الرئيسية / أعلام الرجال / عبد الحليم حلمي المصري شاعر الملك فؤاد، لماذا يخفت بريق الشعر؟

عبد الحليم حلمي المصري شاعر الملك فؤاد، لماذا يخفت بريق الشعر؟

عبد الحليم حلمي بن إسماعيل حسني

ترجم له صاحب الأعلام بقوله “عبد الحليم حلمي بن إسماعيل حسني ” 1403ه ــــ1441ه=1887ـم ـــ1922م” :

شاعر، قارب النبوغ وحالت منيته دونه. ولد في قرية “فيشا” من دمنهور ( بمصر) والتحق بالمدرسة العسكرية. ثم توظف بالسودان، واستقال، وكانت له في آخر أيامه حظوة عند الملك “أحمد فؤاد ” حتى دعي شاعره. وتوفي بالقاهرة، له ديوان شعر ــ ط “ثلاثة أجزاء صغيرة و”الرحلة السلطانية ــ ط” جزءان “(1)

إذاً فعبد الحليم حلمي المصري الذي دُعي شاعر الملك فؤاد توفي في ريعان شبابه وهو لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، ولأنه بدأ يكتب في مرحلة مبكرة من عمره ولأن ما كتبه يكشف عن شاعر لديه من الموهبة ومن أدوات الإبداع ما يوحي بقدرته على أن يصبح مؤهلا لينال مكانته بين صفوف كبار الشعراء في ذلك الوقت؛ لذلك توقع له بعض النقاد أن يصبح شاعرًا مجيدًا بعد أن يثقل تجربته الشعرية ويتخفف من عبء الأخطاء التي يقع فيها كثير من الشعراء وهم يخطون خطواتهم الأولى في عالم الشعر، وبالفعل قد كان لشعره صدى في بعض الأوساط في ذلك الوقت، لكنه لم يحظ بالذيوع الذي توقعه له البعض، ولعل أكثر قراء الشعر ومحبيه لم يسمعوا عنه، في الوقت الذي نجد فيه شاعرًا مثل أبي القاسم الشابي1909) ، 1934م) الذي توفي وهو في الخامسة والعشرين قد بلغ شعره الآفاق، وبقي يتردد على الألسنة ودارت حوله دراسات وأبحاث ونشرت كتب ومقالات وما تزال .

فما السر الذي يمنح للكثير من قصائد الشابي هذا التأثير المتوهج ويحرم قصائد المصري من بعض الذيوع ؟

إن القارئ لقصائد عبد الحليم حلمي المصري يدرك أنه كان بالفعل يمتلك من الأدوات الإبداعية ما كان يمكنه من الانطلاق في عالم الشعر، كذلك كان يمتلك من الثقاقة التراثية شعرًا ونثرًا ما كان يقدر من خلالها أن يضيف إلى تجربته الشعرية عمقًا وزخمًا وقوة تأثير، ذلك لو أنه استطاع أن يغني هذه التجربة بأفكار الحاضر وصوره وقضاياه، وتمكن من التحليق بها عبر التعبير عن مشاعر نفسه وأحلامه وآلامه، وعرف كيف يلامس قلوب الشعوب ويعبر عن إرادتها وطموحها تعبيرا شعريًّا غنيًّا بالأساليب والرؤى، وقدر أن يضيف إليها من المعاني ما يتسم بالجدة والتميز والعمق، وسعى معها إلى صناعة طريقته الخاصة التي تجعل منه شاعرًا له أسلوبه وفكره ومنهجه المميز، لكنه بقي في ظل المدرسة الاتباعية سائرًا في أساليبه ومعانيه وأفكاره وصوره وموضوعاته على خطى الشعر العربي القديم خاصة الشعر العباسي في الوقت الذي لم يبلغ فيه شأن القدماء ولم يصل إلى درجة الإتقان التي وصل إليها نوابغ هذا المذهب الذين ملؤوا السمع والبصر في ذلك الوقت.

