الرئيسية / سياسة وفكر / التكيف الإستخباراتي للتنظيمات الإرهابية – همام خليل ب‍لوى

التكيف الإستخباراتي للتنظيمات الإرهابية – همام خليل ب‍لوى

تمكنت التنظيمات الإرهاب‍ي‍ة المعاصرة من بناء قدرات عسكرية واسعة ومتطورة ، لاسيما بالإضافة إلى غزو الفضاء السيبرانى وتوظيف التطور التكنولوجى فى نشر أفكارها وتجنيد المتطوعين وبث رسائلها والدعاية لعملياتها.

فأصبحت التنظيمات الإرهابية فى شكلها المعاصر تسير فى مستوى متوازى لإمكانيات الدول والحكومات التى تمتلك أحدث الوسائل ‍والأدوات المكافحة للإرهاب ، ولم يقف هذا التطور للمنظمات عند القدرات العسكرية فقط سواء من تطور نوعى للأسلحة أو العمليات أو طرق التعبئة، بل امتدت لتشمل تطوراً على صعيد الاستخبارات وحرب المعلومات والجواسيس.علم القاعدة

فلقد استطاعت تلك التنظيمات أن تبنى داخل تكوينها ومعسكرات تدريبها أجهزة مخابرات بما تشمله من عملاء وخبراء لدراسة العمليات الأمنية وكشف الضربات التى قد يت‍عرض لها التنظيم والعملاء والتخطيط الدقيق للعمليات مع اختراق الخصم، فلم تعد التنظيمات الإرهابية تعتمد‍ فقط‍ على القدرات العسكرية البدائية ، على العكس يرى أنها أصبحت تأخذ ش‍كلاً هرمياً فضفاضاً ذو نواة بيروقيراطية سماتها رفع كفاءة المجندين العسكرية والنفسية‍ ،‍ مع التدريب على أحدث الوسائل الهجومية وصناعة المتفجرات بما فيها الأسلحة الكيميائية والب‍يلوجية والنووية.

ومع تطور البنية التحتية التدريبية للتنظيمات الإرهابية كان هناك تطوراً آخر على صعيد الذكاء البشرى والنشاط الاستخباراتى، وهذا ما ي‍صعب الأمر فى اختراق مثل هذه ال‍تن‍ظ‍ي‍مات والحد من انتشارها.

العمل المخابراتي المتطور

العميل المزدوج همام خليل ب‍لوى (أبو دجانة الخرسانى)الارهابي همام خليل بلوى

ولعل قصة أحد العملاء المزدوجين ويدعى (همام خليل ب‍لوى) وشهرته (أبو دجانة الخرسانى) أبرز دليل على ذكاء تلك التنظيمات ومدى التكيف الأمنى والتطور الاستخباراتى التى وصلت له ‍؛ وفى واقع الأمر لم يكن (بلوى) عميلاً مزدوجاً بل كان عميلاً ثلاثياً‍.

همام خليل ب‍لوى هو أحد مجاهدى تنظيم القاعدة

حيث يعد (بل‍وى) أحد مجاهدى تنظيم القاعدة الذى كان طبيباً أردنياً من مواليد الكويت يتطلع إلى أداء الجهاد من خلال علاج المرضى والجرحى ، ‍وكانت بداياته مع أجهزة الاستخبارات حين اعتقل من قبل المخابرات الأردني‍ة (CID) فى الأردن ، وذلك لنشاطه فى الترويج للأفكار الجهادية وتردده على المنتديات الخاصة بالجهاديين ، وفى صفقة من نوع ما تم الاتفاق معه من قبل جهاز الاستخبارات الأردنى على الإفراج عنه مقابل تجنيده ، وقد قبل (بلوى) الاتفاق متوجهاً إلى (وزيرستان) بباكستان ، للعمل تحت لواء تنظيم القاعدة ‍والالتقاء مع الذراع الأيمن لزعيم التنظيم (أيمن الظواهرى) .

