<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / إسلام / مسألةُ الحجاب بين الشّهيد مطهّري و الدّكتور شريعتي

مسألةُ الحجاب بين الشّهيد مطهّري و الدّكتور شريعتي

توطئة:

طلعت شمس الإسلام, لتضيء العالم بنور تعاليمه, جاء ليصدّ النّفس البشريّة عن الانغماس في محول الضّلال و اتّباع الرّغبات و الأهواء, و ليُنهِجَ الإنسانَ سبيل الهداية و الرّشاد, و يرفعه في أعلى درجات علّيّين, كيما يهوى في دركات الجحيم. هذا و قد بدا في تعاليمه السّامية اهتماما بالغا في شؤون المرأة لم يُرَ نظيرُه في كافّة الأديان السّماويّة فضلا عن الحضارات البشريّة, كيف لا؟ و هو دستور السّماء الأمثل!

فقد راعاها و عاملها كريحانة, و ذلك بخلاف بعض الرّجعيّات أو الحضارات الّتي جعلتها عارا[1] أو سلعة[2], أو نادت بمساواتها بالرّجال دون دراية أو لمصالح اقتصاديّة نفعيّة. و لستُ في المقام بصدد الإتيان بالأدلّة على ذلك, فأكتفي بنقل ما ذكرته الكاتبة الإنجليزية الشّهيرة “آني رود” حيث تقول متنفّرة من الحال المزري للمرأة في بلادها: “ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين، حيث الحشمة والعفاف … والطهارة … نعم، إنّه عار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتِها، مثلاً للرذائل، لكثرة مخالطة الرجال”. ثم تقول: “فما لنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية، من ملازمة البيت. وترك أعمال الرجال للرجال، سلامةً لشرفها”[3].

نهى الرّسول الأكرم(صلّى الله عليه و آله) المرأةَ عن مخالطة الرّجال[4] و أمرها بالسّتر و الحجاب, حفاظا على أنوثتها و صيانة لعفّتها و شرفها.

و لأهمّيّة هذه المسألة كتب علماءنا الأعلام في هذا المضمار, و من أهمّ ما صنّفوه: كتاب “مسألة الحجاب” الّذي فاض به قلم أحد أكبر المفكّرين الإسلاميّين المعاصرين الشّهيد مرتضى مطهّري(قدّس سرّه). كما أنّه يوجد بعض المفكّرين في البيئة الإسلاميّة من علماء اجتماع و غيرهم, طرحوا آراءهم في هذه المسألة و من أبرزهم الدّكتور علي شريعتي(رحمه الله). و سوف نحاول في هذا المقال أن نتعرّض لثلاثة أمور باختصار:

الأوّل: نظر الشّهيد مرتضى مطهّري في مسألة الحجاب.

الثّاني: نظر الدّكتور علي شريعتي في مسألة الحجاب.

الثّالث: تحليل و مقارنة.

أوّلًا: نظر الشّهيد مرتضى مطهّري في مسألة الحجاب

كتب الشّهيد مطهّري في هذه المسألة كتابا زهاء المئتي صفحة تحت عنوان “مسألة الحجاب”[5] ذكر فيه: نبذة عن تاريخ الحجاب ردّ فيها على بعض الأجانب الّذين ادّعوا أنّ الحجاب أمر مقتبس من الحضارات أو البيئات غير الإسلاميّة[6], و نقل الأسباب المطروحة لارتداء الحجاب و صنّفها تصنيفا معرفيّا و ناقشها تفصيلا, ثمّ تعرّض لفلسفة التّستّر في الإسلام, و طرح الشّبهات و الإشكالات المتعدّدة حول المسألة ثمّ أجاب عليها بشكل مبدع, كما أنّه تعرّض لأدلّة التّستّر في الإسلام و حدوده. و الحقّ يقال إنّ ما قدّمه نموذج شامل و فريد في مجاله. و سنقصر النّظر في هذا المقال على ما يناسب المقام.

