داء بونوكيو

 

كان سعيد إمام رجل في الأربعين من عمره يعمل موظفا بإدارة التكاليف بوزارة الكهرباء كان كغيره من المصريين الذي قدر لهم أن يعيشوا هذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر يلعن الغلاء والدولار وكان كثيرا ما يردد كلاما علي شاكلة البلد ديه مشكلتها في النفاق والكذب وسوء الأخلاق , إحنا محتاجين مصيبة تفوقنا من اللي إحنا وصلنا اليه من انحطاط في الأخلاق وانتشار الفساد والرشوة والمحسوبية ….

بلد ضرب الفساد اطنابه فيها من عشرات السنين حتي اصبح ثقافة حياة , فالموظف يقبل براتب قليل لا يكاد يكفي ثمن الدخان فضلا عن الاكل والمواصلات ومصاريف الاولاد لانه يعلم سلفاً وقبل قبوله بهذه الوظيفة انه سوف يتقاضي اضعاف راتبه من الرشوه وكذلك المدرس الذي يعمل بالحصه التي تقل قيمتها عن جنيه واحد املآ منه في الدروس الخصوصية طريقه الي الثراء السريع لانه يعتبر المدرسه مكان يصاد فيه زبائنه وكذلك من يسعي اهله لدفه الي احدي الكليات العسكرية او الشرطي هاو النيابه  باذلين قصارى جهدهم و دافعين بسخاء لمن يكون سببا في التحاق ابنهم لانهم بذلك يشترون له مسقبلاً طامعين في تحقيق المكاسب بسبب مكانة ابنهم فيما بعد واستغلال نفوذه وهكذا كل اوجه الحياه في بلدنا …

جو معبأ بالفساد ويتكلم الاستاذ سعيد غير عابئ ما يترتب علي كلامه من احتمال فقدانه لعمله او سحله عن طريق جهاز امن الدوله او وضعه في المعتقل بتهمه ملفقه لا يري بسببها الإسفلت مره اخري الا عندما يحمل في نعش لينقل الي قبره ……

وفي احدى الايام ذهب الاستاذ سعيد الي مقر عمله , وما ان دلف الي مبني الوزارة الكائن بمنطقة العباسية حتي رأي مشهد لم يره في حياته من قبل …. ظل ينظر مشدوهاً وفاغراً فاه ومسمر مكانه كأنه ثمتال من الرخام واقف بوسط نافورة كالتي نراه في صور المدن الايطالية …..

رأي الاستاذ سعيد جميع الموظفين وانوفهم قد طولت كما كان يري في كرتون بونوكيو وهو صغير علي شاشة التلفاز …. فرك الاستاذ سعيد عينيه بكلتا يديه مغلقا عينه وفاتحاً اياها مره اخري فاذا به يري نفس المشهد ….

ما الحكايه هل هي المصيبه التي انتظرت وقوعها وهل هذا عقاب لمن ينافق ويكذب ويا تري هل حلت النكبه بكل من في البلد ام …. توقف عقله عن التفكير وراح يرفع يديه يتحسس بها انفه فاذا بها كما هي لم تطول كالباقيين وما أن احس بان كل شئ طبيعيي في وجهه حتي تنفس الصعداء وراح ينظر في وجوه الناس من حوله ويحدث نفسه قائلا يا الله هل كل هؤلاء منافقون وكذابون هل خلت الوزاة من صادق الا اياى , انا الوحيد الذي نجوت من هذا الداء , الحمد لله , لطالما كنت اعلم اني علي حق وكلهم منافقون باعوا انفسهم وها هي النتيجة يروها هنا بالدنيا وهم لم يغادرو بعد منها , ما بالك بما ينتظرهم هناك في الاخره , حينما تتكلم ايديهم وارجلهم وتشهد عليهم جلودهم وسمعهم وابصارهم …..

ظل يحدث نفسه ناظرا اليهم بازدراء تارك لشهوة الانتصار والتشفي تبث شذاها في جميع جسده مستمتعاَ بظفره وكونه الوحيد الذي نجا ….

خرج مسرعا من مبني الوزارة واشار الي تاكسي كان يمر بمحاذاته كوبري القبه يا اسطي توقف التاكسي وما ان دخل ووقعت عيناه علي انف السائق فاذا به طويل ايضاً , حدث نفسه قائلا اكيد طبعاً لطالما اسمعت الناس كذباً ونفاقاً ومراتي بتولد وابني في الحضانه والتاكسي عليه اقساط …. وما هي الا دقائق ووصل بيته وبعد ان دلف الي مدخل العمارة حتي وقعت عيناه علي عم عبده البواب قد طالت انفه هو ايضاً فقال في نفسه كثيرا ما سمعنا الكذب منك ولطالما كنت تسمسر علي سكان العمارة من أي صنايعي يدخل للعمارة وحتي الطلبات التي كنت تحضرها لسكان العمارة كنت تسمسر فيها , نظر اليه نظرة تشفي قائلا في نفسه تستاهل ياعم عبده ….

