الرئيسية / سياسة وفكر / النازي ” ألفرد يودل” شاهد على عصر محاكمة مجرمي الحرب بجريمة الاستيطان

النازي ” ألفرد يودل” شاهد على عصر محاكمة مجرمي الحرب بجريمة الاستيطان

على ضوء هذه التطورات العالمية، أصبح القانون الدولي  يحظر بنص صريح على عدم نقل السكان أكثر وضوحا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت محاكات لمجرمي الحرب على الجرائم التي اقترفوها ومنها جريمة ترحيل السكان الاستيلاء على الأراضي للسكان المدنيين، فالمحكمة نورمبرج تُعد من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، فالمحكمة عاقبت مجرمي الحرب على ترحيل السكان في المادة (06/ب) من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية، وكما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أيضا مبادئ القانون الدولي المعترف بميثاق المحكمة العسكرية الدولية([1]).

و إن قضية ألفرد يودل على سبيل المثال هي قضية مثالية لمساءلة وملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمية والتحديد تدمير الممتلكات ونهب الأملاك الخاصة والعامة والإبعاد، ولقد أدان الادعاء العام والقضاة في محاكم نورمبرج كل الجرائم المرتبكة بحق الأراضي المحتلة أو ضمها من خلال ترحيل أو طرد السكان الأصليين ونقل المستوطنين الألمان إليها. وبهذا الصدد فقد شكلت هذه سابقة قضائية لما سمي لا حقا بالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة ([2]).

حقوق المواطنين

ولذلك فالقرارات والقوانين الدولية تنص على حماية حقوق المواطنين في أراضيهم الواقعة تحت الاحتلال، فاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تشير في المادة 49، على أن “القوة المحتلة لا يجب أن تنقل أو تحول جزءاً من سكانها إلى الأراضي التي احتلتها.” وتبعاً لذلك يعد النشاط الاستيطاني وعملية مصادرة الأراضي وضمها وبناء المستوطنات الإسرائيلية على أراضي الدولة الفلسطينية بما فيها القدس، منافياً للاتفاقية المذكورة، وكذلك نص المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام1949، فضلاً عن تعارض النشاطات الاستيطانية مع أبسط قواعد القانون الدولي وبشكل خاص اتفاقية لاهاي الموقعة في عام 1907 والبرتوكولات الملحقة بها والتي تؤكد بمجملها ضرورة حماية مصالح الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال. نجد بأنه من الضروري جدا القول إن مصادرة الأراضي وإقامة مستوطنات عليها لأغراض عسكرية لحجج دينية تارة، واعتبارات تاريخية مزيفة تارة أخرى ما هي إلا حجج لا تجد موطئ قدم لها أمام القانون الدولي.

المستوطنات الإسرائيلية

فالتقرير الصادر عن مجلس حقوق الانسان في الدورة الثانية والعشرون بتاريخ  07/02/2013م ، المتعلق بالبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق من أجل التحقيق في آثار بناء المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية و الاقتصادية  والاجتماعية  والثقافية للشعب الفلسطيني  في جميع فلسطين بما فيها القدس([3])، اعتبر أن إسرائيل ترتكب خروقاً خطيرة لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني الدولي، بما في ذلك التزامها بعدم نقل سكانها إلى الأرض الفلسطينية، يكون للمحكمة الجنائية الدولية ولاية بخصوص جرائم الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بإبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منها  داخل الأرض أو خارجها، و تصديق فلسطين على هذا النظام الأساسي يؤدي إلى مساءلة الاحتلال الإسرائيلي عن الانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الانسان و الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي وتحقيق العدالة للضحايا([4]) .

فالتقرير الصادر أيضا عن مجلس حقوق الإنسان في الدورة الخامسة والعشرون بتاريخ 13/01/2014م، عن ريتشارد فولك المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م، اعتبر قيام إسرائيل بتوسيع عن توسيع المستوطنات وإنشائها في فلسطين المحتلة هو مخالفات لكل الاتفاقيات الدولية وخاصة جنيف، بتفكيك المستوطنات القائمة وإعادة مواطنيها إلى الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر، وأن تقدم تعويضات مناسبة عن الضرر الناجم عن الاستيطان وما يتصل به من أنشطة منذ عام 1967، وأن تقوم بما يجب لحماية الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل الاحتلال الإسرائيلي من عنف المستوطنين، أن تطلب الجمعية العامة إلى محكمة العدل الدولية إصدار فتوى بشأن الوضع القانوني للاحتلال الطويل الأمد لفلسطين([5]).

مجرمي الحرب الإسرائيليين

و يري لويس مورينو أوكامبو المدعي العام السابق لمحكمة الجنايات الدولية،  يمكن مساءلة مجرمي الحرب الإسرائيليين عن جريمة الاستيطان، أن التحقيق الذي يجريه مكتب الادعاء العام في  محكمة الجنايات الدولية في ملف الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية سيؤدي على الأغلب إلى إدانة قيادات اسرائيلية من قبل المحكمة باعتبار الاستيطان جريمة حرب مستمرة على حد وصفه ويُشكل انتهاكا قانونيا واضحا لميثاق روما ولقواعد القانون الدولي التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الإقليم المحتل، مشيرا إلى أن مكتب الادعاء قد قطع شوطا في فحص قضية الاستيطان الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة([6]).

وسبق أن قام مجلس الأمن الدولي بتاريخ 22 آذار 1979 أن أصدر قراره رقم 446([7])، يُقرّر بأن سياسة وممارسات إسرائيل في إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967م، والقرار مجلس الأمن رقم 452 ([8]) (1979) الصادر بتاريخ 20 جويلية 1979م، التي اعتبره أن سياسة إسرائيل في إقامة المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة ليست لها شرعية قانونية وتُشكّل انتهاك لمعاهدة جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب بتاريخ 12 آب 1949م.