النّقطة الأولى: نظرات في تاريخ الحجاب

اعتبر هذا المفكّر العظيم أنّ الحجاب كان قبل الإسلام, ثمّ طرح عددا من الأسئلة:

هل إنّ حدود الحجاب الإسلاميّ هي الحدود نفسها السّائدة في الحجاب عند الملل الأخرى؟

و هل أنّ العلل الفلسفيّة الّتي يقيم عليها الإسلام لزوم التّحجّب هي نفسها الّتي سببت وجود الحجاب في الأقوام الأخرى؟

طبعا أجاب خلال بحثه بالنّفي على كلٍّ من السّؤالين مع بعض التفصيل.[7]

النّقطة الثّانية: أسباب ارتداء الحجاب

بعد أن علمت أيّها القارئ أنّ الحجاب كان قبل الإسلام فصّل الشّهيد مطهّري في عرض جذور ظاهرة الحجاب بشكل عام, و ليس في البيئة الإسلاميّة على نحو الخصوص, فمنها أسباب فلسفيّة كترويض النّفس و التّرهّب, و منها اقتصاديّة كاستغلال المرأة, و منها أخلاقيّة من قبيل الغيرة, و منها نفسيّة كالشّعور بالدّونية بسبب العادة الشّهريّة, و منها اجتماعيّة كانعدام الأمن, أي من كان عنده امرأة جميلة لم يكن يجد بدّا من أن يسترها عن الأعين الرّقيبة, لأنّ أصحاب تلك العيون إذا اكتشفوا أمرها فلن يبقوها لزوجها. و أشار المؤلّف أنّ الأعراض ليست مصونة حتّى في عصرنا هذا, وقد نقل عن صحيفة اطلاعات خبرا يحتوي على معلومات فظيعة عن عدد ضحايا الاغتصاب و التّحرّش الجنسي في واشنطن و نيويورك بسبب التّفلّت و ما سمّونه بالتّحرّر[8]. و أشار إلى أنّ هذا ليس هو السّبب الحقيقيّ وراء تشريع الإسلام للحجاب. و لا الأسباب الأخرى المتقدّمة, لذلك نجده انتقل في الفصل التّالي إلى بيان فلسفة السّتر في الإسلام.

النّقطة الثّالثة: فلسفة التّستّر في الإسلام

لخّص الشّهيد فلسفة أصل الحجاب في الإسلام بأربعة أمور[9]:

1- الاطمئنان النفسي:

فإنّ حرّيّة المعاشرة بين الجنسين بلا قيد أو شرط, تزيد في الرّغبة الجنسيّة, و تظهرها على صورة تعطّش روحيّ غير قابلة للإشباع, فإنّ الشّهوة غريزة عميقة الأغوار كلّما استجبت لها كلّما ازدادت عتوّا[10]… و على هذا الحال فإن الإسلام قد أولى عناية تامّة لهذه الغريزة لتقويمها. و عزا الشّهيدُ سبب ازدياد الأمراض النّفسيّة في الغرب إلى الحرّيّة الجنسيّة, و المعاشرة بين الجنسين لا بشرط.

2- الحفاظ على التّرابط العائليّ:

إنّ تخصيص الاستمتاع الجنسي بالمحيط العائليّ يزيد من استحكام الرّوابط الزّوجيّة و يضفي الرّاحة النّفسية على الطّرفين بحسب علم الاجتماع, بخلاف ذلك في حالة التّحلل الجنسيّ, كما أنّ حرّيّة الرّوابط الجنسيّة تحمل الشّباب على تأخير تكوين عائلة إلى أبعد حدّ.