ركب المصعد ووصل الي شقته ووضع المفتاح في رتاج الباب وما ان دلف الي الشقة لم يسمع صوتاً يبدو ان زوجته غير موجوده , ذهب غير مبالي بوجودها من عدمه الي التلفزيون كم هو مشتاق الي ان يري وجوه هولاء الاعلاميون الافاقون وهي مشوهه بتلك الانوف الطويله , امسك الريموت واشعل التلفاز , فيطالعه مشهد للاعلامي الكبير صاحب الصوت العالي و الراعي الرسمي للنفاق وهو يرتدي بدلته وساعته من اغلي الماركات ومتانقاً تكاد رائحة عطره الفرنسي تنفذ من الشاشة وقد طالت انفه جداً , لم يدهش هذه المره لانه توقع ذلك , وهو يستمتع بمشاهدته فاذا بالهاتف يدق امسك الهاتف واذا باسم زوجته متصدرا الشاشة , توقف لحظات قبل ان يرد وبدى علي وجهه العبوث كم هو يكره هذه المرأه وتذكر انه كان بحاجة لزواجه منها لان ابوها كان مديرالقسم بنفس الوزارة التي يعمل بها وكان الذي عينه بوظيفته عمه رحمه الله ولما توفي عمه لم يكن له ظهر بالوزارة لكي يتمكن من الترقيات والحصول علي الامتيازات و في يوم من الايام دعاه ذلك المدير الي حفل زفاف احد بناته الاخت الكبري لزوجته ساميه وما ان رأي الحبل حتي تمسك به وبرغم ان الحبل كان به شوك فتحمل و جرحت يده وعلم انه يمكن ان تقطع يده ففضل ان تقطع يده بدلا من ان يموت , يعيش بيد مقطوع او يموت … انه لم يكن له خياراً اخر من وجهة نظره , فاختار الزواج منها رغم دمامة وجهها و ضخامة جسمها وعدم حبه لها ….هي زوجه والسلام هكذا اقنع نفسه ضحي بسعادته الزوجيه مقابل الحصول علي الترقيات والاميتازات التي لم يكن يحلم بها يومياً بعد وفاة عمه …

ساميه هي الباب الذي سوف ادخل منه الي ابيها هكذا كان يردد داخل نفسه رد علي الهاتف قائلا اهلا يا حبيبتي وحشتيني …. انتي عند ماماتك … طيب سلميلي عليها ….

وما كاد يغلق الخط حتي احس بحكه في انفه وببطء ازدرد ريقه وحرك يده رافعاً اياها الي انفه وقبل ان تصل الي انفه اصتدمت يده بجسم طويل وتحسسه فاذا بانفه قد طولت هو الاخر …

وما هي الا ساعات حتي سمع جرس الباب يدق معلناً بوصول زوجته ظل يلف حول نفسه ماذا يفعل وكيف هي حال زوجته اذا رأت انفه قد طالت مثل الاخرين فهو الذي لطالما كان يسمعها اسطوانات العفه وعدم النافق وعدم الكذب والصدق مانجا وبرقوق و بلا بلا بلا ….

علي الجانب الاخر من الباب وقفت ساميه زوجته تعدل ملابسها وتمسح وجهها حتي لا يشك فيها زوجها فهي لم تكن عند والدتها وقد خرجت لتوها من بيت احمد الذي تقيم معه علاقة محرمه …. وفي تلك اللحظات رجعت بذاكرتها الي الوراء الي ايام الجامعه فتذكرت حبها لاحمد وكيف انهما قد وقع في علاقه محرمه وجاء احمد الي بيتهم طالباَ يدها للزواج ولكن والدها رفضه وذلك لانه كان لا يري له مستقبل وانه طالب بياخد مصروفه من اهله ومن يومها وعلاقتها لم تنقطع باحمد حتي بعد زواجها و ما ان تناهي الي مسامعها صوت قرب زوجها من الباب قائلا مين علي الباب ؟ متمنياَ الا تكون زوجته فاذا به يسمع صوتها من خلف الباب انا سميه مراتك يا حبيبي ولم تنهي كلمتها حتي احست بحكه في انفها فرفعت يديها تتحسسها فاذا بها قد طال ككل المنافقن والكذابين والمخادعين …

تك تك … يفتح الباب فيقف الاستاذ سعيد مواجهاً لزوجته ساميه

وفي صوت واحد يردد كلا منهما حتي انت ….

يتقلب سعيد في فراشه وهو يتصبب عرقاً وقد لصقتك بجامته الكستور علي جسمه ومره واحده يتحرك رافعاً جزعه لاعلي وماسحا وجهه بيديه متحسسا انفه فاذا بها كما هي واذا بزوجته تفيق من نومها منكوشة الشعر و مقطبة حاجبيها وماطة شفتيها الي الامام صائحة فيه خير يا سعيد قومتني من النوم مفزوعه ؟

ازدرد ريقه ثم تنهد فقال حلم …. حلم وحش اوي….. لا لا ده مش حلم…. ده كبوس

فيديو داء بونوكيو