الرئيسية / أدب / قصة / مسؤولون وسياسة .. لصوص وطن ( قصة قصيرة )

مسؤولون وسياسة .. لصوص وطن ( قصة قصيرة )

أين أنت أيها الخـا… ؟؟

كنتُ قد صدقته في بداية الأمر، فقد كان قيادياً منافقاً فاسداً، همه جمعُ المال، أجاد الكذب والفهلوة والتدليس، يصرخ على الدوام بشعارات فارغة نحن مع ( … ) كلنا ضد الفساد، يُسَرّ حينما يسمع أصوات الغوغاء الهوجاء تتعالى إليه بالهتاف والتشجيع، توارى خلف أكداس من المايكات والملتقطات، صوّر للجمهور المستغفل أعماقة الثائرة كالبركان، ولما أن نال من الكيكة نصيبة اختفى خلف  ستار الفنادق، لم يُسمَع له بعدئذٍ صوت ، نادوه : أين أنت أيها الخـا… ؟؟

عند توزيع الحقائب الوزارية انشقّ من بين أصحاب الحظوة بهدوء، حلف اليمين وأقسم فوق المصحف، وابتسم، راوده الحلم وتلاحقت أفكار المشاريع حتى امتلأت بها رأسه الفارغة وفاضت، أما جمهوره الحبيب، وأنصاره المخلصون فقد أعرض عنهم، وتركهم يتخبطون في صحوهم ومنامهم.

خضع للغاصب اللعين، وأباح لهم كل شيء، الأرض والبحر والحجر والشجر حتى الأجواء، وبصوت هادئ يخترق سكون الليل حامَتْ طائرةُ الموت، ظنوها أملاً واعداً لإنهاء أفكار سوداء، لكنها رمتهم بموت أسود، حصدت أرواح نساء وأطفال يبتسمون، خطفتهم نيوبها من بين جدران بالية، مزقتهم بين حواري قرية ريفية وادعة، كانوا يحمِلون الأمل بأرواح جديدة، يحلُمُون بإشراقٍ جديد، عندما رأيتُ أشلاءهم تتبعثر بين ذرات الثرى؛ أيقنتُ حينها أن الحُلُمَ غادر غادر ولن يعود.

 أين بابا؟

من ضحايا الساسة والسياسة من سُجنوا ظلماً وعدواناً، قبعوا في ظلمات الزنازِن لا يعلمون لماذا قُيّدت أيديهم كُبَّلت أرجلهم بالأغلال. سأل طفل : ” أين بابا ؟ ” لمْ تُجِبْهُ الأم بغير الدموع، غابة موحشة، غابت عنها الإنسانية، وحشية البشر، لم ترحم الزوجات، الأمهات، الأطفال وحتى العجائز.

من ضحايا السياسة والساسة شاب في مقتبل العمر اغترّ ببريق المجد الكاذب، انضمَّ إلى قوات النخبة كجندي شاب، اقتنص الفرصة، ترك الدراسة وانطلق للتدريب، موئله كان نقطة أمنية على طريق سريع، نَعُم بالغذاء اللذيذ، والمرتّب المغري، أحياناً تنتابه نوبات الندم على تركه مقاعد الدراسة، تساءل في نفسه ” هل سيستمر هذا الحال طويلاً ؟ ” ، “وإذا لم يَدُم الحال فلن يتركونا لغدر الزمن” ، هكذا كانت أمانيه، وهكذا عاش بقية الأمل، ومن بعيد لاح شبح أسود يحمل بين جنبيه قنابل الموت وأحزمة الهلاك، رأيت دخاناً أسودَ، لا أدري ما حدث، غير أنه لن يعود.