3- المجتمع المتين:

إن إخراج التّمتّع الجنسيّ من المحيط الزّوجيّ إلى المحيط الاجتماعيّ يضعّف من قوّة العمل و النّشاط في المجتمع, و قد قدّم الشّهيد في السّياق أمثلة واقعيّة متعدّدة, تراجع في محلّها منعا للإطالة. و قد أرجع ظاهرة اللاتحجّب إلى المجتمعات الرّأسماليّة الفاسدة الغربيّة الّتي تصبو إلى إفساد أخلاق الشّباب, و إضعاف إرادتهم, و جعل النّشاط الاجتماعيّ في سبات من الخمول, و نقل في السّياق تقريرًا يظهر فيه كمّيّة الواردات من مواد التّجميل.

4- رفع مقام المرأة و الحيلولة بينها و بين التّبذّل و الابتذال:

فإنّ الخير للمرأة أن تشتهر بالعفاف, و أنّها ليست من المبتذلات اللواتي يضعن أنفسهنّ تحت تصرّف الرّجال, و بهذا تُقصي عن نفسها مضايقات أخفّاء العقول من النّاس. كما أنّ الاحتفاظ بحاجز بينها و بين الرّجل كان على الدّوام من الوسائل الغامضة التي ما فتئت المرأة تستعملها لتوطيد مركزها و مقامها عند الرّجل.

إنّ جذور الإسلام تستقي من أرضية أوسع و أعمق, إنّ الإسلام يريد أن يحصر جميع أنواع التّلذّذ الجنسيّ.. ضمن حدود الحياة الزّوجيّة و قوانين الزّواج, لكي يتّجه المجتمع نحو العمل و بذل الجهد. و هذا يغاير النّظم الغربيّة في العصر الحاضر, إذ إنّها تمزج العمل بالمتع الجنسيّة. إنّ الإسلام يريد أن يفصلَ بين هذين المحطّين فصلا تاما[11].

النّقطة الرّابعة: طرح إشكالات و ردّها

ذكر المؤلّف العديد من الإشكالات و ردّها بشكل دقيق و مبدع, أبرزها:

1- قال البعض إنّ الحجاب ينافي حرّيّة الإنسان, و في مقام الرّدّ على هذا الإشكال قال: هناك اختلاف بين الحبس و بين التّستّر أثناء مواجهة الأجنبيّ, فالحجاب ينافي حرّيّة المرأة إذا كان حبسا, و هو ليس كذلك في الإسلام, و لو سألت أي فقيه أتحرّم على المرأة الخروج من الدّار؟ لأجاب بالنّفي. فالحجاب هو تنظيم للعلاقة بين الرّجل و المرأة, و هو من قبيل بعض القيود المفروضة في الدّول.. أيريدون أن ترتدي المرأة لباسا ينطق دون كلام: اتبعني! تحرش بي! اعترضني! اركع أمامي! أظهر الحبّ والهيام لي! أفتقتضي حقيقة المرأة أن تكون هكذا؟[12]

2- قال البعض: الحجاب يؤدّي إلى خمولٍ في الفعاليّة, و في مقام الرّدّ قال: إنّ حرمان المرأة من السّعي لاستغلال ما وهبها الله من إمكانات عند خالقها ليس ظلما بحق المرأة فحسب, بل هو خيانة للمجتمع أيضا, و إنّ الحجاب في الإسلام لا يوجب وأد فعاليتها, كما عند القدماء, بل إنّ الحياة الاجتماعيّة مقصورة على الجدّ و العمل فقط, لذلك فإنّه لا يجيز للمرأة عند خروجها أن تكون سببا لإثارة الرّجل الجنسيّة, كما أنّه لا يجيز للرّجل النّظر.. أجل هناك نشاط اقتصادي رائج بفضل الغاء الحجاب[13].. إنّ للمرأة أن تستعمل كل ما تشاء من الملابس و الزّينة أمام محارمها, و لكن الّذي يؤسف له هو أنّها تقلّد المرأة الغربيّة لغرض آخر و هدف مختلف[14].. و هل الجلوس أمام المرآة ساعات طوال للتّبرّج لا يؤدّي إلى الخمول في الفعاليّة؟!

