<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / سياسة وفكر / الأوضاع الاقتصادية في جنوب السودان في ظل الصراع السياسي (الواقع، التداعيات ، والحلول )

الأوضاع الاقتصادية في جنوب السودان في ظل الصراع السياسي (الواقع، التداعيات ، والحلول )

المقدمة :

أصبح الاقتصاد الجنوبسوداني في غرفة الإنعاش، متعرضاً لكافة العمليات الجراحية الاقتصادية الحرجة، بعدما طال سرطان الصراع السياسي والحرب اللعين كل جسده الاقتصادي، فالصراع لم تخلف فقط القتلى بل تردى من خلالها الوضع الاقتصادي، بحيث لا يمكن مقارنة الوضع الاقتصادي خلال سنوات السابقة مع سنوات الحرب والصراع .

ويذكر أن الاقتصاد الجنوب سودان قد شهد مرحلة من النمو النسبي المستقر في الفترة بين العامين 2005م و2010م وكانت تلك هي انسب الفترات لتحقيق النمو والاستقرار ولكن الدولة انتهجت سياسية الانفاق العام الخاطئ دون مراعاة الاولويات الاساسية لبناء الدولة مما أدت إلى تفشي الفساد داخل مؤسسات الدولة.

فقد تعرضت جنوب السودان إلى أوضاع اقتصادية مزرية شهد من خلالها الارتفاع المستمر في سعر الدولار، قابلها هبوط واضح في قيمة الجنيه الجنوبسوداني مقابل الدولار ، وارتفاع جنوني في أسعار بعض السلع الاستهلاكية مما خلفته من معاناة الأفراد الطويلة معها، فضلاً عن ارتفاع البطالة، وعدم قابلية المؤسسات الاستثمارية الصغيرة والكبيرة على العمل مما أدي ذلك إلى تدهور الوضع المعيشي للمواطن الجنوبسوداني.

فنجد أن الاقتصاد الجنوبسوداني قد شهد تحولاً سلبياً في مؤشراته الكلية جراء الأزمة السياسة التي تمر بها البلاد، حيث ألقت هذه الأزمة بظلالها على الموازنة العامة، والاقتصاد الكلي عامة، وضاعفت من حجم الضغوط الاجتماعية ، وزادت من أعباء الاقتصادية في الدعم المبذول من قبل الحكومة في المجهود العسكري او الحربي أي بالأحرى اصبح الانفاق الأمني ، فقد خسر الاقتصاد الجنوبسوداني جراء استمرار هذا الصراع الدائرة الملايين الدولارات ، دون تقديم الخدمات إلى المواطنين التي أدت بدوره إلى ارتفاع نسبة الفقراء لتفوق اكثر 80% من مجموع السكان.

الآثار الاقتصادية للصراعات والحروب الأهلية :

واقع المشهد الاقتصادي في جنوب السودان:

ان الاقتصاد الجنوبسوداني قد سجل العديد من التشوهات والتحديات نتيجة لتأثره بالصراع السياسي ، وخاصة في مجال التنمية وإدارة المال العام ومؤاشرات الفقر والمجاعة ،بعد استقلال الجنوب و انتهاء الحرب الأهلية حصل الجنوب على ملايين الدولارات من المانحين الدوليين لتطوير بيئتهم وحياتهم الاقتصادية وبناء مؤسساتهم الاقتصادية ولكن القائمين علي إدارة الدولة لم يستغلوا تلك المبلغ لمنفعة العام بل استغلوها لمصالحهم الشخصية, هذا بالاضافة الي الإيرادات النفطية وما ذلك فإن جنوب السودان يحتاج إذاً لخطة اقتصادية شاملة تساعد على الحد من تفشي وباء الفساد وبناء مؤسسات ووضع تشريعات قانونية بجانب مرونة الحركة الاقتصادية ولذا فان المشهد الاقتصادي هنا يقول إما أن يظل جنوب السودان مستهلكا لمنتجات غيره كما هي الحالة الآن أو أن يحاول مع كل هذا التعقيد تحريك الإنتاج المحلي عبر برنامج اقتصادي يهدف الي تفعيل القطاعات التي تم أهملها مثل قطاع الزراعة والصناعة والخدمات وغيرها وذلك باستغلال ايرادات النفط ولكن في ظل تجدد الصراعات الأهلية تبقي فرضية تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو الاقتصادي امر لا يتحقق.

الآثار الاقتصادية للصراع السياسي والحروب الأهلية في جنوب السودان :

يؤثر الصراع السياسي والحروب الأهلية في جنوب السودان على الوضع والسلوك الاقتصادي؛ فغياب الاستقرار الاجتماعي يعيق عمليات التنمية الاقتصادية والبشرية، كما يحول دون تحقيق هدف تخفيض الفقر، حيث تم تحويل قدر كبير من الموارد الدولة من الإنفاق على الخدمات العامة إلى الإنفاق العسكري كما هي عليه الان في جنوب السودان وكذلك تتسبب الصراعات والحروب الأهلية في تدمير الموارد البيئية. ولا يقتصر التأثير على ما تخلفه الحروب مباشرة من خراب ودمار وقتلى، بل يتعدى ذلك بكثير.

