الرئيسية / تاريخ / جدلية العلاقة بين فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ

جدلية العلاقة بين فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ

إن الحديث في موضوع تحديد مفهوم التاريخ وكذلك تحديد مفهوم الحضارة سيمضي بنا تلقائياً، وبالضرورة إلى الحديث عن فلسفتهما، أي سوف يقودنا للحديث نحو فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ. فما هي شكل العلاقة بين فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ؟

أولاً: معنى فلسفة التاريخ:

إن فلسفة التاريخ، هي ضرب من ضروب المعرفة، تبحث في العوامل الأساسية المؤثرة والفاعلة في سير الحوادث التاريخية، كما أنها تبحث في القوانين العامة المسيطرة على نمو المجتمعات الإنسانية وتطورها، وما يحدث لها، وما يطرأ عليها من تغيرات وتقلبات عبر الزمن. وهي تبحث في القوانين العامة التي تحكم تطور المجتمعات الإنسانية ومعنى هذا التطور وغايته، وبالمعنى العام تبحث في الأسباب التي بها تكون وتشكل الوقائع التاريخية.

وقد لخص بعض الباحثين موضوع “فلسفة التاريخ” في الأسئلة المحورية التالية:

1ــــ ما معنى التاريخ؟

2ــــ هل لأحداث التاريخ علة؟ وهل تحكمها قوانين؟

3 ــــ هل للتاريخ اتجاه؟ وما هو هذا الاتجاه؟

 

<< وفلسفة التاريخ تعتبر أحد أقسام  الفلسفة وتهتم بدراسة التاريخ من منظور فلسفي. وتعريفها العلمي : دراسة الأسس النظرية للممارسات والتطبيقات والتغيرات الاجتماعية التي حدثت على مدى التاريخ.>>(1)

باختصار تريد فلسفة التاريخ الوصول إلى معرفة ما إذا كان هناك قوانين
تحكم حركة المجتمعات وما هو العامل المحرك للمجتمعات؟ وهل ثمة غاية
للتاريخ؟ وما هي؟ وما هو دور الإنسان فيه؟

ثانياً: فلاسفة التاريخ:

وحول هذه الأسئلة المفصلية التي طرحناها سابقاً، كان مدار بحث الفلاسفة الذين قدموا نظريات في فلسفة التاريخ، ومع أن مصطلح التاريخ مصطلح حديث، حيث يرجع أول استعمال للفظ فلسفة التاريخ إلى الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير(1694 ـــــ 1778 م)، إلا أن حداثة المصطلح، لا تلغي قدم الاشتغال بموضوعه، حيث قدم مفكرون كثر نظريات في فلسفة التاريخ، تعود إلى قبل ظهور هذا المصطلح بزمن بعيد، تبدأ مع كتاب((مدينة الله)) للقديس أوغسطين(354 ــــ 430 م) ومروراً بمقدمة العلامة”ابن خلدون” (1332 ــــ 1406 م )، والذي رأى فيه البعض المؤسس الحقيقي لفلسفة التاريخ، وكذلك نذكر الفيلسوف الإيطالي “باتيستا فيكو” ( 1668 ــــ 1744 م )الذي يعتبر في نظر بعض الباحثين أول من أرسى قواعد فلسفة التاريخ من خلال كتابه(( أسس العلوم الحديثة حول طبيعة الأمم ))، ثم توالت النظريات والدراسات حول موضوع فلسفة التاريخ. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب (( الأمير )) لميكافيلي عام 1532 م وكتاب ((الجمهورية )) “لجان بودان” (1577م) وكتاب((لحكومة المدنية)) لجون لوك عام 1690م وكذلك (( روح القوانين)) لمونتسيكو أحد أعلام عصر التنوير، ورائد فلسفة الحضارة في العصر الحديث، وكذلك الفلاسفة الألمان “جورج هيغل ” (1770 ــــــ 1831 م)  و”كارل ماركس”(1818ــــــ1883م)، و”أوزوالد شبنغلر” (1880 ــــــ 1936 م)، صاحب الكتاب الشهير((تدهور الغرب))، والمؤرخ والمفكر البريطاني”أرنولد توينبي”(1889ـــــ1975م) صاحب الموسوعة الشهيرة ((دراسة للتاريخ))، والمفكر الفرنسي “وروجيه غارودي”(1913ــــ2012م) صاحب الكتاب الشهير(( في سبيل حوار الحضارات))، والمفكر الياباني الأصل الأمريكي الجنسية “فرانسيس فوكوياما” في كتابه((نهاية التاريخ وخاتم البشر))، والمفكر الأمريكي “صموئيل هانتجتون” من خلال كتابه((صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي)) …إلخ.

 

وكان القاسم المشترك بين كل أولئك الفلاسفة هو البحث عن القوانين التي تحكم حركة التاريخ، فمنهم من يرجع التطور التاريخي إلى تأثير الدين، ومنهم من يرجعه للاقتصاد، ومنهم من يرجعه للبيئة الجغرافية، ومنهم من يرجعه إلى تأثير الشخصيات المبدعة. لقد تعددت الأسباب والهدف واحد وهو البحث عن القوانين التي تنظم مسار التاريخ.

ثالثاً: معنى فلسفة الحضارة:

فلسفة الحضارة هي: إحدى فروع الفلسفة التي تتناول بالدراسة والبحث الحضارة من حيث أسباب نشأتها  ومولدها وازدهارها وثم انحلالها واندثار، وهي بذلك تستقرئ الوقائع الجزئية انتقالاً للكليات التي تنطبق على باقي الحضارات، وبالتالي عن الأسباب والعلل والنتائج إنها تبحث عن القوانين التي تسير الحضارات بمقتضاها، وهي بذلك تقترب من العلم القائم على المنهج الاستقرائي الذي ينتقل من الظواهر الجزئية إلى القوانين الكلية التي تصلح للتطبيق في كل زمان ومكان.