النّقطة الخامسة: حدود التّستّر في الإسلام و أدلّته

و عند بيان كيفيّة السّتر استند الشّهيد على الآيات و الرّوايات الّتي بيّنت ذلك تفصيلا, و استنادا إلى الفقه الإسلاميّ قال بأنّه لا تردد في وجوب ستر غير الوجه و الكفّين, فهذا جزء من الضّروريّات و المسلّمات, و لا وجود في هذا الخصوص أيّ اختلاف أو شكّ فيما ورد في القرآن, و لا فيما جاء في الحديث, و لا فيما أفتى به العلماء[15].

ثانيًا: نظر الدّكتور علي شريعتي في مسألة الحجاب

يقف المتتبّع لكتاب “مسؤوليّة المرأة”[16] على بعض النّقاط الأساسيّة الدّائرة مدار مسألة الحجاب, و الّتي دأب المؤلّف على تكرار بعضها:

النّقطة الأولى: أصل الحجاب؛ شكل الحجاب

اعتبر الدّكتور شريعتي أنّ أصل الحجاب حكم فقهيّ يقبله كلّ عاقل و واع, بينما العباءة هي شكل خاص تتغيّر كيفيّته من بلد إلى آخر, و من قوم إلى آخرين, وفقا لاختلاف المناخ و النّظام الاجتماعيّ و الوضع الثّقافيّ[17], فهو يرى أنّ العباءة ترمز إلى زيّ عقائديّ و تمثّل زيّا إسلاميّا لدى الجيل الجديد الّذي أخذ يتّجه نحو الإسلام حديثا. و يصرّح أنّ العباءة شكل من أشكال الحجاب[18].

النّقطة الثّانية: دوافع ارتداء الحجاب

تحت عنوان “نظرتان حول مسألة الحجاب”[19] عالج المسألة من خلال استقراء الدّوافع الكامنة وراء رغبة المرأة في ارتداء الحجاب و جعل الدّوافع هي أساس القضيّة, و حصرها في اثنين:

الأوّل: التّقليد و التّماشي مع المحيط.

الثّاني: التّفكير العقائدي الدّينيّ الخاصّ.

و اعتبر أنّ الحجاب بالدّافع الأوّل يرمز إلى الطّبقة المتخلّفة الّتي تسير اليوم نحو الزّوال, و بعد تطوّرها ستتخلّى عن الحجاب, لأنّ هكذا دافع سيجعلها تشعر بالدّونيّة بعد حين, فإنّ الحجاب الموروث ارتبط بصورة من التّعصّب و أخذ طابعا ظرفيّا بنظره.

و يؤكّد مرارًا أنّ الحجاب بالدّافع الثّاني, الّذي يتمسّك به الجيل الواعي, يرمز للإسلام و قيَمه, وإنّ من يرتديه بهذا الدّافع ليُعلن الامتناع عن الانقياد وراء الاستعمار الغربيّ و التّبعيّة للثّقافة الأوروبّيّة, و لعلّه ناظر في هذا, لما ذكره في الكتاب نفسه تحت عنوان “الدّين المناعة الكبرى” حيث اعتبر الدّين و الثّقافة و القدوة أهم عوامل المناعة ضدّ مساعي الاستكبار لإيقاع الشّباب في براثن الاستعمار الثّقافيّ عن طريق تصدير ما سمّوه بالحرّيات و على رأسها الحرّيّات الجنسيّة, و الّتي عادة ما ينجذب إليها الشّباب[20].

