الرئيسية / قضايا أسرية / زواج القاصرات اغتصاب لطفولة لم تكتمل بعد

زواج القاصرات اغتصاب لطفولة لم تكتمل بعد

بقلم: محمد حسن كحط

إن كل ظاهرة سلبية تطرأ على المجتمعات البشرية تجد لها مبرر ديني يدعمها ويعزز من ثانيها لتحقيق ميول رجال الدين. ومما تهز من مكانتهم الاجتماعية بين الناس. ولو تصفحنا التاريخ جيداً لوجدنا أن المرأة عانت في ظل الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحة والاسلام).

ثقافة زواج القاصرات

إن الكتب السماوية التي بعثت من اجلها الانبياء تحمل في طياتها رسالات هادفة تدعم وتعزز قواعد المجتمعات للأفضل, لتنتشل المجتمعات من عصر الجاهلية الذي كان يذخر بالانتهاكات الجسيمة بحق الفرد والتي كانت المرأة تحتل فيه النصيب الاكبر من الظلم . لدرجة انها اصبحت وصمة عار ينغي التخلص منها في فجر الاسلام أي عصر الجاهلية المصاحب لبروز الرسالة المحمدية. ولكن يبدوا ان المرأة كتب عليها ان تدفع الثمن من العصر الجاهلي الى يومنا هذا. اليوم نفاجأ بحديث كثر عبر وسائل الاعلام العراقي لإجراء تعديلات على قانون الأحوال الشخصية الرقم 188 لعام 1959 لتبيح للقضاة الشرعيين , شرعية إصدار عقد زواج شرعي بين رجل وبين طفلة بعمر 9 سنوات، بالرغم من أن القانون العراقي المشار إليه والذي ما زال نافذاً قد حدد سن الزواج للفتاة التي ترغب بالزواج من 15 إلى 16 سنة بشرط أذن أبيها أو جدها من طرف الأب، ولا تشترط إجازة الأم والأخ وغيرهما من الأقارب. إن قرار مجلس النواب الذي يراد منه تقليل سن الزواج المتعارف عليه بعمر 18 سنة الى 9 أعوام , لكي يناسب مع نهج محكمة الاحوال الجعفرية ! او بالمعنى الادق لما ينسجم مع المذهبين ( الشيعي والسني).

إن هذه الثقافة التي لم نجد لها صدى في عراق ما قبل 2003, نفاجئ اليوم في ظل حكومة يصنف نظامها السياسي بالديمقراطي الذي يضمن حقوق وحريات الطفل قبل الكبير. ونحن في قرن الواحد والعشرين ,عصر بروز الحريات الى أعلى سقف شهده التاريخ البشري. تثار مسألة زواج القاصرات من قبل رجال الدين وبمباركة مبدئية لمشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية, من قبل البرلمان العراقي أي الكتل الإسلامية. والغريب في الأمر إن البرلمان العراقي طلب المرجعية الدينية في النجف لبيان رأيها في نص التعديل. متناسين إن في الدولة العراقية المدنية هناك مجلس يعنى بدستورية وشرعية القوانين أسمه مجلس القضاء الأعلى! كونه الجهة الوحيدة التي يتسنى لها البت في الموضوعات التي هي مدار اختصاصها. ولكن الحكومة العراقية باتت ترجع في كل شيء مصيري يمس المجتمع الى رجال الدين, الذي هم في الاساس متخصصين فقط بالفقه الاسلامي والاصول وليس من اختصاصهم القانون او دستورية القوانين .ولكن الحكومة تسعى لتعزيز مكانتها من خلال إعلان ولائها الى المؤسسة الدينية ,لضمان بقاءها في السلطة.

هل يمكن للفتاة في سن التاسعة من عمرها أن تصبح زوجة أو ربة بيت؟

السؤال الذي يدور في ذهني هل يمكن للفتاة في سن التاسعة من عمرها ان تصبح زوجة أو ربة بيت؟ فإذا كان رجال الدين هم من يقفون وراء تلك الآفة الاجتماعية التي ستفتك الطفولة, بحجة زواج الرسول عليه السلام من السيدة عائشة رضي الله عنها وهي بسن التاسعة! إن صحت الروياة. ألا إن الامر لا يقبله العقل لا من الناحية الفسيولوجية ولا السيكولوجية . كون الطفلة في تلك المرحلة العمرية لم تكون مؤهلة نفسياً او جسدياً للقيام بعلاقة حميمية او انشاء اسرة .

