الرئيسية / سياسة وفكر / الديموقراطية المذبوحة #مصر

الديموقراطية المذبوحة #مصر

تلاشي أحلام الشعب المصري

لم يكن يتصور الغالبية العظمى من الشعب المصري الذي ثار وانتفض مرتين في سنوات قليلة، أن تتحول أحلامه في دحر الاستبداد باسم الدولة والاستبداد باسم الدين الى كوابيس جاثمة على صدره لا يستطيع الاستفاقة منها.

ارتداد مخيف الى عهود الاستبداد والديكتاتورية القميئة نعيشه هذه الأيام ونراه واضحا جليا يوميا بسبب تصرفات النظام السلطوي المسعور الذى يرأسه عبد الفتاح السيسي الرئيس المنتهية ولايته ، فلا يمرّ يوما الا ونسمع خبر اعتقال رمز من رموز المعارضة أو ناشطا سياسيا أو حتى مواطنين عاديين وهو أمر يعكس جنون السلطة الحالية نحو كل من يعارض أو ينبس ببنت شفة أو كلمة تنتقد أو تعارض سياسات الرئيس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يتصور أنصاره ومؤيديوه.

عاد النظام العسكري الى عادته القديمة في السيطرة على مقدرات الدولة واستباحة التحكم في مصير الوطن ومستقبله بعد أن كان يفقد السيطرة بفعل الثورة والتحول الديموقراطي الذين كادت معهم أن تخرج مؤسسات الدولة من تحت سيطرته تدريجيا ويفقد كل الامتيازات التي حققها على مدار عقود طويلة، كاد أن يُسأل ويُحاسب ويُراقب وتُتخذ ضده اجراءات من قِبل المؤسسات المنتخبة من قِبل الشعب ، وهو الأمر الذي قام بالتآمر عليه لاحقا بالتظاهر انه راعي الثورة والتحول الديموقراطي وهو في الحقيقة كان يحيك المؤامرة ببطء وفي الخفاء لاستعادة السلطة مرة أخرى وبموافقة الشعب نفسه الذى يطلب الحرية والخلاص.

حجة الديمقراطية للوصول إلى الحكم

تجلت مؤامرة النظام العسكري في استغلال غباء تنظيم جماعة الاخوان في أعقاب وصولهم للسلطة فاستغل شهوتهم الى السلطة والسيطرة على مفاصل الدولة وأخونتها وتجارتهم بالدين ، فقام بتصدير حالة الخوف للشعب من خلال اعلامه المركوب مخابراتيا ، من المستقبل تحت حكم الاخوان وان ما يراه المصريون من حكمهم هو نتيجة الديموقراطية ونتيجة اختيارهم وان هذه هى مساوئها وانها دائما ما تأتي بالأغبياء والمستبدين الى السلطة، وكأنه فخ منصوب ساعده فيه جماعة الاخوان أنفسهم بتأكيد ادعاءات النظام العسكري من خلال ممارساتهم الاستبدادية فعلا باسم الدين واستغلالا للديموقراطية التي أوصلتهم الى كرسي الحكم ، وللأسف ولأن حظ الشعب المصري دائما ما يضعه في موضع الاختيار بين أكل الميتة أو أكل لحم الخنزير، اضطر الشعب الى العودة الى أحضان الاستبداد باسم الدولة مفضلين حالة الحنين الى الماضي الذي ثاروا عليه في 25 يناير فقاموا بتحشيد وتنظيم ثورة لاحقا في 30 يونيو.

عاد النظام العسكري للحنين الى الاستبداد ببطء وتدريجيا مستغلا غباء الاخوان الثاني بعد هدوء الشارع الثائر ضدهم وتفويضه للقوات المسلحة لمواجهة ارهابهم وعنفهم المحتمل ردا على نزع السلطة منهم ، وهى السلطة التي تصوروا انها ملكية أبدية لهم بمجرد وصولهم اليها، فعاد النظام لصناعة فرعون مرة أخرى من خلال السيطرة العقلية التي مورست على الشعب الطامح لمستقبل أفضل وفي ظل أجواء حماسية وثورية وتكثيف اعلامي غير مسبوق بأهمية قيادة وزير الدفاع في حينها لمستقبل الدولة وترويج ان الدولة تحتاج الى رجلا عسكريا لاستعادة الأمن والأمان المفقود ولضبط الأمور المنفلتة والفوضى التى تعم البلاد بفعل فاعل ، ولم يكن يدري المصريون ان الفاعل هو نفسه النظام العسكري بدءا من يوم 28 يناير 2011 وحتى انتخاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية في مايو 2014.