النّقطة الثّالثة: مهمّة المثقّف الواعي

يقول: “فأنا طيلة هذه السّنوات الّتي عملت فيها في سلك التّعليم, كتبت و تحدّثت حول مجمل المسائل الدّينيّة و لكن لا توجد في كتاباتي و لا في أشرطتي نصائح مباشرة إلى.. أو إلى ارتداء الحجاب, و ذلك لأنّ هذا الكلام يعني النّفخ في البوق من فوّهته العريضة”[21], فالمطلوب بنظره هو أن تبيان معنى الحجاب و حقيقته للمرأة, و لا داعي بعدئذٍ أن تشرح لها ما ينبغي عمله و ما لا ينبغي إذ ستفهم تلقائيا ما ينبغي عمله, و ستجد نفسها عندئذ أمام خيار, و ليس أمام أمر يفرض عليها فرضا, لأنها عندما تشعر بوجود ما يفرض عليها ستتّخذ موقفا متعنّتاً[22].

قال تحت عنوان “اغتيال المرأة باسم الدّفاع عنها” بأنّه في الوقت الّذي تدعو فيه الفرويديّة الجيل الشّاب, و خاصّة الفتيات إلى التّحرّر و الاعتقاد بأصالة النّزعة الجنسيّة, ثمّة فئة تتناغم معها في مسارها هذا و تهيئ الأجواء لقبول هذه الدّعوة أكثر ممّا يفعله أقرب المقرّبين إليها, و تلك الفئة هي الجماعة الّتي تكافح هذه الفكرة بأساليب جاهلة و ساذجة, كحرمان المرأة من حقوقها الإنسانيّة و الدّينيّة و تكبيلها بالقيود و الأغلال ممّا يدفعها إلى الانطلاق خارج البيت و تلبية دعوة فرويد المشؤومة [23].

يقول في مورد آخر: “لو أنّكم عملتم على تغيير أفكار الفتيات لسارعن إلى اختيار الحجاب من تلقاء أنفسهنّ. لا داعي لأن تختاروه أنتم و تلبسوه, وإنّما الفتاة هي الّتي تختاره. و لو عملتم على إيجاد علاقة عشق بينها و بين هذا العالم لسارعت هي من تلقاء نفسها…”[24].

النّقطة الرّابعة: المرأة ضحيّة الاستعمار الدّاعي للتّحرّر و التّفلّت من كلّ قيد

قال: “إنّ أكبر المنتجات الفكريّة و الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و الأخلاقيّة الّتي أوجدتها هذه القوّة لتكون بديلا عن جميع القيم و المثل و الحرّيّات الأخرى هي النّزعة الجنسيّة الّتي ابتدعها فرويد. و لهذا السّبب كانت السّمة العامة الّتي طبعت الفن العالمي و خاصّة السّينما في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية تتلخّص في عنصرين هما:

1- العنف.

2- الجنس.

… و معنى هذا أنّ صناعة السّينما لم تأت عفويّا على يد بضعة مخرجين أو كتّاب سيناريو, بل هناك أشخاص من أكفأ علماء الاجتماع و أبرع المختصّين بعلم النّفس يتعاونون مع هذه السّلطة العالميّة لتخدير عقول بني الإنسان, مستفيدين في هذا المحال من أفضل و أرقى الأساليب الفنّيّة الإعلاميّة في العالم, ألا وهي الأفلام لهدم جميع القيم و الأديان ليحلّ محلّها دين واحد فقط صنعوه بأنفسهم, و هو الفرويديّة”[25].

النّقطة الخامسة: تقسيمه الاستقرائي للمجتمع الإيراني إلى ثلاث طبقات

قسّم الدّكتور شريعتي الشّعب الإيرانيّ إلى ثلاث طبقات على شكل مخروط و ذلك بعد سؤال وُجّه إليه[26]:

الطّبقة السّفلى(قاعدة المخروط): و هم أناس بسطاء يحملون فكرًا متخلّفا, و نساءهم يرتدين الحجاب, و لكن حجابهنّ لا يمثّل شيئا, بل يدلّ على تخلّفهم و أنّهم أناس غير متعلّمين, و لا معرفة لهم بالعالم الحديث.

