<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / إعلام / الإعلام كذبتنا الصادقة

الإعلام كذبتنا الصادقة

بجميع الوسائط اللي بيستخدمها. بجميع أنواعه: إعلام وطني . إعلام معارض . إعلام بديل . إعلام حربي , إعلام اجتماعي …. , يظل الإعلام عمليه مكونة من مرسل و رسالة ثم مستقبل .

مرسل له آراء و قناعات و صور ذهنيه و مصالح مختلفه يسعى بشكل مباشر أو غير مباشر لاطعامها للجمهور وقد يحدث ذلك بشكل لا إرادي من المرسل “مع افتراض حسن النوايا ” فقد ترى عيناه البطش في صورة يد مرفوعه دون استكمال باقي عناصر الصورة فمحصول صوره الذهنية معبأ بصور البطش فيقوم بفلترة رسالته من خلال فلتر البطش ذلك الذي يعكس الحقائق تماما في بعض الأحيان.

المناخ العام الذي يؤثر على المرسل و المستقبل

عامل آخر يؤثر في المرسل و طريقة صياغته للرسالة _مع الاستمرار في افتراض حسن النوايا و سعي المرسل لتطبيق المهنية _ هو المناخ العام الذي يؤثر على المرسل و المستقبل على السواء في طريقة تعاطيهم مع الرسالة.

فالمناخ العام يحدد الانطباع الأولي الذي يقفز إلى الذهن مباشرة في اللحظات الأولى من التعرض للرسالة فإذا نظرنا إلى صورة قوات مكافحة الشغب تحيط بمتظاهرين في دولة مثل كندا قطعا سيقفز إلى الذهن مباشرة الاسلوب الحضاري الذي تستقبل به الحكومة الكندية ذلك النوع من النشاط فجهاز الشرطة يحيط بالمتظاهرين حماية لهم , و إذا رأيت الصورة ذاتها في الإعلام المصري قفز إلى ذهنك تفسيرات القمع و البطش و كبت الحريات.

المصلحة و التوظيف

ثم العامل الثالث الذي يؤثر في أسلوب صياغه المرسل لرسالته هو , المصلحة و التوظيف فهنا لا تعني الصورة للمرسل شيئا ولا يجتهد في تفسيرها قبل تقديمها للجمهور فهو يختار التفسير الذي يخدم قضيته و توجهه حتي وإن ثبت له بالأدلة القاطعه عدم صدق تفسيره للصورة , فالحقيقة ليست الغايه و الهدف بأي حال من الاحوال بل جزء منها يكفي و لا داعي لاستحضار الصورة كاملة و ذكر كافة التفاصيل

دع المساجد للــعباد تسكنها وطف بنا حول خمار ليسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا ولكن قال ويل للمـصلينا

من اقوال العبقري أبو نواس الذي يخطوا خطاه الأغلبية العظمى من طباخي الرسائل الإعلامية اليوم .

الرسالة

العنصر الثاني من عناصر الاعلام و هو الرسالة , المفعول به و الضحية الوحيدة في الجريمة التي نسميها “اعلام” بيشكلها المرسل حسب ما تم ذكره فلا يوجد رساله اعلامية نيأة بلا بهارات أو اطعم مضافة.

فالرسالة يتم كتابتها بلون قلم المرسل الذي يقوم بصياغتها وفق العناصر الثلاث التي تم ذكرها سلفا و أخيرا الطرف الثالث المشترك في الجريمة . المستقبل , و له انواع

النوع المستسلم

تماما صاحب الاتجاه الواحد و الصور الذهنية الراسخة بشدة و التي لا يمكن تغيرها او التعديل فيها كأسمنت جف علي شكل معين لا يتغير الا بالمحو تماما ثم التكوين مرة أخرى “علي نضافة” و هي للاسف عملية مستحيلة التطبيق علي العقل البشري . فيسبح هذا النوع في بحر من الاراء المألوفة غير عابئ بمدى صدق تلك الآراء يكفيه أنها مريحة تتناسب مع فكره المشوه.

صاحب الرأي و الاتجاه

و هناك النوع صاحب الرأي و الاتجاه الذي لا يرغب في معرفة الحقيقة التي قد تجرم حزبه او تدمر شخصية جماهيرية يمشي علي خطاها و هو لا يختلف كثيرا عن النوع السابق فيشتركان في صفة الكسل و التبهيم فيتركان التفسير و التحليل للمرسل الذي يطعمهم الرسالة كما تطعم الطيور صغارها الذين يكتفون بفتح اجوافهم الصغيره و تلقي الام الطعام داخلها , هل يدري هؤلاء الصغار ماذا يأكلون ؟ يثقون في الأم ثقة عمياء فلو وضعت لهم السم لالتقموه منها .

