<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / أخلاق / الدين بين الشكل والجوهر

الدين بين الشكل والجوهر

الشكل هو الهيئة

الشكل هو الهيئة او الاطار الذى يتجسد فيه الشئ وجوهره هو وظيفة هذا الشئ فمثلا لو اخذنا العين البشرية كمثال يمكن القول انها واسعة او ضيقة او مستديرة ذات لون اخضر او ازرق او عسلى او اسود وكل هذا يندرج تحت الشكل و لكن الجوهر الوظيفة التى تقوم بها العين و هو النظر او الرؤية فان فقدت الرؤية فتصبح مجرد شكل بلا جوهر او مضمون. و تنقسم الاشياء الى اشياء لها شكل بلا مضمون مثل اللوحات الفنية و الجواهر وغيرها من الاشياء التى وظيفتها هى الابهار النظرى و اشياء ذات جوهر ولا شكل لها مثل الموسيقى أما اغلب الاشياء فلها شكل و جوهر.

الشكل و الجوهر, أيهما أهم؟

الشكل و الجوهر مرتبطان ارتباط و ثيق فى اغلب الاحيان و لكن ايهما أهم؟ برغم ان الاجابة قد تبدو بديهية و لكن لنسأل سؤال بسيط … اذا ذهبت لشراء قلم من احد المحال وقال لك صاحب المحل ان لديه اقلام ذات شكل مبهر و لكنها لا تكتب فماذا عساك ان تفعل؟ و استعير ابيات الشاعر امل دنقل عندما قال

(…أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما ..هل ترى..؟ هي أشياء لا تشترى..)

وهكذا فان الشكل لا يقارن بالمضمون فالشكل يتعدد ولكن يبقى المضمون ثابت لا يتغير وان لم يقم الشيء بوظيفته فلا قيمة له.

جميل ان يكون للشئ شكل جميل و مضمون جميل و لكن اذا خير المرء بين الشكل و المضمون فلا مقارنة بينهم بل ربما لا تهتم بعض الناس مطلقا بالشكل ولكن لا يختلف احد على اهمية الجوهر او المضمون.

و اذا اسقطنا ما سبق على الدين واخذنا الصلاة على سبيل المثال عندما يقف المرء ليكبر و يقرأ الفاتحة و جزء من القرآن الكريم ثم يركع و يسجد ثم يعتدل وهذا هو شكل الصلاة و هيئتها كما نعرفعها جميعا و لكن ما هو جوهرها اى و ظيفتها و الاجابة تأتى فى قوله تعالى:

(وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر).

من الآية الكريمة نتبين ان جوهر الصلاة ووظيفتها ومضمونها هو النهى عن الفحشاء و المنكر.

أيهما أهم شكل الصلاة أم جوهرها؟

يتبقى ان نعرف ايهما أهم شكل الصلاة ام جوهرها؟ اى هيئة الصلاة من تكبير الى قيام وسجود ام ان ينتهى المصلى عن الفحشاء و المنكر وفى حديث الرسول صلى الله عليه و سلم الاجابة عندما قال (من لن تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) صدق رسول الله. اذاً ينفذ الاسلام من الغلاف الى لب الشئ و يقصر بطلان العبادة على جوهرها و الغرض من ادائها متخطيا الشكل و الاطار.

و لا يقتصر النظر الى الجوهر دون التركيز على الشكل فى الصلاة بل يقول الرسول الكريم بشكل شمولي:

(ان الله لا ينظر الى اجسادكم ولا الى صوركم ولكن ينظر الى قلوبكم و اشار الى صدره).

وهذه اشارة واضحة الى ان الله لا يهتم باشكال البشر على اختلاف اشكالهم و لكن الله ينظر و يرى جوهرهم و اعمالهم ومكنون صدورهم و هناك الكثير من الايات و الاحاديث التى تؤكد على اهمية الجوهر و المضمون دون الوقوف طويلا امام الشكل فكل العبادات و الطاعات ان لم تؤد الغرض منها فلا قيمة لها ولا فائدة و لا طائل من ورائها.

الجوهر هو الأهم

نخلص مما سبق الى ان الجوهر هو الاهم و الشكل ما هو الا مجرد صورة قد تختلف و تتلون و لكن يبقى الجوهر ثابت لا يتغير و لكن بعض الناس تهتم بالشكل على حساب الجوهر فمن هؤلاء الناس الذين يولون الشكل اهمية على حساب الجوهر؟ أول هذه الفئة هى الاطفال فغالبا ما تهتم الاطفال بالشكل دون النظر الى الجوهر لعدم درايتهم بالفرق بينهم الشكل و المضمون و ثانى هذه الفئات التى تهتم بالشكل دون المضمون هم اناس من عديمي الخبرة بما يتعاملون معه من اشياء فاذا اخذت شخص ليس له أى خبرات بالسيارات لشترى سيارة فأول ما يلفت نظره هو شكل السيارة دون النظر الى جوهرها و لا يقتصر الاهتمام بالشكل على بعض الافراد بل يتخطى ذلك الى مجتمعات كاملة يغلب عليها الاهتمام بالشكل دون المضمون و يتعدى الاهتمام احيانا الى الشغف و الولع بالشكل على حساب الجوهر و يتجلى ذلك فى المغالاة فى مظاهر الدين من اداء فريضة مثل الحج كل عام و الهرولة الى المساجد كل صلاة وهذا جميل و لكن ماذا عن الجوهر الذى يتمثل فى السلوك الحسن والخلق الطيب و الصدق و الخوف من الله!؟

بل و أكثر من ذلك تجد مجتمعات تبجل رجال لمجرد انهم ذوى لحى طويلة دون النظر او التفكير فى مكنونهم بل و تناديهم بألقاب مثل الشيخ او مولانا او غيرذلك من القاب تضفى عليهم احتراما لمجرد لحية كما تحكم هذه المجتمعات على اشخاص آخرين بأحكام قاسية فمثلا فتاة سافرة قد توصف بأوصاف تتخطى الشكل الى الجوهر و ربما يصل الامر الى الطعن فى شرفها لمجرد غياب شكل من أشكال الدين.

هذا الاستسهال فى الحكم على الناس سواء بالاحترام او الازدراء من المجتمعات على افراده انما ينم عن بساطة فى الفكر و التفكير تقترن بحالة عامة من ضعف الوعى و الجهل بالمقاييس السليمة للحكم على الاشياء بين افراد المجتمع فليس كل متعلم واع و أخيرا فالشكل و الجوهر كلاهما مهم و لكن ترتيب الاهمية بينهما هو الأهم.

فيديو المقال الدين بين الشكل والجوهر

 

عن محمود جبر