فترتب الصراعات والحروب الأهلية العديد من الآثار غير المباشرة؛ والتي تتمثل في انهيار الهياكل الاقتصادية والإدارية للدولة، وهروب رؤوس الأموال كرد فعل لارتفاع درجة المخاطرة، وتدهور الحالة الصحية للأفراد، وانتشار الأوبئة والأمراض، بالإضافة إلى تدني مستويات المعيشة، وانتشار موجات الهجرة الإجبارية من مناطق الصراع. كما أن تأثير الصراعات والحروب الأهلية لا ينحصر في آثارها ـ المباشرة وغير المباشرة ـ على الدول المتحاربة فحسب، بل يتعدى حدود هذه الدول وتتفشى الآثار في معظم دول الإقليم. لذا فإن تقييم الآثار الاقتصادية للصراعات والحروب الأهلية يتطلب الأخذ في الاعتبار هذه الأبعاد المباشرة وغير المباشرة والخارجية .

تداعيات الصراع السياسي على الوضع الاقتصادي الراهن في جنوب السودان :

من المؤكد ان الصراع السياسي والحروب الأهلية في جنوب السودان ستؤدي إلى تداعيات علي الوضع الاقتصادي نتيجة للعمليات العسكرية التي صاحبت تلك الصراع ومن أهمها الآتي :

تدهور قيمة العملة الوطنية :

ظهرت تجليات هذا الأمر بشكل واضح على الجنيه الجنوبسوداني وسعر الصرف، وشهد الدولار أثناءها ارتفاعات مستمرة، قابلها هبوط واضح في قيمة الجنيه ، كما تم استهلاك أغلب احتياطات النقد الأجنبي الذي كان موجود في البنك المركزي، وتراجعت الإيرادات العامة للدولة، نتيجة لعدم وجود صادرات ، وتطبيق سياسة خفض العملة ( التعويم )اثر بدوره علي قيمة الجنيه نتيجة لارتفاع المستمرة للقيمة الدولار مقابل الجنيه ،وذلك بسبب زيادة الطلب علي العملات الأجنبية والاعتماد الوردات وعدم وجود الصادرات هو السبب الأساسي في زيادة الطلب على الدولار، ومع انتهاج البنك المركزي لتلك اللسياسات الخاطئة أدت إلى انهيار قيمة الجنيه والتي بدوره أدت التضخم وانخفاض القوة الشرائية وغيرها من مظاهر الانهيار .

هروب رأس المال من جنوب السودان :

يعتبر هروب رؤوس الأموال أحد أسوأ الانعكاسات الاقتصادية للحرب، وفي ظل الوضع الراهن في دولة جنوب السودان نجد أن هنالك مبالغ تقدر بملايين الدولارات تهرب للخارج وهذا يؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي وانكمشها

الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد :

ان تفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية يرجع إلى فشل الدولة في إدارة الاقتصاد والعمل جادة لمواجهة الأسباب التي ادت إلى افتعال هذا الأزمة والتى يمكن ان نلخصها في الآتي:-

– اعتماد الدولة على مورد النفط بشكل مباشرة ،وبالتالي فإن انخفاض اسعاره عالمياً أثر مباشرة على موارد الحكومة المتاحة للانفاق أي تشكل الصادرات البترولية البند الأساسي لايراداتها .

– عدم تبني الدولة للسياسات مالية ونقدية واضحة و عدم اتباع منهج اصلاحي للاقتصاد القومي لمعالجة هذا الوضع الاقتصادي التي أصابت الدولة.

– الحروبات الداخلية وعدم الالتزام باتفاقية السلام ،بالإضافة الي ذهاب أولويات الانفاق الى قنوات لاعلاقة لها بالتنمية او الصالح العام.

– تعويم العملة المحلية أدت إلى ضعف قوته الشرائية امام عملات الدول المجاورة وفقدان قيمته الشرائية داخلية وحدوث التضخم.

– عدم وجود قطاع مصرفي مواكبة للنظم المصرفية العالمية .

– عدم وجود مواجهات لسياسية مالية اقتصادية واضحة تهدف الي تحقيق اهداف الألفية ( مكافحة الفقر ،رفع عبئها عن كأهل المواطن البسيط).

– تفشي الفساد الاداري والمالي داخل مؤسسات الدولة وعدم المحسوبية من قبل السلطات المعينة فى الدولة.

الإصلاح الاقتصادي المطلوب في جنوب السودان :

لم تكن لدولة جنوب السودان تجربة سابقة في الإصلاح الاقتصادي باعتباره دولة حديثة ، ولذا علي القائمين بالإدارة الاقتصاد عليهم طرح هذا السؤال لأنفسهم ، ماهي متطلبات الأضلاع الاقتصادي في المراحلة الراهنة وهل نحن امام جهود حقيقة للوصول الي ذلك الإصلاح المطلوب والمستحق؟

والحقيقة الماثلة اليوم ان الإصلاح الاقتصادي في جنوب السودان مازال” فرضية غائبة”في ظل الصراع السياسي الدائر في البلاد وغياب السلام ولذا يمكن القول ان للإصلاح الاقتصادي حقائق ومتطلبات يجب الركون اليها والإيمان بها لكي يتحقق هذا الإصلاح و و اول هذا الحقائق تتمثل في ان عملية الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي مرتبط بالاستقرار السياسي على مستوى الدولة لان عملية الإصلاح عملية تدريجية مراسليك لإيقاف عند حد الانتهاء من برامج التصحيح ، والحقيقة الثانية ان عملية الإصلاح عملية تشاركية تحتاج إلى تضافر الجهود وانخراط الانتاج ، وفي هذا الإطار يبقى المخرج الوحيد هو السلام والاستقرار.

