الرئيسية / تاريخ / فلسفة الحضارة…بين التاريخ والفلسفة

فلسفة الحضارة…بين التاريخ والفلسفة

يعتبر تحديد مصطلح “فلسفة الحضارة ” من القضايا الإشكالية التي تواجه الباحث في هذا الصنف من صنوف المعرفة، ولعل هذه الإشكالية تكمن في تداخل هذا المصطلح وتشابكه مع مصطلحات أخرى كالفلسفة وفلسفة التاريخ وتاريخ الحضارات..إلخ .

وقبل أن نعرف مصطلح “فلسفة الحضارة” يجب الاعتراف بأنه ما من تعريف جامع مانع لهذا المصطلح، بحيث يرضي جميع الباحثين والمؤرخين والمتخصصين في موضوع الحضارة، ولكن لابد من تقديم تعريف مبسط نستطيع من خلاله تقريب الصورة إلى ذهن القارئ حتى يتسنى له تكوين أرضية من شأنها المساعدة في إدراك ماهية وحقيقة هذا الضرب من ضروب المعرفة الإنسانية.

فلسفة الحضارة:

فلسفة الحضارة هي: إحدى فروع الفلسفة التي تتناول بالدراسة والبحث موضوع “الحضارة” من حيث أسباب نشأتها ومولدها وازدهارها وثم انحلالها واندثار، وهي بذلك تستقرئ الوقائع الجزئية انتقالاً للكليات التي تنطبق على باقي الحضارات، وبالتالي هي تبحث عن الأسباب والعلل والنتائج إنها تبحث عن القوانين التي تسير الحضارات بمقتضاها، وهي بذلك تقترب من العلم القائم على المنهج الاستقرائي الذي ينتقل من الظواهر الجزئية إلى القوانين الكلية التي تصلح للتطبيق في كل زمان ومكان.
ومن خلال التعرف السابق يتضح لنا بأن “فلسفة الحضارة” ليست هي دراسة تاريخ الحضارة، لكنها مع ذلك لا تستطيع أن تنجز أهدافها بدون دراسة تاريخ الحضارات وما يتضمنه من وقائع وأحداث وظواهر تاريخية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤرخ لتاريخ الحضارات إذا سعى إلى تفسير الحضارات ولم يكتفي بتدوين الوقائع التاريخية فقط، فإنه بذلك يقوم بدور فلاسفة الحضارة وفلاسفة التاريخ.

ومما سبق نجد: بأن المؤرخ والفيلسوف يقومان بدورين متمايزين ولكنهما متقاربين، فالتداخل والتمايز والتكامل قائم بين الفيلسوف والمؤرخ، كما هو قائم بين تاريخ الحضارة وفلسفة الحضارة. ولذلك نجد مؤرخين للحضارات ولكنهم ليسو فلاسفة حضارة من أمثال المؤرخ اليوناني الشهير “هيرودوت” والمؤرخ صاحب موسوعة قصة الحضارة “ويل ديورانت”، وبالمقابل نجد مؤرخين فلاسفة من أمثال العلامة العربي “ابن خلدون” والمؤرخ والمفكر الانجليزي “أرنولد توينبي”.

ولتوضيح القضية بشكل أوسع، سنميز بين المؤرخ وفيلسوف التاريخ وفيلسوف الحضارة فنقول: إن فلسفة التاريخ أقرب إلى الفلسفة منها إلى التاريخ، ذلك لأن فيلسوف التاريخ يقوم باختزال العلل الجزئية للوقائع الفردية إلى علة واحدة، ثم يفسر في ضوئها التاريخ العالمي.

تاريخ الحضارة:

أما تاريخ الحضارة فهو عمل يقوم به المؤرخ وفق منهج تاريخي معين متطرقاً إلى الحضارات التي عرفتها البشرية في مكان وزمان معينين ومقتصراً على عرض الأحداث وفق تسلسل زمني، متتبعاً أطوار الحضارة من البدايات إلى النهاية مع إمكانية الخوض في الأسباب والنتائج على أن لا يتجاوز ذلك إلى حد وضع قوانين كلية ثم يطبقها على كل الحضارات، لأنه في هذه الحالة يكون قد دخل في دائرة اختصاص فلسفة الحضارة.

إذاً وظيفة فلسفة الحضارة هو الانتقال من وقائع تاريخية جزئية معينة إلى أحكاماً كلية شاملة ـ وبالتالي يكون منهجهاً استقرائياً يعتمد على النظر في الجزئيات لتشكيل تصور شامل وشأنها في ذلك شأن الفلسفة، لكن المسافة التي تفصل فلسفة الحضارة عن الفلسفة أبعد من المسافة التي تفصل بين فلسفة التاريخ والفلسفة، وبعدها النسبي عن الفلسفة لا يعني أنها أقرب إلى التاريخ.

وإنما يسعى فيلسوف الحضارة أن يحافظ على تواجده في الوسط بين الفلسفة والتاريخ، محاولا أن يستمد الأمثلة من التاريخ معتمداً على مناهج المؤرخين، ثم عندما يشرع في تفسير مسيرة الحضارات نجده يعتمد على مناهج وطرق الفلاسفة التي تنزع دائماً إلى الكلية والتعميم، ولا تهتم بالماضي إلا بالقدر الذي يساعدها على استشراف المستقبل.

إن فلسفة الحضارة تختلف عن تاريخ الحضارة، لأنها لا تقتصر على عرض الوقائع وإنما تسعى إلى تعليل وتفسير هذه الوقائع محاولةً بذلك الوصول إلى أحكام عامة كلية في الحضارة يمكن تعميمها على الحضارات الإنسانية بأسرها. وذلك اعتماداً على التشابه القائم بين الحضارات في إطارها العام وهذا التشابه هو تشابه خارجي يقع في سياقها العام و يتمثل بالأطوار المتشابهة التي تتعاقب على الحضارات الإنسانية من حيث نشأتها وتطورها ونموها وازدهارها ومظاهرها وتجلياتها وحركتها وعلاقاتها وإخفاقاتها وأفولها واندثارها.

لكل أمة تاريخها:

أخيراً… إذا كان لكل أمة تاريخها، ولكل أمة حضارتها التي نضجت وأينعت ثمارها عبر التاريخ ، فإن ذلك لا يلغي أن حضارة كل أمة، هي جزء من الحضارة الإنسانية، ولا يلغي كون أن تاريخ كل أمة، هو جزء من التاريخ الإنساني، وأن الأمم جميعها، تساهم في صنع التاريخ الإنساني، مما يجعل هذا التاريخ كلياً، وتبدو معه الحضارة وكأنها شعلة، تتناولها وتتبادلها الحضارات الإنسانية عبر صيرورة التاريخ.

وأمام هذه العلاقة الجدلية بين العام والخاص والكلي والجزئي تبرز “فلسفة الحضارة” بوصفها فكر إنساني عميق ينقد ويحلل ويستقرئ ويستنتج ويستخلص القوانين العامة ـــــ انطلاقاً من جزئيات الواقع ــــ والتي تنطبق على الحضارات الإنسانية جميعها، منذ فجر الحضارة وإلى يومنا هذا و ربما ستبقى تمارس دورها مستقبلاً ما دامت الحضارات قائمة.

فيديو فلسفة الحضارة…بين التاريخ والفلسفة

أضف تعليقك هنا

د. زياد عبد الكريم النجم

زياد عبد الكريم النجم