الرئيسية / أدب / قصة / السيد الموظف: اذْعِنوا؛ تَصِحوا.

السيد الموظف: اذْعِنوا؛ تَصِحوا.

محض موظف

– لما تزعق وتصرخ بنا هكذا!، ماذا تظن نفسك!!، أنت محض موظف يعمل لدينا؟!!
استشاط موظف مكتب البريد غضباً؛ حين صرخت بوجهه قائلاً تلك الجملة، خاصة مع المقطع الأخير منها : “أنت موظف تعمل لدينا”.. يبدو أن السيد الموظف الذي يصرخ بصفوف الواقفين بانتظار التحصل على المعاش، لم يتستغ تلك الجملة، فهو يصرخ ويزعق بالواقفين أمامه، وهم يستجدون عطفه: والنبي يا أستاذ (س) مش قادرة أقف…والنبي يا أستاذ(س) أنا عندي السكر… والله يا أستاذ(س) الله يكون في عونك في هذا الجو الحار، …إلخ إلخ
رد السيد الموظف بحنق تخضب باشتياط غضبه:
– لاتصرخ هكذا؛ أنا لا أعمل لديكم، أنا أعمل لدى الحكومة!
– أنت والحكومة.
سببته بتلقائية، فلم أفكر، فقط خرجت السُبَة، فما كان منه إلا أن نهض – وقد كان ضخم الجثة – ليضربني ، وقد وقفت أنا الآخر بتحفز، إلا أن الناس قاموا بالفصل بيننا… والجدير بالملاحظة في ذلك عدة نقاط :
1) عن الموظف: حالة الغضب البالغة التي انتابت الموظف، حين صرخت به قائلاً: أنت تعمل لدينا. فالسيد الموظف الذي يزعق بخلق الله عمال على بطال، انزعج من فكرة كون المواطنون البسطاء الذي يتطاول عليهم، هم أرباب العمل، وأنه هو ممثل السلطة (كونه موظف حكومي) مثله مثل هؤلاء الرعاع، الذين تعطف الحكومة عليهم، بل كيف يكون أقل منهم، أو أنه يعمل لديهم هم. وفي ذلك نظرة دونية للمواطنين؛ فالسيد الموظف على استعداد للخضوع فقط لمن هم أقوى منه، من يمتلكون سلطة تستطيع البطش، أما هؤلاء الذين لاحول لهم ولاقوة، فهو يستطيع أن يسبهم هم وأهلهم، بل يستطيع أن يتذمر ويعلن أنه لن يعطيهم المعاش الآن، وأنه حين يأتيه مزاجه سيقوم بعمله، وكيفما يريد، ومن حقه أن يتذمر، و ينظر من فوق أنفه نافثاً بحنق: أوففف.