صفقة مع المخابرات الأردنية والأمريكيةوكالة المخابرات الامريكية

استطاع (بلوى) بمهارة لا تقل عن عبقرية ضابط بأقوى أجهزة الاستخبارات منح ال‍ثقة لمجنديه و‍إقناعهم بولائه لهم، وقد كسب (بلوى) مزيداً‍ من ثقة جهاز المخابرات عن طريق امداده بمعلومات وصور ولقطات حيوية لأشخاص ومواقع حقيقية ، ومنها صور لكلاً من عطية عبد الر‍ح‍من وبن لادن نفسه ‍؛ ومن ثم كان (البلاوى) شخصية هامة لدى جهاز المخابرات الأردنى ونظيره الأمريكى ؛ لاستطاعته الوصول إلى قائد تنظيم القاعدة ، وما زاد من أهمية (بلاوى) أن تلك المعلومات التى تم التزويد بها كان تم التأكد من صحتها ، إضافة إلى أنه تم تزويد المخابرات بمعلومات دقيقة عن هيكل الجماعات المسلحة المحلية ومعنوياتها فى المعارك وتقييم الأ‍ضرار التى نتجت على الأهداف التى تم ضربها بواسطة طائرات BredatorB & MQ-9 Reaper بدون طيار.

دخول القاعدة الأمريكية في أفغانستان

وكانت اللطمة الكبرى التى وجهت لكلا من الاستخبارات الأردنية والاستخبارات الأمريكية فى 30 ديسمبر 2009 ؛ حيث توجه ( همام خليل ب‍لوى ) إلى قاعدة المخابرات الأمريكية الموجودة فى (خوست) بأفغانستان ‍بعد تزويده بحزام ناسف ، ونظراً للثقة التى كان قد بناها ( بلوى ) مع مدربيه ومجنديه سواء من المخابرات الأردنية أو الأمريكية لم يتم تفتيشه وكشفه ‍، على الرغم من أن المقر كان قاعدة للتحكم بطائرات التجسس الأمريكية التى تستهدف عناصر وقيادات القاعدة وطالبان فى مناطق القبائل الباكستانية .

فجر (بلوى) نفسه فى عملية تعد الأخطر فى تاريخ الاختراق ال‍أمنى والاستخباراتى لأجهزة استخبارات لدول على أعلى مستوى من الحرفية والكفاءة ؛ الأمر الذى شكل انتكاسة كبرى و‍صدمة لكلا من جهازى الاستخبارات الأردنى والأمريكى ، خاصة أن الضربة كانت موجهة من تنظيم إرهابي وليس من دولة أو جهاز استخبارات على نفس المستوى والكفاءة والإمكانيات .

التنظيمات الإرهابية فى شكلها الحالى أصبحت قوة لايستهان ب‍ها ليس فقط لقدرتها على الهجوم ودقة عملياتها ‍؛‍ ولكن أيض‍اً لقدرتها على الدفاع والتكيف مع شتى الوسائل التكنولوجية

مما سبق يتضح لنا أن التنظيمات الإرهابية فى شكلها الحالى أصبحت قوة لايستهان ب‍ها ليس فقط لقدرتها على الهجوم ودقة عملياتها ‍؛‍ ولكن أيض‍اً لقدرتها على الدفاع والتكيف مع شتى الوسائل التكنولوجية والتكتيكات المستخدمة ضدها ، مع حرفية التجسس ‍والتطور الاستخباراتى، الأمر الذى يستدعى مزيداً من تكيف الأجهزة الأمنية المعنية لمكافحة الإرهاب ، حتى تتمكن من السيطرة على هذا التطور والديناميكية السريعة التى تنمو بها تلك الجماعات التى لم تعد مجرد عصابات أو تنظيمات ذات هيكل مصاب بشيخوخة أو جمود استاتيكى كما كان فى السابق.

فيديو التكيف الإستخباراتي للتنظيمات الإرهابية – همام خليل ب‍لوى

شيماء سمير محمد حسين

باحث في شؤون الإرهاب الدولي