الإجراءات اللازمة للخروج من الأزمة الاقتصادية التي بمر بها جنوب السودان :

ان الازمة الاقتصادية وآثارها امر واقعي لايمكن اخفاءها ولكن تبقى العبرة فى الخيارات والبدائل التى يمكن اتخاذها لمحاصرة آثارها الواضحة في حياتنا اليومية ،ولذلك سنتعرض لبعض النقاط التي نرى فيه بانه يمكن ان تكون المخرج الوحيد اي بمثابة الإجراءات الهادفة إلى استعادة

الوضع الاقتصادي إلى الأفضل

وهي على النحو التالي :-

1- العمل بجدية وإخلاص على دعم المبادرات السلمية في الداخل والخارج لتحقيق السلام و لحل الأزمة عبر الحلول السياسية، فتوافق السودانين الجنوبين وحده هو الذي يفتح الطريق لوضع السياسات الإصلاحية للنهوض بالاقتصاد الجنوبسوداني ، وذلك من خلال اتخذ الإجراءات الجادة للإصلاح وإعادة هيكلة الاقتصاد، وإحياء دور الدولة في النظام الإقتصادي.

2- عدم الاعتماد على النفط كمورد اساسي يعتمد عليه اقتصاد الدولة ،والعمل على انتهاج سياسية تنويع الاقتصاد والنهوض بالصناعات وحمايتها ، و دعم القطاع الزارعي لزيادة الانتاج وذلك من خلال سياسية داعمة للعرض حتى تكون هنالك وفرة تساعد في استقرار الاسعار خاصة السلع الاستهلاكية.

3- وقف جميع أنشطة الحكومة وموازناتها المخصصة للقطاعات غير المنتجة والريعية -والتي يمكن تأجيلها- والتي لاتتناسب مع الأوضاع التي تمر بها البلاد.

4-تخصيص موازنات القطاعات غير المنتجة، والإيرادات العامة المتوقعة حصراً لتأمين المساعدات الضرورية للقطاعات المنتجة وخاصة الصناعة والزراعة، وسد احتياجات المواطنين من السلع الأساسية.

5- إخضاع البنك المركزي لرقابة الحكومة المباشرة، فالسياسات النقدية يجب أن تتماشى مع المعالجات الاقتصادية للأوضاع الراهنة.

6- وقف استيراد جميع السلع، باستثناء المواد الأساسية لمعيشة المواطن ( المواد الاستهلاكية) ومستلزمات الإنتاج للنهوض بالعملية الإنتاجية.

7- ضبط قنوات الإنفاق العام من قبل الحكومة ( الانفاق الحكومي ) ومراقبة الأداء المالي والنقدي بأقصى صرامة ممكنة تجنباً لاهدار موارد الدولة و اعتماد مبادئ الشفافية والمحاسبة فى السياسات الاقتصادية واستئصال الفساد المالي والاداري وتواجيه الانفاق العام نحو التنمية والخدمات.

8- إعطاء أولوية قصوى للتنمية من خلال تكثيف الاستثمار فى البنيات التحتية والاهتمام بتقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية.

9- تحقيق الاستقرار السياسي وذلك بتحقيق السلام وتهئية مناخ الاستثمار الأجنبي ومنح الثقة للمستثمرين الأجانب.

10- إلغاء سياسة التعويم والرجوع إلى سعر الصرف الثابتة المرن ، بحيث يعيد القوة الشرائية للعملة المحلية.

11- تأهيل النظام المصرفي لمواكبة النظم المصرفية العالمية وتبني سياسات اقتصادية واضحة.

ويبدو جلياً أن المعاناة الاقتصادية لدولة جنوب السودان ستتفاقم في ظل غياب السلام الذي ينقذ ما بقي من الدولة ومؤسساتها، وتسمح بعودة النشاط الاقتصادي إلى حالته الطبيعية.. ولذلك يمكن القول ان هنالك ضرورة ملحة لاتخاذ هذه الإجراءات لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار والسقوط في الهاوية.

جون ديفيد لام أتونق

باحث واكاديمي بمركز دايفرسيتي للدراسات الاستراتيجية – جوبا

j.nyatong @gmail.com

فيديو المقال الأوضاع الاقتصادية في جنوب السودان في ظل الصراع السياسي (الواقع، التداعيات ، والحلول )

 

عن جون ديفيد لام أتونق

wavatar

جون ديفيد لام أتونق

‎باحث واكاديمي بمركز دايفرسيتي للدراسات الاستراتيجية – جوبا
جنوب السودان