الامر الذي يثير الاستغراب لماذا المرأة مستهدفة من قبل الاديان السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والاسلام). لماذا ينضر الى المرأة من زاوية إشباع الرغبات الجنسية للرجل والقيام بأعمال البيت فقط. علماً إن وضع المرأة في اوروبا قد تغير كثيراً بعد ضعف الكنيسة وصعود التيارات اللبرالية والعلمانية الى الساحة السياسة. حيث حصلت المرأة في البلدان الغربية على كافة حقوقها منذ عام 1890 أي أكثر من مئة وسبعة وعشرين سنة. ولكن بقيت المرأة مضطهدة ومستلبة الحقوق في المجتمعات العربية او بالأخص ذات الطابع الاسلامي والقبائلي مثل (العراق والسعودية ومصر واليمين) والقائمة طويلة. كونها كائن ضعيف معزول من حقوق الانسان بشكل علني, والادلة كثيرة التي تبين ذلك.

لقد تم تأييد مقترح مشروع تعديل القانون من قبل المرجع الديني آيات الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي من خلال كتلته أي حزب الفضيلة لغرض المصادقة على قانون الزواج القاصرات كونه لا يخالف قواعد الشرع والفقه في الاسلام. السؤال الذي نطرحه لماذا هذا التوقيت بالذات لطرح مثل هكذا قانون ولم يطرح في زمن صياغة الدستور العراقي عام 2005  او في  الفترة الذي تلته ؟ احتمال ليس ببعيد أن نواب حزب الفضيلة كانوا يسعون من خلال هذا القانون لنيل مكاسب سياسية ,أي زيادة في عدد مؤيدهم في الانتخابات التي لم يتبقى لها الكثير من الوقت. على الرغم من تأكيده من قبل معترضي القانون من قبل بعض الكتل المدنية في البرلمان العراقي الذين عارضوا مشروع التعديل بشدة , معتبرين ان من أيده يسعى الى تحقيق مكاسب سياسية. وبالرغم من معارضة بعض النواب على مشروع القانون أعلاه , ألا أن تلك المعارضة لم تكون في ثنايها نية الحفاض على حقوق الطفولة لتلك القاصرات. بل كانت من أجل نيل تأييد التيار المدني الذي عارض مشروع قانون زواج القاصرات بشدة من خلال تنظيم تظاهرت أمام بعض المحاكم في مدينة بغداد والمحافظات من أجل الغاء مشروع التعديل.

الأسباب التي تعزز زواج القاصرات

أن طبيعة الصراع بين التيار المدني والتيار الديني حول زواج القاصرات نابع من اختلاف في وجهات النظر حيث يرى المدافعين عن حقوق الطفولة أن زواج القاصرات هو قتل الى الطفولة قبل ولادتها. فبدلا من ذهاب الطفلة الى المدرسة في ذلك السن المبكر أي عمر تسع أعوام والتمتع بطفولتها البريئة, تجد نفسها ذاهبة الى بيت الزوج ؟ كذلك ان مناصري تلك النظرة يعتبرون تطبيق الشرع على المجتمع واجب من واجبات المؤسسة الدينية , وهي كبح انتشار الفساد بين العباد باعتبار زواج القاصرات نوع من أنواع الحلول.

الأمر الآخر الذي يعزز زواج القاصرات هي الصورة التقليدية للفتاة في المجتمعات العربية. بالإضافة الى تنامي خطورة الافكار النمطية في مجتمعنا القبائلي. من الملاحظ أن تلك الفكرة تلاقى رواجاً بين الأسر ذات التعليم الاكاديمي البسيط والتي يغلب عليها الطابع القبلي, لذلك ساهمت طبقة الفلاحين وذوي الدخول الواطئ بشكل كبير جداً في ترسيخ ثقافة زواج القاصرات في وقتنا الحالي. بحجج واهية ناجمة عن أسباب دينية واقتصادية. ومن هنا يتم إعداد الفتاة منذ نعومة أظفارها في المجتمعات الفقيرة او القبلية للزواج بدلا من حثها على إكمال الدراسة. فتجد الام تعلم بناتها فن الطبخ وتوضيب البيت, متجاهلين أي ميول أو مواهب تتمتع بها الفتيات.  وبالمقارنة مع الشباب الذين تتوفر له كل الإمكانيات وتفتح أمامه كل الأبواب ليكمل دراسته ويمارس حياته بحرية لابأس بها. مما ساعد في خلق صورة نمطية تعزز من دور الرجل, باعتباره الأكثر وعياً ومسؤولية  في العلاقة الزوجية وفي تولي المسؤوليات.

باختصار ان زواج القاصرات بحد ذاته هو جريمة، وفقاً لقانون الأحوال الشخصية القائم اليوم في العراق،  وإن انتشرت هذه الظاهرة بسبب الفقر والجهل وترسيخ سيادة العقلية الذكورية في المجتمع العراقي دون وجود قوة تحد منها. سوف تساهم في خلق مشكلة كبيرة في معدلات الطلاق والتي هي بالأساس تتزايد بشكل ملحوظ نتيجة الظروف التي يمر بها البلد من صعوبات الحياة وارتفاع معدلات البطالة.

بقلم: محمد حسن كحط