الرئيسية / تعليم / البحث العلمي / سندات قناة السويس الجديدة ، وعلاقتها بمدينة فلورنسا الإيطالية ..‎

سندات قناة السويس الجديدة ، وعلاقتها بمدينة فلورنسا الإيطالية ..‎

من اشترى سندات في قناة السويس الجديدة ولم يرجع له شيء والفائدة ليس مثل ما توقع، يستطيع أن يرفع قضية على مدينة فلورنسا الإيطالية عشان هي التي أخترعت السندات الحكومية. فلورنسا تلك المدينة الإيطالية العظيمة محل ميلاد النهضة الأوروبية ومسقط رأس أشهر ناس فيها (دانتي – أعظم شاعر إيطالي واللغة الإيطالية الحديثة قائمة على كتاباته – وبيتراركا وماكيافيلي وبوكاتشيو وجيتشارديني وبوتيتشيلي وغيرهم عشرات) وأيضًا كان فيها أشهر عائلة إيطالية حكمت في التاريخ عائلة “ميديتشي” وهي اللي رعت أعمال ليوناردو دافنشي ومايكل انجلو (أيضًا كانوا رجال من توسكانا، المقاطعة التى فلورنسا عاصمتها.)

في العصور الوسطى إيطاليا لم تكن دولة موحدة،

بل مكونة من مجموعة ولايات متناحرة وكل منهم فى تنافس (وفي الكثير من الأحيان) تحارب الأخرى وبالتالي أضطروا يلجأوا للتعاقد مع جنود مرتزقة (جنود يحاربوا من أجل المال) محترفين جدًا جدًا في الحرب ولكن ولاءهم الأول والأخير للمال أسمهم “الكوندوتييري” Condottieri (يعني المتعاقدين، من كلمة condotta يعني “عقد” اللي بتساويها كلمة contract الإنجليزية.) في القرن ال14 كان أعظم الcondottieri (ومن أعظم القادة العسكريين في التاريخ عمومًا) هو رجل إنجليزي أسمه John Hawkwood (الطليان كانوا يسمونه Giovanni l’Acuto يعني “جون الحاذق” بسبب خضرمته وقيادته البارعة وبسبب صعوبة أسمه الإنجليزي عليهم) والسير Hawkwood على الرغم من إن تربيته كانت مرفهة، إلا أنه في الحقيقة كان أبعد ما يكون الإنسان عن النعومة والرحمة وأقرب ما يكون للقسوة والصرامة والدموية والعدائية والبلطجة والإجرام. بدأ مساره الحربي في فرنسا أثناء حرب ال100 عام وبعدها هاجر لإيطاليا بحثًا عن الأموال والسلطة، وطبعًا أشخاص مثله كانوا مطلوبين جدا في منطقة كلها تسطو وتهجم وتحارب بعضها وبالتالي كان الطلب عليه عالي جدًا وكل المقاطعات الإيطالية (بمن فيهم البابا) كانوا بيتنافسوا عليه.

عمل لحساب مدن Pisa وPadua وFlorence وMilan والبابا وتقريبًا خانهم جميعًا.

في ذلك الوقت كانت إيطاليا فيها جماعات (أسمها companies أو صُحبَات) من المرتزقة/البلطجية من خلفيات عرقية مختلفة، اللي بعضهم يعمل بشكل مستقل وبعضهم الآخر متوظف من الحكومة لفرض القانون والإعانة على الحروب وأغراض أخرى، وكانت الWhite Company من الألمان والإنجليز التي رئيسها سير چون هوكوود هي أقوى وأقسى تلك الجماعات وترتعد الفرائص لقدومها من على بعد مئات الكيلومترات، وأيضًا كانوا معروفين بسمعتهم الوحشية ردًا على أي مخالفات أو تمردات (تقريبًا كانوا أبشع ناس في العقوبات بعد الجماعة المجرية.) لكن إستفتاح معاركه الكبيرة فعليًا على مستوى الولايات في إيطاليا كانت “معركة كاشينا” Battle of Cascina عام 1364 بين “بيزا” و”فلورنسا” ولها رسومات شهيرة في “قصر فيكيو” الأسطوري في فلورنسا أشهرهم لأحد من تلاميذ مايكل انجلو أسمه باستيانو دا سانجالو (أيضًا قصر فيكيو هي المرة الوحيدة اللي تقابل فيها ليوناردو دافنشي ومايكل انجلو وأقيمت بينهم منافسة علنية في رسم وتخليد المعارك على جدران القصر هناك.) وقتها كان Hawkwood يحارب لصالح “بيزا” وعلى الرغم من خسارتهم، إلا أن هوكوود نال سمعة بالغة على جسارته في ساحة المعركة وتوحشه في القتال، وبدأت الكثير من ولايات إيطاليا المتناحرة يتصارعوا على تجنيده عندهم وتشغيله لحسابهم، وفي النهاية نجحت فلورسنا في تلك المهمة وهو ذهب بكل سرور لأن فلورنسا كانت من أغنى الولايات ومنبع أموال ينهل ويغترف منه كما يحلو له