 

وما قلناه عن فلسفة التاريخ ينطبق على فلسفة الحضارة، إذ أن فلسفة الحضارة تعتبر أحد أقسام الفلسفة وتهتم بدراسة الحضارة من منظور فلسفي.

رابعاً: فلاسفة الحضارة:

من أشهر أعلام فلاسفة الحضارة  نذكر على سبيل المثال: “القديس أوغسطين” (354 ـــــ 430 م)،  والعلامة  “ابن خلدون” (1332ـــــ 1406 م)، والفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو(1689ــــ1755م)، والفيلسوف الألماني “أوزوالد شبنغلر” (1880 ـــــ 1936م)، والمفكر الروسي “نيقولاى دانيليفسكي” (1822 ـــــــ 1885 م)، والمؤرخ والمفكر الأنجليزي “أرنولد توينبي”(1889ـــــ1975م)، والفيلسوف الفرنسي “روجيه غارودي”(1913ــــ2012م)، و”صموئيل هنتنغتون” والمفكر “مالك بن نبي”(1905ــــ1973م)، فرانسيس فوكوياما، و الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي”ويل ديورانت” صاحب موسوعة(قصة الحضارة) والأديب   الانجليزي: “ماثيو أرنود ”  في كتابه ((الحضارة والفوضى)) والكاتب الأمريكي “دبروكس آدموز” فى كتابه ((الحضارة والاضمحلال))، و” بوركهارت” فى كتابه (( تأملات فى التاريخ)) والمفكر االألماني “ماكس نوردو” فى  كتابه  ((الانحلال)) و وعالم النفس النمساوي ومؤسس مدرسة التحليل النفسي “سيغموند فرويد” فى كتابه ((عصر الحضارة))، و “كارل كروس” فى كتابه ((الأيام الأخيرة للنوع البشري)) و “جرانت” فى كتابه ((زوال الجنس العظيم)) والفيلسوف وعالم النفس “كولن ولسون” فى كتابه((سقوط الحضارة)) والفيلسوف الألماني “البرت اشيفتسر” فى كتابه ((فلسفة الحضارة)) و “اولفين توفلر” فى كتابه  ((حضارة الموجة الثالثة)) و  “توماس سي ـ باترسون” فى كتابه (( الحضارة الغربية .. الفكرة والتاريخ)) و”ارتثر هيرمان” فى كتابه ((فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي)) و” ريمون آرون” فى كتابه ((فلسفة التاريخ النقدية))، و” رولان بريتون” فى كتابه  ((جغرافيا الحضارات))….إلخ.

خامساً : جدلية العلاقة بين فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ:

التاريخ هو الحضارة فى أحد معانيه؛ فالتاريخ والحضارة يحملان معاني مشتركة. فالتاريخ هو قصة الإنسان على سطح المعمرة، ورحلته عبر صيرورة الزمان، وهى رحلة ما تزال مستمرة . كانت خطوات الإنسان الأولى فى مسيرته التاريخية هى نفسها خطواته الأولى فى محاولة بناء الحضارة؛ ولهذا السبب كانت رحلة الإنسان، ورحلة تاريخه، ورحلة حضارته واحدة. ومن ناحية أخرى، كانت الحضارة هي ما أنجزه الإنسان على المستوى المادى والمعنوي على امتداد هذه الرحلة وجوده على سطح الأرض .

 

و يقدم “حسين مؤنس” تعريفاً للحضارة بقوله: << الحضارة ــــ في مفهومها العام ــــ هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء أكان المجهود المبذول للوصول لتلك الثمرة مقصوداً، أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية. وهذا المفهوم للحضارة مرتبط أشد الارتباط بالتاريخ، لأن التاريخ هو الزمن، والثمرات التي ذكرناها تحتاج إلى زمن لكي تطلع، أي أنها جزء من التاريخ، أو نتاج جانبي للتاريخ وكما أن ثمر الزروع والأشجار لا يطلع إلا بفعل الزمن إذ لا يمكن أن تزرع وتحصد ثمرة ما، في نفس الوقت فإن ثمار الحضارة لا تظهر إلا بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان>>(2)

 

ومما سبق نخلص إلى النتيجة الآتية: إن الحضارة ثمرة يحتاج نضوجها إلى زمن والزمن هو التاريخ من هنا يتضح لنا مدى الارتباط العميق بين الحضارة والتاريخ، وبالتالي مدى التداخل بين فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ حتى أن فيلسوف الحضارة ــــ يكون في كثير من الأحيان ــــ هو نفسه فيلسوف التاريخ. وهذا ما نستطيع ملاحظته وإدراكه بسهوله ويسر من خلال المقارنة بين فلاسفة التاريخ وفلاسفة الحضارة الذين ذكرناهم سابقاً.

    

وخلاصة القول:

ثمة وجود تقاطعات كثيرة ما بين مفهوم وموضوع التاريخ ومفهوم وموضوع الحضارة إلى حد يكاد يتم فيه التطابق بينهما (التاريخ الحضاري وحضارية التاريخ). وكذلك الأمر ينسحب على فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ، فكلاهما فرع من فروع الفلسفة، يتفقان في المنهج العام ويختلفان في الموضوع الخاص بكل منهما.

 

المراجع:

1: عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة،ج2،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984م، ص157.

2: حسين مؤنس، الحضارة، سلسلة عالم المعرفة ، العدد(1)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1978 م، ص 13.

فيديو جدلية العلاقة بين فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ

د. زياد عبد الكريم النجم

زياد عبد الكريم النجم