ومن سوء الحال كان الاقتصاد يلعنهم والناس تلعنهم ليلاً ونهاراً ، أدخلوا حياتهم في نفق مظلم ولا زالوا في الدياجير هائمين، نشروا الفقر في كل الأنحاء، وجلسوا على كراسي من ذهب، جوّعوا الناس وفتحوا لأنفسهم أرصدة في كل مكان، وحيثما يوجد مصرف، فلماذا لا يلعنهم هذا الشعب ؟؟ سوادهم الأعظم صاروا لا يعون ما يحدث لسرعة ما يحدث، دمرتهم أهواء السياسة، ظهرت مآسي من كل الأنواع والأحجام والأشكال، باتوا يرنون لأرض الصومال، بالأمس هي بلاد الفقر فقد صارت أرض الميعاد .

استنجد الناس برموز بالية رأيتُ أسماءهم قد اغبرّ لونها على الجدران، كما اغبرّت حقيقة الواقع، كُتب على الجدار أنت قائدنا الأوحد ولا قائد سواك، صفق الجميع، زمّروا وزمّروا للقائد المغوار، دار الزمان دورته، تبخرت القيادات كفص ملح، سافر بعضهم والبعض قد خان القضية، رافقوا الدولار والدينار وأمسى الكأس لهم رفيقاً وعنوان.

غَنِموا اغتَنَوا، فرشوا الموائد، أنفقوا أسرفوا لكنّ الفقر في أوطانهم يضرب الأطناب، لم يأبهوا للشعب الذي صفق بل عاشوا حياة اللؤم من زمنٍ، ما عادَ حُلُم التحرير يداعب أجفانهم الساهرة، أشباحهم في الأذهان ماثلة، صورهم في الجدران حاضرة، أسماؤهم في الساحات مغبرّة، وما زالت تعانق كل حائط، شخوصهم غابت، شموسهم غربت كما غابت ضمائرهم، ماتت مشاعرهم، ونفوسهم الظمآى استوحشت رغم الفنادق، رغم ألحان الولاء، تركوا الخنادق وتخندقوا في نُزُل العمالة.

صحوة ضمير

من ضحايا السياسة من غرق في لجّها، لكنه أصابته في الأخير صحوة ضمير، استيقظت روحه الهائمة من بين الركام، تمرد على الببغائية الحزبية فأسموه متمصلحاً، عاش منوماً مغناطيسياً تحركه خيوط خفية ربطها حول ذاته بكل براءة، أغرقوه في حُلُم الخلافة، فعاش مثقل القلب بالأسى لتحقيق حلمه الكبير، أما ( هُم ) فقد داعبت أناملهم بريق الدينار والدرهم، أجسادهم تعلوها إشراقة الحياة بينما تعلوه ملامح الحزن المكلوم، اختلطت السنون وتقاطعت الأفكار تفتّحت أبواب يقظته رويداً رويداً ، ملّ الغبن والخداع، قرّر أن يواصل رحلة الحياة بدونهم.

قالوا له إنها ثورة خطّتها أنامل صغيرة بريئة، فصدقهم، شكّ، وبعض الشكّ إثم، فسألهم: أمتأكّدون مما تزعمون، أجيبوني هل هي ثأرٌ أم ثورة ؟ أجابوه : بل هي ثورة، تساءلَ : هل تصنعُ  ثورة الكهوف من الأقزام آلهة، وهل تنجبُ من القادة أثرياء ؟! هل تعطي الثورة أملاً بميلاد فجر جديد، أم تصنع ليلاً كالح السواد ؟ هل الثورة صَخَب وفوضى وتواكل، أم هي خَلْق لواقع جديد مفعمٍ بالأمل ؟، هل الثورة مغْنَمٌ لمن استباح الهروب وترك الوطن على بوابة الهلاك، أم هي تضحية بالغالي والنفيس؟