الضرائب المأخوذة من المواطنين

يبدو أن السيد الموظف لايعلم بأن المرتبات التي يتحصل عليها، هو ورؤساء العمل تأتيه من الضرائب المأخوذة من المواطنين، الذي سيادته يزعق بهم، وأنه لولا أموال هؤلاء البسطاء ماوجد هو أجراً، أضف إلى ذلك بأن المعاشات ليست منحة من الحكومة، فهي تُخصم أساساً من المرتبات. لكن السيد الموظف يبدو أنه لايعلم ذلك، مثله مثل أولئلك الذين سمحوا له بإهانتهم، بالإضافة، إلى كون الاثنان غير قادرين على تقبل تلك الحقيقة!
2) عن تماهي مفهومي الحكومة (السُلطة) والدولة : تلك النظرة الدونية للمواطنين، ربما يكون منبعها تماهي مفهومي السلطة أو الحكومة والدولة. فاختلاط المعنيين جعل من السلطة التنفيذية والتي هي جزء من مثلث السلطة في الدولة ( التشريعية، القضائية، التنفيذية)، هي الدولة ذاتها، فأضحت بذلك الحكومة هي التي تملك كل شئ، تملك الأرض والعرض، وحتى أرواح المواطنينن، وأن كل ماتقدمه إنما هو منحة، يجب أن تُشكر عليها وليس هو عملها الذي جلست على كرسي النسر من أجله!. وأن وجود تلك السلطة من المفترض، ده من المفترض يعني مرتبط برغبة المواطنين، وتقييمهم هم لأدائها، وليس وجود الدولة بمؤسساتها، واستقرارها مرتبط بأوثان ذلك الجزء من السلطة، والذي هو قابل للتغيير والمحاسبة. ونتيجة لذلك التماهي فإننا نجد موظفوا المصالح الحكومية يتعاملون بغطرسة ووخم، فالموظف، الذي يرى نفسه رمزاً للسلطة لايتورع عن التحدث في الجوال، وتناول الطعام،… إلخ، وتذنيب جمهور الواقفين، فهم ليسوا سلطة، ليسوا شيئاً على الإطلاق؛ فهم رعايا الدولة التي هي الحكومة، الذي هو ممثلها، وليسوا جزءاً، قطاعاً عريضاً من الدولة، بل وليس لهم من السلطة على رؤاسائه الذي يقف أمامهم مرتعد الفرائص!
3) عن المواطنين : لاحظت أن السادة المواطنين لم يمتعضوا حين سببت الرجل، لم يقل أحدهم : عيب، الرجل مثل والدك. بل أنهم اخذوا بمحاولة لتهدئتي، قائلين: لاترد عليه، حتى لايتبلى عليك، ويوديك في داهية، هيقول أنك قد تعديت عليه اثناء تأدية عمله.
الناس لم يشعروا بأي شئ من الأسف تجاه الرجل الذي يوجه لهم الإهانات باستمرار، بل شعروا بشئ من العدالة حين تم معاملته بشئ من المثل… والسؤال هنا: لماذا لم يواجهوا إهاناته لهم؟… لماذا اكتفوا بالغمغمة والشعور بالحنق فقط، بل إنهم أيضاً قد ينهروا بعضهم البعض بسبب طيلة الوقوف والزحام ويتغاضون عن الموظف، الذي هو سبب ذلك؟!.. هم يشعرون بالظلم، الغضب، الحنق، الرغبة في الصراخ ورد الإهانات، لكنهم لم يفعلوا من ذلك شئ!!
والوحيد الذي دعم موقفي، وعلا صوته مثلي، هو شاب أيضاً في مثل عمري( في عقده الثالث)، هو أيضاً اعترض، وقال : أنت تعمل لدينا، أنت وحكومتك

وتبقى الأسئلة:

لماذا لم يعترض أحد؟، لماذا لم يدعمنِ أي منهم؟…هل لأنهم يرونني على خطأ؟… لماذا إذاً ظلوا صامتين ولم ينحازوا إلى موظف البوستة، وأنا موقفي أضعف، لكوني لا أملك سلطة فعلية حينذاك؟!…وإن كانوا يرونني على خطأ لماذا دعموني في السر، بدون أن تسمعهم آذان السيد الموظف؟، والسؤال الأهم لما تحملوا من ذلك الفج الإهانات؟… تكمن الاجابة في كونهم يعلموا نتيجة اعتراضهم، وهو عدم تحصلهم على المال، لكني على الرغم من ذلك فقد تحصلت على المعاش!!… على ما يبدو أن المصريين يخشون الاصطدام بالسُلطة؛ فهم يسيرون تقريباً بمبدأ: يانحلة، لاتقرصيني، ولاعاوز منك عسل! . هم يحاولون باستمرار الابتعاد عن السُلطة، وتسيير حياتهم بمنأى عنها، ذلك لأننا نؤمن بأن عواقب الاصطدام بالسُلطة، لاتكون على مايرام دائماً.
لماذا الشاب هو الذي دعمني واعترض؟؟!… هل ذلك لأنه شعر بالإهانة مثلي من تطاول الموظف الفج علينا؟…هل الشباب إذاً لم يستسيغوا بعد معنى الإهانة، والنظرة الدونية الموجهة لنا نحن؟، ولازالوا يودون الاعتراض، لكنهم ينتظرون الدفعة الأولى ليصبوا جام اعتراضهم عن الوضع الراهن؟!!
هل ستظل تلك الفئة من جيل المذعنين للسلطة هكذا عاقدة ذراعيها، تلعب دور المشاهد الذي يرغب في رؤية التغيير: بس ملناش دعوة ياعم بالسياسة؟… أيضاً هل سيقفون عقبة في الطريق في حالة ظهور بوادر عدم الرغبة في الإذعان، مفضلين استقرار النظام الحالي، كما هي العادة دائماً؟
وأعود واسأل القارئ هاهنا: هل نحن فعلاً بالشجاعة الكفاية لمواجهة الإذعان الموجه لنا من قبل أي درجة في سلم السلطة – بالمفهوم العام لها ، التي تبدأ من المنزل ودار العبادة، إلى السيد الموظف رئيس الجمهورية؟. أيضاً، ماهي الكيفية، الواجب التعامل بها مع أجيال المذعنين تلك؟

فيديو السيد الموظف: اذْعِنوا؛ تَصِحوا.

أضف تعليقك هنا