الرئيسية / تاريخ / التطور التاريخي للمعرفة البشرية

التطور التاريخي للمعرفة البشرية

حظيت المعرفة باهتمام الفلاسفة والمفكرين منذ زمن بعيد، بسبب ما تمارسه من أدوار مهمة في حياة الإنسان من جوانبها كافة. وقد جاء اهتمام الفلاسفة وتركيزهم على توثيق المعرفة وأسبابها وأنواعها وتطورها، باعتبارها مبحثاً أساسياً من مباحث الفلسفة العامة. ومما يستحق التنويه هنا أن المعرفة البشرية مرت عبر تاريخها بمراحل كثيرة يمكن تلخيصها بالمراحل الثلاث الآتية:

1- المرحلة الحسية:

استطاع الإنسان عبر تاريخه الطويل أن يجمع رصيداً هائلاً من المعارف والعلوم، اقتصرت بعضها على مجرد ملاحظة الظواهر ملاحظة بسيطة غير مقصودة، كملاحظة الشخص العادي لتعاقب الليل والنهار، دون أن تتجه أنظار هذا الشخص إلى معرفة وإدراك العلاقات القائمة بين هذه الظاهرة وأسبابها. وقد أصّل لهذا الاتجاه الحسي في المعرفة الفيلسوف اليوناني «أرسطو»، حيث قرر “أن معرفة الأشياء وفهمها لا يفترضان الانفصال عن عالم الحس، ولا يقتضيان مزج الأفكار بحسب نسب عقلية محضة، بل إن الحقيقة لا تخرج عن عالمنا، لأنها تقع تحت أبصارنا، وفي وسعنا أن نلمسها عبر الحوادث التي تجري حولنا” (العوا، 1993).

كما اتضحت هذه النزعة الحسية في الفلسفة الحديثة على يد الفيلسوف الانكليزي «جون لوك» الذي شبه العقل الإنساني بصفحة بيضاء تتلقى معارفها خلال عملية الخبرة والتجربة التي يمر بها العقل. يقول «لوك»:” إن خير سبيل للبرهان على امتناع وجود أفكار فطرية هي أن نوضح كيف تصدر معارفُنا كلُّها عن الواقع الحسي .

أما في الفلسفة المعاصرة فقد أشار «كوندياك» إلى أنَّ «الحكم والتفكير والرغبات والأهواء كل ذلك ليس سوى الإحساس نفسه عند تغيره على أوجه مختلفة». كما عبر « كونت» عن هذه النزعة الحسية بقوله: “إن الفكر الإنساني لا يدرك سوى الظواهر الواقعية المحسوسة، وأن مهمة النظريات العلمية ينبغي أن تقتصر على دراسة الظواهر وتنسيق الحقائق التي لا تخضع للملاحظة والتجربة، ولا تمتد إلى دراسة الأشياء وتعليل الحقائق والبحث عن أسبابها وغاياتها” (إسلام، 1980). وهكذا يتضح أن الواقع الحسي هو مصدر من مصادر المعرفة لدى الكثير من المفكرين والفلاسفة.

2- مرحلة الفلسفة النظرية:

ترجع جذور هذه الفترة الموغلة في القدم إلى الحضارات القديمة المعروفة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل والحضارة اليونانية، غير أن أوضح بدايات المعرفة النظرية (الفلسفة) كانت موجودة في الحضارة اليونانية التي ترتد في ماضيها إلى «طاليس» (585 ق. م) (أحمد، 1986)، ثم تمتد هذه الحقبة لتشمل ظهور الفلسفة الإسلامية وأعلامها البارزين أمثال «الكندي وابن سينا والفارابي»، مروراً بالعصور الوسطى المسيحية التي يسميها البعض بالعصور المظلمة، وهي فترة تميزت بسيطرة الكنيسة على الفكر والحياة في أوربا، وتنتهي هذه الفترة عند بداية عصر ما يسمى بعصر النهضة في القرن الرابع عشر والخامس عشر. وقد ظهرت مجموعة من الأفكار الفلسفية في هذه الحقبة الزمنية تضمنت الرؤية التي قدمتها فلسفة الطبيعة القديمـة عن العالم، والتي كان لها تأثير كبير على تطـور العلم كالأفكار التي طرحتـها “النظريـة الذريـة ”  “وفكرة التطـور الطبيعي”، إلاّ أن كل ذلك لم يكن يعدو نطاق التأملات التي هي – رغم صحتها – لم تستند إلى الفحص التجريبي والدراسة المفصلة لظواهر الطبيعة الجزئية (مطلب، 1985).

3- مرحلة العلوم التجريبية:

تبدأ بعصر النهضة في القرن الرابع عشر والخامس عشر، حيث ظهر المنهج التجريبي عند الفيلسوف «بيكون» ومنهج الشك عند «ديكارت»، ثم تطور هذا المنهج لاحقاً عند أصحاب المدرسة العقلية ليعرف فيما بعد باسم منهج البحث العلمي الذي يقوم أساساً على الفحص التجريبي للظواهر الطبيعية، حيث تطورت على أثر ذلك المعارف والعلوم والمجتمع البشري بصورة عامة، وقد قسم بعض المفكرين هذه الفترة إلى حقبتين بارزتين: أولهما : حقبة المعرفة العلمية الأممية، وهي حقبة تتميز بتطور العلوم في بقاع العالم المختلفة بصورة منفصلة عن بعضها البعض، وهي الحقبة التي تمتد من بداية عصر النهضة وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي أواخر القرن العشرين؛ إذ تميزت أغلب الدوافع في تطور العلوم والمعرفة في هذه الفترة بالأممية، كما حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية، وكذلك العقائدية كما حصل في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فهي فترة انتقالية طارئة وإن كانت تمتد إلى ما يقارب ثلاثة قرون. وثانيهما: حقبة المعرفة والعلوم العالمية، وهي حقبة تتميز بزوال الدوافع الأممية والعقائدية بشكل ملحوظ وإن كان ذلك لا يعني زوالها نهائياً، لكن الملاحظ هو بداية زوال الحدود ما بين الأمم والثقافات والشعوب فيما يعرف حالياً بعصر العولمة، ومع أن الصورة النهائية لهذه الحقبة لم تنضج بعد، غير أن المعطيات الحالية الاقتصادية والمعرفية التي يموج بها المسرح العالمي أدت إلى ظهور منظومة معرفية عالمية جديدة اسهم في تكوينها العلماء والمخترعون والاستراتيجيون والاقتصاديون، ورجال القانون البارزون وأصحاب المهارات والكفاءات في المجالات العلمية والثقافية. أما وسائطها فهي الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت) فضلاً عن شبكات الأخبار والإعلام الدولية (الظاهر، 2009).

فيديو التطور التاريخي للمعرفة البشرية

أضف تعليقك هنا

د. بشار جيدوري

الدكتور بشار جيدوري