أما شاعر مثل أبي القاسم الشابي فقد وصل إلى ما وصل إليه لأنه استطاع أن يحلق في عوالم جديدة للشعر، لفتت الانتباه بذاتيتها وصياغاتها العذبة التي تتكئ على الإيحاء والتشخيص والمناجاة والشجن والكلمات الرشيقة والهدوء الإيقاعي فأثارت النفوس التي رأت فيها تعبيرًا عن مشاعرها، وتصويرًا وجدانيًّا معبرًا عن الكون والحياة والنفس، أيضًا قيد عبدالحليم حلمي أكثر شعره ومنعه من أن ينطلق إلى آفاق إنسانية أو دينية أو وطنية تمس قلوب محبي الشعر حيث جعل أكثره ينزوي في نطاق الدائرة الضيقة للمديح والرثاء ونأى به أكثر عن التأثير والذيوع حين سخر جانبًا كبيرًا منه للاستجداء والاستعطاف، وقد يعجب المتلقي ما فيه من متانة أسلوب وسلاسة أو موسيقا أو طرافة وقد يزداد إعجابه إذا عرف عمر صاحبه، لكنه لن يراه معبرًا عنه ولا ماسا لوجدانه أو مصورًا للحياة التي يحياها، وقد لاحظ ذلك حسين وصفي رضا حين قرظ ديوان المصري في جريدة المنار قائلاً :

” ناظمه عبد الحليم حلمي أفندي المصري ، عدد صفحاته 135 بالقطع الصغير وعدد قصائده 28 وبضع قطع ، طبع بمطبعة النظام بمصر ويباع بعشرة قروش صحيحة بالمكتبات الشهيرة .

نظم عبد الحليم حلمي أفندي المصري الشعر بالأمس وهو تلميذ حزوّر فكنا نقرأ له الأبيات فنستحسن شعره ونحمد أسلوبه، متأبين أن نرى منه في المستقبل شاعرًا مجيدًا ، وأصدر اليوم الجزء الأول من ديوانه وهو شارخ طرير، فكان به معدودًا من شعراء العصر المشهورين، ولا أعرف شارخًا قبله في عصرنا بلغ مبلغه من الشعر، ولئن كانت ديباجة شعره اليوم لم يتم صفاؤها وكان سَبْكُه غيرَ مُحكَم الرصانة فإنَّ قلق خاطر الشباب شفيع له بذلك …. ولو أن في المنار متسعًا لنشرت لهذا الشاعر مختارات كثيرة وعسى أن يتجنب المدح ولا سيما مدح الملوك والأمراء، فإن العصور التي ظلم فيها الشعر بالمديح قد طواها الدهر “(2).

بين المدح والرثاء

أكثر شعر الشعر يدور حول هذين الغرضين، ويتسم مدحه بالمبالغة التي تصل أحيانا إلى درجة الغلو كما أنه كثيرًا ما يبدأه بالغزل على عادة الشعراء القدامى، وكثيرًا أيضًا ما يخلطه بالاستمناح ومن ذلك قوله :

يا ابن الذين اذا فاحَ النديُّ شَذًى
أيقنتُ أنهمُ فى صدرِه ذُكِروا

منهم مساميحُ أرعَونى مسارحَهم
وأنهلونى نَميراً ما بهِ كدر

يا صاحبَ النيل أدعو فى الندى لَبِقاً
لم يعرهُ فى الندَى عيٌّ ولا حَصَر

يا نوءُ فى شرقٍ يا ضوءُ فى غسَقٍ
من جودِكَ الغيثُ أَم من نورك القمر؟

إذا دعا المطرَ الصادى أجبتَ كما
تُدعى فهل كان من أسمائِك المطر؟

ولّى الصيامُ وقد حمَّلتهُ مِنَناً
كادت تنوءُ بها أيامهُ الأخر

أيامُ ملكِكَ غراءٌ محجلةٌ
فأين منها حجولُ العيد والغرر؟

أقصرتَ عن سفرٍ فى الصوم خيفةَ أن
تُرى فيفطر من للعيد ينتظر

قد يظن من يقرأ هذه الشعر أنها كتبت في أمير من أمراء الدولة العباسية بذلك يشي أسلوبها وتشي صورها وموسيقاها، وتكشف تلك المبالغات التي أعجبها قوله إن الممدوح لم يسافر في الصوم خيفة من أن يراه الناس فيظنونه العيد ويفطرون .