المشكلة الكبيرة أن جشع سير چون هوكوود وأمثاله لم يكن يعرف أي حدود

ولا يكبح جماحه أي شيء وبدأ هو ومن معه يطلبون أموال أكثر وأكثر مع الزمن وبالتالي بدأت حكومة فلورنسا يزيد عجز موازناتها (الفرق بين مصاريفها وبين دخلها من الضرائب) بشكل كبيرة جدًا بسبب الأموال اللي بتدفعها لهم، حتى في أوقات السلم كانت مصاريف الحكومة أكبر من ضعف عوائدها من الضرائب، لدرجة إن ديون الحكومة أنفجرت من 50,000 فلورين (عملتهم وقتها) ل5 مليون في أقل من قرن!! الديون كانت غامرة وخانقة وأشبه بالجبل الجاثم على صدر فلورنسا لدرجة أن الحكومة سمتها حرفيًا “الجبل الإجتماعي” monte comune ولحل تلك المشكلة الملحة كان على حكومة فلورنسا اللجوء للإبداع ومن هنا جاءت فكرة “السندات” bonds وهي أن المواطنين الآن شبه ملزمين إنهم يسلفوا حكومتهم وفي المقابل يتقاضوا فائدة على أموالهم، يعني فلورنسا حولت مواطنيها لأكبر مستثمريها ومُقرِض مالي لها. الجميع كان سعيدًا بالفكرة وكل شيء بدى على ما يرام! الحكومة سعيدة بأموالها الجديدة اللي تقدر تصرف وتسد بيها ديونها “المتلتلة” والناس سعداء لأنهم يتقاضوا فائدة بدون مجهود وحتى إذا أردت أموالك بسرعة، ممكن أن تبيع السندات وألف مين يشتري منك في لحظة، وبدى الأمر وكأن مشكلة الديْن العام أتحلت للأبد. ولكن كان فيه مشكلة واحدة كبيرة في تلك الفكرة تجعلها ليست الحل والعلاج الشامل والأبدي الذي بدت عليه للوهلة الأولى، وهي أن كل ما الحكومة تدخل حروب (أو يزيد عجزها لأي سبب كان) كلما هتضطر إنها تصدر سندات أكثر وأكثر، وكلما زاد عدد السندات الصادرة من الحكومة كلما قلت قيمتها وأصبحت أقل جاذبية للمستثمرين ومن يشرونها ودا تحديدًا ما حدث في فينسيا بعدها ولم تسير الأمور على ما يرام كما حدث في فلورنسا.

ومن هنا جاءت فكرة المضاربة والمخاطرة، يا تصيب ويحالفك الحظ،

أو تخيب وكل شيء ينهار. فكرة المخاطرة بمعنى مثلًا لو انا الحكومة وانت المواطن الذي على إستعداد يشتري السندات، فانا أعلم انه توجد إحتمالية إنى يمكن أن أعجز عن تسديد الفوائد أو إعادة أموالك لك بسبب أني مقترض أو مديون غير موثوق لأي سبب كان وبالتالي أضطر أعمل لك شيء مغري وجذاب انك تشتري مني السندات وهذا الشيء الجذاب هو إني أعمل فرق كبير ما بين “القيمة الأسمية” face value للسندات والقيمة السوقية market value لها، يعني مثلًا أعمل لك سند مكتوب عليه أو مفترض إنه بدولار (وهذه الface value) ولكن أنت تشتريه مني فعليًا بنصف دولار (وهذه الmarket value) ولكن انت تتقاضى فائدتك على الface value وليس الmarket value، يعني وقت ما بدفع لك الفائدة بنتعامل كأنك دافع لي دولار كامل ولكن انت فعليًا مشتري مني السند بنصف دولار فقط ومن هنا الربح (أو الخسارة – إذا لم أستطع رد الديون -) .وقتها – عام 1509 – كانت سندات فينيسيا بتتباع ب%10 من الface value بتاعتها بسبب أن فينيسيا أتهزمت في الكثير من الحروب وسمعتها على القدرة على رد الديون أتشوهت تمامًا وبذلك انت بتعمل رهان أو مجازفة ترفع من شأنك أو تضرك ضرر بالغ.
.
على الرغم من ذلك العيب، فكرة السندات كانت أكثر إغراءًا وقوة بمراحل من أن يتم الإستغناء عنها وظلت مستمرة حتى يومنا هذا وقيمة سوق السندات مهولة وخيالية بعشرات التريليونات من الدولارات، وسوق السندات أصبح من أكبر مصانع صك المليارديرات والمليونيرات، صنع عشرات المليارديرات ومئات الآلاف من المليونيرات وتتحكم في خط سير العالم ومجريات الأمور على الكوكب. أسأل عليها جورج سوروس أو أغنى عائلة في التاريخ روثتشايلد أو أي حد معدي في الشارع في Wall Street أو City of London!
.
بالمناسبة، على الرغم من قسوته وإجرامه وجشعه، سير چون هوكوود كان بيعتبر بطل هناك عند المؤسسة الرسمية لمساعدتهم في الحروب وفي أعمال الحكومة وحتى كان بيشترك في فض أكبر المنازعات بين الأمراء والحكام ورجال الدين وبيتوسط في الزيجات الكبيرة ولما مات أتعمل له عزاء فخم وملوكي وأتخلد بنصب تذكارية في فلورنسا في الكاتدرائية الرئيسية في فلورنسا وواحدة من أكبر كاتدرائيات العالم. والفكرة دي كانت مهينة ووقعها قوي جدًا على بعض أدباء أوروبا في وقتها بسبب إن فلورنسا نفت ورفضت إنها تدفن أعظم شخصية أتولدت فيها “دانتي أليجييري” ولكن عملت البدع لچون هوكوود. الكاتب الإنجليزي Ferdinand Gregorovius كان مستاء جدًا من الموضوع وعلق عليه بقوله “فلورنسا، التي حرمت دانتي من قبر له فيها، أنشأت نصبًا تذكاريًا لناهب وقاطع طريق!”

 

فيديو سندات قناة السويس الجديدة ، وعلاقتها بمدينة فلورنسا الإيطالية ..‎

 

أضف تعليقك هنا