دنيئة، لكنها نسبة ضئيلة لا تكاد تُذكر والحَذِق يستطيع تمييز الطيب من الخبيث لـتجنّب مرضى النفس والعقل، بالإضافة إلى اختيار الشخوص المناسبة للإفضاء لهم بما في النفس تحت مُسمّى الصداقة الطاهر.

 

مُدة أم مواقف؟

تساؤل يَكثر استخدامه والاستشهاد بـدلالات عدة لإثبات وجهة النظر بـخصوص الصداقة؛ هل تُقاس بمِكيال مدة العلاقة أم أن كَفّة المواقف بـغض النظر عن الوقت الذي استغرقه أحد الطرفين لإبداء حُب الصداقة تَرجح على عدّاد الزمن؟ من واقع تجربة – إلكترونيّة واجتماعيّة – أستطيع القَول إن الصداقة لا تُقاس بـزمن ولا بـموقف بل بـالأخلاق! ما فائدة ١٠ سنوات من “الصداقة “إن كان يَتخللها النفاق؟ وما فائدة المواقف إن كان فاعلها لا يَنفَك لَيّ ذراعي بها بين الحين والآخر؟ الوقت أو الموقف ليسوا إلا ذرائعًا لـتسهيل وتبسيط معنى ضخم، عميق، ولا يَتسّع لـضعفاء الأخلاق. من مُنطلق شخصي وتجربة إلكترونية، فـإني أسير في الأرض بـحِكمة ومقولة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين قال: “إن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخَلق “.. لـذلك أعتبر الجميع إخوة أو زُملاء حياة طالما لم يتسببوا لي بأذى حِسّي أو معنوي، ولا أمانع أبدًا من تبادل النقاشات الوديّة والمعلومات في جوانب الحياة المُترامية أطرافها.. لكن فقط مَن يَتجاهل كل اختلافاتنا الشخصيّة الخاصة، مَن يتعامل بـأخلاق تَردَعه عن كل سيء لا أُحبذه، مَن تَتطابق تركيبته العَقلية مع تركيبتي الفِكريّة، مَن يَستجدي مفاتيح الحديث في أَوْج الاختلاف، بـالإضافة لـتشابه في الميول والاهتمام، هؤلاء مَن يُمكن أن تُفتح لهم أحضان الحب، المودة، والصداقة.. لأن بالنهاية الأخلاق هي ما سـتُنتج علاقة صداقة طويلة لا تحكمها حدود المكان والزمان، كما أنها سـتَخلق مواقفًا تبقى محفورةً في القلب إلى الأبد دون الحاجة إلى تذكير، وليس العكس.

 

مَررتُ بتجارب عِدّة تحت مُسمّى الصداقة التي بدأت من فضاء الإنترنت الواسع حتى توثّقت بالحياة الواقعيّة.. بعض تلك التجارب كانت سلبية حَد الفشل، والبعض الآخر كان إيجابيًّا حَد ضَرب المثل.. ما فشل منها كان مبنيًّا على سَطحيات، إذ أني كُنت قد سُعدت بـتشابهات ساذجة؛ اهتمام في مجال مُحدد، حُب اللون ذاته، تشجيع فريق واحد، وما وثّق تلك السذاجات هو حَملنا لنفس الجنسيّة .. كان مصير تلك العلاقة هي النهاية البَشعة رغم الخمس سنوات والمواقف العظيمة التي تَخللتها. أما ما نجح منها – بعضها لم تُكمل عامها الأول بعد – كان أساسه الاحترام المُتبادل، التشابهات الفِكريّة، الترفّع وتجاهل كل الاختلافات التي تُكوّن شخصيّة الفَرد المُستقلّة منذ النقاش الأول.. وما أضاف الجماليّة لـكل ذلك الصدق والصفاء هو الحُب المُشترك والميول المُتشابه، إذ أنه كان بـمثابة حَبة الكرز على قمة الكعكة.

أضف تعليقك هنا