الطّبقة المتوسّطة (وسط المخروط): فئة من المتعلّمين و أكثرهم من أصحاب الدّراسات العليا, و بعضهم تعلّم لنيل الوظيفة, و نساء هذه الشّريحة سافرات.

الطّبقة العُليا (قمّة المخروط): تقع فيه شريحة اجتماعيّة متطوّرة, و النّساء في هذه الشّريحة ينتمين إلى الجيل الجديد, و بلغت هذه الشّريحة مرحلة أعلى من نيل شهادة علميّة, و هي مرحلة الإيمان بخطّ فكريّ, و وصلت إلى مرحلة الآيديولوجية على حدّ تعبيره, و يستطيع أفرادها أن يصنعوا أنفسهم بأنفسهم, و لا يسمحوا للتلفاز أو المجلات بصياغة شخصياتهم. بل يفخرون بأفكارهم و آيديولوجيّتهم.

ثالثا: تحليل و مقارنة

إنّ للمقارنة بين نظرتين مطروحتين تُجاه مسألة ما شرائطَ لابدّ من مراعاتِها, أهمّها اتّفاقهما في المنهج المتّبع في تقييم المسألة, و اتّحاد الجهة المستهدفة بالتّنظير حتّى ضمن المسألة الواحد, فلكلّ مسألة جهات متعدّدة و أساليب و مناهج متنوّعة في مناقشتها.

سنحاول في هذا الفصل أن نقارن بين النّظرتين المتقدّمتين, على الرّغم من وجود اختلاف في المنهج, و اختلاف في الجهات المستهدفة من المسألة, لذا سننطلق من أصل مشترك بينهما و هو أنّ كلاهما يبحثان حول مسألة واحدة و هي “الحجاب و السّتر”.

1- المنهج: يطغى فيما ذكره الشّهيد مطهّري المنهجُ الإسلاميّ في دراسته لـ “مسألة الحجاب”, بينما يطغى منهج علم الاجتماع الحديث في تنظير الدّكتور شريعتي, مع العلم أنّ ظاهرة الحجاب تأخذ طابعًا إسلاميّا في عصرِنا.

2- جهات المسألة: نظّر الدّكتور شريعتي لدوافع الحجاب في المجتمع و جعلها أساس القضيّة, و تعرّض لكيفيّة الدّعوة إليه, كما أكّد على مسألة أنّ الاستعمار هو الدّاعي و المروّج للتّفلّت, و هنا يظهر تماما أنّ معالجته للقضيّة كانت مبنيّة على منهج علم الاجتماع, بينما حاول الشّهيد مطهّري أن يقدّم دراسة تاريخيّة للمسألة في البداية, و هذه تعتبر من نقاط القوّة في بحثه, و قام بدراسة أسباب الحجاب بشموليّة, أسباب فلسفيّة, اقتصاديّة, اجتماعيّة.. و لم يقتصر على البحث الاجتماعيّ, ثمّ تعرّض لفلسفة الحجاب في الإسلام و دوافعه, و ختم بأدلّته و حدوده, و هكذا يظهر للقارئ أنّ جهات المسألة الّتي تناولها الشّهيد مطهّري في بحثه لم يتناولها الدّكتور شريعتي.

3- عندما تحدّث الدّكتور شريعتيّ بنظرته الاجتماعيّة عن الحجاب تناول مسألة الدّوافع كما عرفت, بينما الشّهيد مطهّري تحدّث في السّبب الاجتماعيّ عن “انعدام العدالة الاجتماعيّة و الأمن”.

4- يشترك الشّهيد و الدّكتور في تعرّضهما لجهة مهمّة و هي أنّ الاستكبار هو من يحاول أن يروّج للتّفلّت من الحجاب, و الأنظمة الاقتصاديّة العالميّة هي من أبرز المستفيدين. و الحقّ أنّ الوعي الّذي اتّسما به كان نادرا في عصرهما.