كما أصدر مجلس الأمن قراره رقم471 ([9]) بتاريخ 05 جوان 1980م، عبره عن استنكاره بالسماح للمستوطنين اليهود في الأراضي العربية المحتلة بحمل السلاح ضد المواطنين الفلسطينيين وبذلك تمكينهم من ارتكاب جرائم ضد السكّان المدنيين، يدعو إلى التوقيف والملاحقة القانونية لمرتكبي هذه الجرائم ويدين محاولات الاغتيال التي استهدفت حياة رؤساء بلديات نابلس، ورام الله والبيرة. يُعبّر عن القلق البالغ لأن إسرائيل، القوة المحتلة، فشلت في تقديم الحماية الكافية للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة وفقاً لبنود معاهدة جنيف الرابعة.

وأخيرا القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي قراره رقم2334 ([10])، بتاريخ 23 ديسمبر لعام 2016م المتعلق بالوضع في الشرق الأوسط القضية الفلسطينية (الاستيطان) التي اعتبر أن المستوطنات غير قانونية وغير شرعية.

البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق

و القرار رقم 70/225 التي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 22 ديسمبر2015م ، التي أثنت على  التقرير المتعلق بالبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق من أجل التحقيق في آثار بناء المستوطنات الإسرائيلية  على الحقوق المدنية والسياسية و الاقتصادية  والاجتماعية  والثقافية للشعب الفلسطيني  في جميع فلسطين بما فيها القدس، واعتبره القرار يجب على إسرائيل احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وعدم الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالقوة، أن ممارسة جريمة الاستيطان في الأراضي  الفلسطينية بما فيها القدس يُشكل انتهاكا للقانون الدولي  و لفتوي لاهاي الصادرة في 9 تموز 2004م عن محكمة العدل الدولية، التي يجب على إسرائيل احترامها والتقيد بها([11]) .

ولذلك بناء على ما سبق يمكن أن تكون كل المدعمات القانونية السابقة التي تم ذكرها تساعد في الضغط على المؤسسات الدولية في التحرك لوقف هذه الجرائم بحق الشعب الفلسطيني وتُشكل نقطة انطلاق لولادة محكمة جنائية دولية خاصة لملاحقة مجرمي الحرب، على غرار المحاكم الجنائية الدولية الخاصة التي تم ذكرها، لملاحقة المجرمين عن تلك الجرائم التي اقترفوها.

([1]نصت المادة (06/ب) من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية نورمبرج على الآتي: جرائم الحرب: انتهاكات قوانين أو أعراف الحرب. وتشمل هذه الانتهاكات، على سبيل المثال لا الحصر، القتل أو إساءة المعاملة أو الترحيل إلى السخرة أو لأي غرض آخر من السكان المدنيين في الأرض المحتلة أو في أراضيها المحتلة أو قتل أو إساءة معاملة أسرى الحرب أو الأشخاص في البحار، وقتل الرهائن، ونهب الممتلكات العامة أو الخاصة، والتدمير الوحشي للمدن والبلدات والقرى، أو الدمار الذي لا تبرره الضرورة العسكرية.

([2]) جوزيف شيكلا، جريمة نقل السكان التجريم، الملاحقة القضائية، والتحصين من العقوبة، دراسة قانونية صادرة عن مجلة حق العودة، العدد 54، أوت لعام 2013م.

(([3] في 22 مارس 2012، في دورته التاسعة عشر، اعتمد ومجلس حقوق الإنسان القرار رقم 19/17 المتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل” الذي قرر ” بإيفاد بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة، للتحقيق في تداعيات المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب الفلسطيني في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.

(([4]  راجع  نص الفقرة 104 من صادر مجلس حقوق الانسان في الدورة الثانية والعشرون بتاريخ 07/02/2013م، المتعلق بالبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق من أجل التحقيق في آثار بناء المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية  والاجتماعية والثقافية للشعب الفلسطيني في جميع فلسطين بما فيها القدس، صفحة 29.

(([5]  راجع نص الفقرة 81/ومن القرير الصارد عن مجلس حقوق الإنسان في الدورة الخامسة والعشرون بتاريخ 13/01/2014م

([6])  ندوة علمية حول آليات عمل محكمة الجنايات الدولية في فلسطين، نظمتها جامعة القدس، الناشر الهيئة الاكاديمية والموظفين لجامعة القدس بتاريخ الثلاثاء 30 ماي 2017م.

(([7]  راجع نص القرار رقم 446 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، بتاريخ 22 آذار 1979م.

http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/446

(([8]  راجع نص القرار رقم 542 الصادر عن مجلس الأمن الدولي  بشأن الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، بتاريخ 20 جويلية 1979م.

http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/452

([9])  راجع نص القرار رقم 471 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، بتاريخ 05 جوان 1980م.

http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/471

([10])  راجع نص القرار رقم 2334 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن بالوضع في الشرق الأوسط القضية الفلسطينية، بتاريخ 23 ديسمبر 2016م.

http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=S/RES/2334

([11]) راجع نص القرار رقم 70/225 التي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية،  بتاريخ 22 ديسمبر2015م.

http://www.un.org/ar/documents/viewdoc.asp?docnumber=A/RES/70/225

فيديو النازي ” ألفرد يودل” شاهد على عصر محاكمة مجرمي الحرب بجريمة الاستيطان

إسلام راسم البياري

إسلام راسم البياري