أجدها منطقية تماما فكرة القاء اللوم على المستقبل و تجريمه و تحميله مسؤولية فساد الاعلام .

فالمستقبل علي يقين تام من أن تلك الرساله لا تمثل الحقيقه لكنها رساله مريحة مستصاغة تخدم و تشبع قناعاته و صوره الذهنيه المتوافقه مع المرسل أو المصدر.

إذا أردت تحقيق خرافه الاعلام الموضوعي الذي يكتفي بنقل المعلومة دون بهارات فأنت تحتاج إلى شخص هوائي. سفيه معدوم الاراء و الفكر و الصور الذهنيه. ببساطه نستطيع القول بأن رجال الكهوف هم الاصلح لتقديم اعلام بشكله المثالي المسطر في الكتب الاكاديمية .

الإعلام هو كذبتنا بلا شك

إذا الإعلام هو كذبتنا بلا شك , لكنها صادقه .. لاننا لسنا برجال كهوف ايضا , لدينا قناعات و صور ذهنيه في حاجه للتغذيه و الاشباع لذلك لا نسعى وراء الحقيقة . بل نسعى وراء تلك الحقيقه بعينها . ننتقي المصدر المناسب المألوف الذي يطبخ لنا الحقيقه بالطريقه التي نشتهيها و التي تحقق له المنفعه بالطبع.

لن تهضم قناعات المعارضون حقيقة ما قد تظهر رجل من ابناء جهاز الشرطه بطلا .. مجرد قراءه تلك الكلمات متجاوره يصيبهم بمراره في الحلق . و العكس صحيح . فجميع المعارضون خائنون ممولون مشكوكي الذمه و النوايا في نظر “الوطنيين “.

لذلك يسعى كل لاستقاء الحقيقه من المصدر الذي يقوم باضافه الطعم المفضل له , المعارضون من قنوات المعارضه و الوطنيون من القنوات الوطنية و تبقي الحقيقه في ركن مظلم لا يمسه الا المطهرون، فالحقيقة ليست مهمة كأهمية الهدف منها و طريقة توظيفها.

الإعلام الموضوعي

لا وجود لما يسمى إعلام موضوعي بل قد يتهم ذلك النوع من الاعلام _ إن وجد _ بالتلون و تغيير المواقف فالجمهور يعشق ترسيخ الصور التي يستقبلها و يرفض نقيضها اذا ما طرأ يوما فاذا قام مرسل ما بتقديم رسالة فحواها بطولة رجل شرطه و قد كان لذلك المرسل سابقا رسائل تهاجم العنف الشرطي فسوف يتهم بالجبن او بالنفاق .

مريح هو التنميط و التعميم، يسهل كثيرا صياغة الرسالة الإعلامية بالنسبة للمرسل , و يسهل للمستقبل تفسير تلك الرسالة ايضا .

نتظاهر بأن ما نتغذى عليه من طباخين اخترناهم بعنايه هو الحقيقه و يتظاهرون هم بذلك ايضا لكنهم لا يجتهدون حقا في محاولة اثبات ذلك فنحن نقابلهم في منتصف الطريق .

فتبقى الحقيقة المجردة النيئة لا طعم لها .. و يبقى الطباخون يتظاهرون بأنهم الأقرب للحقيقة و الساعين وراءها و نبقى ناكل ما يقدمون لنا واهمين أنفسنا أننا على الطريق الصحيح فتغيير القناعات أو اقتلاع الصور الذهنيه الراسخه عملية مزعجة مرهقة للغاية يواجهها العديد من العقبات . في طريق المرسل الذي سيضطر إلى تقديم الحقيقة و ان كانت مالحة ملوحة ماء البحر و للمستقبل الذي سوف ينفر من طعم الحقيقة الذي لن يكون لذيذا مشبعا في أغلب الأحيان.

السباحه في اتجاه التيار المريح و الغرق وسط اراء مالوفه اسهل و أكثر أشباعا .

لتكن على يقين تام عزيزي القارئ أنه لم يصلك حقيقة واحد  في حياتك و أن صورك الذهنية الراسخة تخدعك باستمرار كذلك توجهك السياسي و قناعاتك التي تسوقك بشكل لا إرادي لاختيار مصادر معينة تسعى لاستقاء الحقيقة من آفواهها , توقف عن الادعاء و مهاجمة اصحاب الآراء المختلفة فهم انعكاسك في المرآة فقط يحملون اسما مختلفا و صورة ذهنية مختلفة لكنكم تشتركون في طريقة الأكل و الهضم .

فيديو مقال الإعلام كذبتنا الصادقه

محمد فوزي

محمد فوزي