5- ذكر الدّكتور شريعتي أنّ أصل الحجاب واجب فقهيّا, لكنّ شكله قد يتغيّر, إلّا أنّ كلامه بـ “تغيّر شكل الحجاب” غير تامّ و مجمل جدّا حتّى فهمه البعض كما يروق له, و هكذا يبقى السّؤال ما هي حدود تغيّره مع تغيّر الزّمان و المكان؟

أمّا الشّهيد مطهّري فتعرَض لنفس الجهة و لكن بمنهج فقهيّ و أسلوب علميّ دقيق, فقد استند في بيان حكم أصل الحجاب و بيان شكله و حدوده على الآيات القرآنيّة و الرّوايات الشّريفة, حيث قال إنّ الأصل واجب, و حدوده كل البدن باستثناء الوجه و الكفّين. و كذلك مسألة تغيّر لون الحجاب و شكله سعة و ضيقا.. كلّه تابع إلى النّصوص الدّينية الثّابتة, و لا يتغيّر حكمها بتغيّر الزّمان و المكان. نعم, قد يتغيّر شكله – مع الحفاظ على ضوابطه – من ثقافة إلى أخرى, أو من زمن إلى آخر.

5- اتّصفت دراسة الشّهيد مطهّري لمسألة الحجاب بالشّموليّة و الدّقّة, بينما اقتصرت دراسة الدكتور شريعتي على بحث المسألة اجتماعيّا, و قد كان فيها بعض الإشارات المهمّة أيضا, و لعلّ السّبب في ذلك, هو أنّ ما ذكره الدّكتور عن الحجاب كان محاضرة, أو إجابة عن سؤال طرح في حسينيّة الإرشاد, أما بحث الشّهيد مطهّري فقد طبع بهيئة كتاب في حياته.

6- أكّد الدّكتور شريعتي مرارا على أنّ الحجاب يأخذ قيمته من دوافعه, فإن كان ارتداءه ناتجا عن دافع فكريّ و وعي تام فهو رمز للقيم, و إن كان عن تقليد فهو رمز للتخلّف, و قد كان أسلوبه لاذعا في وصفهم بالجهلة و التّخلّف.

7- يشترك الشّهيد مطهّري و الدّكتور شريعتي في أنّ أسلوبهما في طرح المسألة جاذب للقارئ.

8- لقد أجاد الدّكتور شريعتي عندما تحدّث عن دوافع الحجاب, في إشارته إلى المرأة الّتي ترتدي الحجاب عن وعي و آيديولوجيّة, و أشار إلى البعد الفكري و الثّقافي الّذي يرمز إليه الحجاب في مقابل المستعمرين, و أنّه رمز للمانعة و عدم الانجرار وراء الثقافة الغربيّة الغريبة.

9- يشترك المنظّران في مسألة أنّ بحثهما يحاكي الواقع العملي, فإنّ الاشكالات الّتي طرحها الشّهيد مطهّري و ردها ببراعة قد دفعت بالمسألة خطوات إلى الأمام.

10- عندما كان الشّهيد مطهّري يردّ على الاشكالات المطروحة كان يناور فكريّا على جبهتين: الأولى: درء الإشكال عن الحجاب, الثّانية: إيراد الإشكال نفسه على ترك الحجاب, و هو ملحوظ في الإشكالين اللذين أوردناهما أعلاه, فراجع.

11- ذكر الدّكتور شريعتي أنّ الحجاب إمّا يرمز إلى التّخلّف و إمّا يرمز إلى القيم و العقائد و الإسلام[27], و عندما تحدّث عن العباءة الّتي هي

شكل من أشكال الحجاب, قال: “نحن نرى أنّ العباءة ترمز إلى زيّ عقائديّ, و تمثّل زيّا إسلاميّا لدى الجيل الجديد”[28].