ماتت الثورة

ماتت الثورة ورأيت لصوصاً، منهم من استولى على الأراضي لأنه يحب العقار حباً جمّاً، ذاك لصٌّ جمع المساحات بكل طريقة، استملكها بالحق والباطل، ضمها إلى جيبه بالقوة، بالترغيب والترهيب، بالتهديد، بالعنف، وفي طريق مطامعه لم يوقفْه عن هدفه شيء، كان يبدو على الدوام منهمكاً في اجترار ما تبقى مما لم تصل إليه يده الطويلة، ضاق الناس ذرعاً بطغيانه المستطير، صمتهم صار ثقيلاً، لكنّ أعينهم ظهرت عليها شحنات من الغيظ والحنق، تغطرس أكثر ولم يعبأ بنظراتهم، مرت الأعوام تباعاً، فارقته الغطرسة باعتلال صحته، تبخّرت أمواله الكثيرة تحت بند الرعاية الصحية، نبذه المجتمع فارقه أهل المصلحة والفتات، تشتت أبناؤه في منعرجات الغواية والفشل، وذات مساء كئيب أناخ على المدينة، انتقل مع ما تبقى من أسرته إلى مسكن آخر في مكان بعيد. 

شباب اتخذوا السياسة مغنماً، انخرطوا في منظمات حقوقية وإنسانية لا تسمن ولا تغني من جوع فيما يخص وطنهم المكلوم، أما هم فيستلمون الأخضر والأزرق، منهم ( باسل )، في الثامن من مارس جلس يشاهد ثلة من التقارير كانت جلُّها تتحدث عن كفاح المرأة في اليمن في وجه الحرب الظالمة، رأى المرأة تقصُّ شَعرَها المعقود، تَحرِقُ ضفائرها كنداء لاستثارة النخوة القبلية.

أين النخوة

رآها تُضرب من قِبَلِ أشباح خرجت من كهوف مظلمة، لكن النخوة ظلّت غائبة، ضُربَت النساء بالرصاص، قُنصَت، اختُطفَت، سُجِنَت، عُذِّبَت، لم يرَ للنخوة أيضاً من أثر، تساءل : أين النخوة أجيبوني؟ قيل له : إنها تقبع في التلال المحرّرة، وإن شئت أن تسميها تباباً، أراد بقيةً من نخوة لتنقذ المرأة مما تعانيه بحث عن تلكم التلال المحرّرة، بحث ثم بحث ثم بحث، لم يجد التلال ولا التباب، ولا النخوة ولا حتى قليلاً من النخوة.

لنُنهي بزعيم المجرمين واللصوص في السياسة، أتقنتُ له نهاية فاجعة في حُلُم ليته يتحقق عن قريب، دُعيَ بالمخلوع ، وقد خلع نفسه من الرحمة، أحرقَ الوطن ومضى في سبيل الغيّ يعمه، شمّ رائحة الانتقام فانتشى، أعجبتْهُ رائحة الثأر فتراقص، أثقل عليه الرّفاقُ فغدر بهم في غمضة عَين، من جيبه العفن أخرج الكرتَ، وفي آخر اللعبة رماه ثم أحرقه، لا تزال تتقافز بعض الكروت إلى جيبه لكنه يأباها، مزّقها في نشوة تتأرجحُ بين اللذة والألم، جيرانه الذين أنبتوا جلده ولحمه وعظمه، من أعادوا بسمة المكر والخديعة إلى وجهه الكالح؛ رماهم رمية الكلب وعانق دونهم الريح، لاحقوه بطائرة تجري في دمه كالشبح ، أرسلوا له من بين الركام صاروخاً مزّقه إرباً إرباً، صرخ بأعلى صوته أعلن التوبة والخضوع، سمع من يقرّعه

“آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ”،

نهض مفزوعاً يسيل العرق من كل مسامات جلده العفن، تحسس أطرافه في هستيريا، حينها أدرك أنه لم يكن إلا غارقاً في ظُلُمات كوابيسه المُخيفة المُضنِيَة.

فيديو المقال مسؤولون وسياسة .. لصوص وطن

 

أحمد عمر باحمادي

أحمد عمر أحمد باحمادي

كاتب يمني

خرّيج كلية الآداب ـ صحافة وإعلام حضرموت ـ اليمن