ويقول في أخرى :

مدبّر المُلكِ مجرى النيل فى بلدٍ
لولاه ما غرسوا فيه ولا بذروا

تلقى العمائرُ بالإِيمانِ إِمرَتَه
لله شكراً كما يلقى الحيَا الزَّهرُ

والمصريون غرسوا وبذروا قبله بآلاف السنين وما يزالون بفضل الله تعالى الذي أجرى لهم النيل، لكن الشاعر تجاوز في كثير من أبياته في المديح حدود المقبول عقلا وعادة وأحيانًا المقبول تدينا .

وإن كان في ثنايا هذه المبالغات نراه في بعض الأوقات يرسل النصيحة أو الحكمة مثل قوله :

يا صاحب الملكِ إنَّ الملكَ موهبةٌ
صيانُها الشكرُ أمَّا حفظُها الذّمم

وإن أولَى امرىءٍ بالعدل من خَضعت
له الرقاب ومن دانت له الأُمم

والناس فى العيش ذكرٌ والحياةُ مُنًى
والذكرُ فى العمر طولٌ والمنى قِسَم

فانهض بمصرَ ولا تعبأ بمنصرفٍ
عن العلا نالَ منه اليأسُ والسأم

والرثاء عند الشاعر لا يختلف كثيرًا عن المديح ، فهو يستخدم الصور التي تعتمد على المبالغة أيضًا في ذكر المحاسن التي كان يتمتع بها الميت في حياته ، خاصة إذا كان الميت هو الحاكم ـــ مثل السلطان حسين كامل بهاء الدين (1853ــ1917م) ، أو أحد أفراد الأسرة الحاكمة ـــ ومن صور المبالغات في بعض قصائده أنه أحيانا كثيرة يذكر الجزع الذي أصاب الكائنات حزنًا على الميت وهذه الكائنات قد تنتمي إلى عالم الجمادات أو النباتات أو الأفلاك أو المعنويات وقد تكثر أحيانا هذه الصورة في النص الواحد لدرجة ملفتة :

قامت بناتُ المجدِ تندبُ عهدَه
فى مأتم الصدقات والإِحسان

وبدت عليه بناتُ نعش نواعيا
وتَسَاقطَ العنقودُ فى الدَّبرَان

وتردَّت الشِّعرَى حداد المشترى
وسهيلُ جلَّله دجى كيوان

وتوارت الزَّهراءُ فى ظُلَم السُّها
حزناً وهمَّ النَّسرُ بالطيران

شَتَّ النُّعاةُ بكلِّ أرضٍ وانثنوا
والخلَقُ فى الطُّرقات كالفيضان

ثم يثني على الميت ويبين ما تحمله من مرض ويذكر فضائله عليه ، ويذكر بعض المواعظ التي يستلهمها من الموت وبعد ذلك يعود فيقول :

والجنَّةُ الفيحاءُ حالَ عبيرُها
وبكت حمائمُها على العِيدان

شقَّ السحابُ جيوبَه جزعاً بها
وأهابَ دمعُ الوردِ بالريحان

ورأى دموعَ النرجس انطلقت دماً
عن صبغة التُّفاحِ والرمَّان

ياويحَ أشجار إذا اسطاعت مشت
جزعاً اليك بغيرِ ما أغصان

وللشاعر قصائد في موضوعات أخرى فهو يتحدث عن المرأة وعن اليتيم ويتحدث عن بعض المدن مثل قنا والإسكندرية وفي ثنايا قصائده نرى الشكوى والعتاب والفخر والحكمة والنصح أحيانا، إلى غير ذلك ، وهو في كل ينهل من القديم في صوره وأساليبه ومعانيه ويكثر من الاستعانة بأشكال البديع خاصة التي تجلب نغمًا موسيقيا مثل الجناس ورد العجز على الصدر ، كذلك يكثر من الطباق والمقابلة والتضمين والتذييل الجاري مجرى المثل ومراعاة النظير الأمر الذي يعكس تأثره الكبير بمدرسة البديع .

فيديو مقال عبد الحليم حلمي المصري شاعر الملك فؤاد، لماذا يخفت بريق الشعر؟