خاتمة

في خاتمة هذا المقال المختصر يمكننا القول إنّ ما ذكره كلّ من الشّهيد مطهّري و الدّكتور شريعتي يكمّل بعضه بعضا, و ساهم في سدّ ثلمة معتّد بها حول مسألة الحجاب, و إن كانت دراسة الشّهيد مطهّري أعم و أشمل و أدقّ. لذا نستطيع أن ننصح في خاتمة هذا المقال من أراد أن يطالع نظر الدّكتور شريعتي في مسألة الحجاب عليه أن لا يترك نظر الشّهيد مطهّري, و ذلك كي تكتمل الصّورة و تنضج الفكرة أكثر.

و الحمد لله ربّ العالمين

في عيد مولد الرّسول الأكرم(ص)

17 – ربيع أول – 1439هـ

[1] إشارة إلى جاهليّة ما قبل الإسلام.

[2] إشارة إلى ما أصطلح عليه “الجاهليّة المنمّقة” أي الرّؤى الفكريّة الّتي تعتمد عليها سياسات الاستكبار العالميّ في عصرنا الحالي.
نوصي بمراجعة كتاب: مسألة الحجاب للشهيد مطهري, ص92, حيث نقل الشّهيد قصّة واقعيّة و ظريفة تبيّن حال المرأة الّتي تفلّتت من الحجاب, وغدت مظهرا من مظاهر القوى الاقتصاديّة النّشطة!

[3] الغلاييني, مصطفى, نظرات في السّفور و الحجاب ؛ مجلّة “شجرة الدّرّ”,ج6, السّنة(1), نقلاً عن جريدة “الاسترن ميل”.

[4] المخالطة الّتي لا يراعى فيها الضّوابط الّتي تصون عفّة المرأة و تحفظ جمالها و جلالها.

[5] كتاب “مسألة الحجاب”, ترجمة: جعفر صادق الخليلي, مراجعة وتقويم النّص: مرتضى الأسدي و عبدالكريم الزّهيري, ط2, 2009م, نشر: آينده درخشان, مطبعة: شريعت, قم. و هو في الأصل عبارة عن دروس ألقاها الشّهيد مطهّري في جلسات اللّجنة الإسلاميّة للأطبّاء في طهران, ثمّ طبعت بشكل كتاب و قد نظر فيها المؤلّف و قدّم لها, و خضعت للتّنقيح و التّدقيق مرارا.

[6] مطهّري, مسألة الحجاب, من ص21 و حتى 25.

[7] المصدر نفسه, ص19.

[8] المصدر نفسه, ص42.

[9] المصد نفسه, من 71 حتى 82.

[10] و قد خالف الشّهيد في هذا المورد ما ذكره أمثال راسل.

[11] مطهّري, مسألة الحجاب, ص71.

[12] المصدر نفسه, ص88.

[13] مطهّري, مسألة الحجاب, ص93.

[14] المصدر نفسه, ص94.

[15] المصدر نفسه, ص150.

[16] كتاب مسؤوليّة المرأة, ترجمة: خليل الهنداي, حققه و حرر نشره: محمد حسين بزي, ط2, 2007م, دار الأمير للثّقافة و العلوم, بيروت. و الكتاب في الأصل عبارة عن محاضرات ألقيت في حسينية الإرشاد في طهران, ثمّ طبعت فيما بعد على هيئة كتاب.

[17] شريعتي, مسؤوليّة المرأة, ص50.

[18] المصدر نفسه, ص94.

[19] المصدر نفسه, ص94-95.

[20] شريعتي, مسؤوليّة المرأة, ص39-40.

[21] المصدر نفسه, ص86.

[22] المصدر نفسه, ص87.

[23] المصدر نفسه, ص26-27.

[24] المصدر نفسه, ص100.

[25] شريعتي, مسؤوليّة المرأة, ص23-24.

[26] المصدر نفسه, ص96-97-98.

[27] المصدر نفسه, ص94-95-96-97.

[28] المصدر نفسه, ص94.

فيديو مقال مسألةُ الحجاب بين الشّهيد مطهّري و الدّكتور شريعتي