انتخب المصريون وزير الدفاع الذي قابلهم بالكلمات المشبعة بالحنان واللطف والتظاهر بالرفق والجنتلة وبدون ان يقدم لهم برنامج انتخابي يمكن محاسبته عليه لاحقا، وهو سلوك مخالف للأعراف الديموقراطية، فلا يخوض أى مرشح في الأنظمة الديموقراطية الانتخابات بدون برنامج محدد يقدمه الى الجماهير ليقعنهم بانتخابه بناءا عليه.
وماهى الا أربعة أعوام مرت على حكم وزير الدفاع الذي ينتحل صفة رئيس الجمهورية حتى ظهر على حقيقته وانكشف وجهه القبيح وأصبح الذي كان يعامل الشعب مثل أطفاله ويخاطبهم بالكلام الرقيق والمعسول بالأمس الى الذي يعامل زوجته النكدية التي تنغص عليه عيشته بسبب طلباتها الكثيرة لتحقيق حياة كريمة مقنعة، اليوم.

ظهر الجنرال عاريا من كل الأقنعة التي قام بارتدائها طوال أربع سنوات مرت، ظهر وجهه الحقيقي الساعي الى التأبيد في السلطة ورفض وسحق أى منافس له عليه والتنكيل به سياسيا واعلاميا وقانونيا، فقد جن جنون الرجل بعد أن تصور انه قد قام بإقناع الشعب بمشروعات الرصيف والخرسانة التي عن طريقها يتخيل انه يقوم بناء دولة ديموقراطية حديثة كما يقر الدستور، فقد الرجل عقله عندما اكتشف ان المصريون غير مقتنعون بما قدم لهم من مشروعات لن تتحقق عوائدها الا في المستقبل كما تروج وتسوق لها مؤسساته الاعلامية وكتائبه الالكترونية ليل نهار دون جدوى.

فقد الجنرال صوابه وثباته الانفعالي فأطل على المصريون صارخا وفي نفس الوقت مرتعدا معلنا تحديه لأى منافس محتمل له على السلطة بأن عليه الخلاص منه أولا قبل الوصول للسلطة، قام بتهديد الشعب بأكلمه بالقوات المسلحة ولكل من حاول التفكير في المنافسه على السلطة سواء كان من المعارضة المدنية أو حتى شخصيات لها خلفية عسكرية، قام وقامت أجهزته الاعلامية والعسكرية بتصدير حالة من الخوف للسيطرة على الموقف الذي كاد ان يخرج عن سيطرته في حال نجح أى مرشح قوي من منافسته في الانتخابات، فقام باعتقال المنافسين المحتملين والتضييق على آخرين وقام بتشويههم واغتيالهم معنويا واخفاؤهم قسريا عن أسرهم ومحبيهم وقام بتوجيه الاتهامات المضحكة التي لم تنطلي على الشعب الذي يدرك الحقيقة رغم معاناته، ويمضي الجنرال قدما في إجراء انتخابات الجميع يعلم أنها هزلية غير حقيقة تفتقد الى الشرعية ودونما أن يحاسبه أحد.
فعل الجنرال فعلته وقام بذبح الديموقراطية على الملأ ونحر عنقها على مرآى ومسمع من العالم كله معلنا موتها ومعلنا سقوط مصر في قبضة الديكتاتورية سقوطا دراميا اندهش وفُجع له القاصي والداني.

خوف المصريون من القادم المجهول

والآن، حالة من الحيرة ممزوجة بالاحباط واليأس يعيشها المصريون الذين يعتريهم الخوف من مصيرهم المجهول في ظل قيادة هذا الرجل الذي يعبث بمستقبلهم ، طالتهم حالة الخوف من الاعتقال والتخويف ، عادت نغمة المشى جنب الحبط للظهور مرة أخرى ، عاد المصريون يدورون في دوامة للبحث عن لقمة العيش في صراع يومي أدخلهم فيه الجنرال بسياساته عامدا متعمدا حتى لا يجدوا وقتا للحديث في السياسة أو التعليق أو الانتقاد، ولينفرد هو بالحكم دون غيره.

يشعر المصريون وكأنهم مخطوفون في اتوبيس نقل عام يقودهم سائق مجنون، ولم يعد هناك أمل لتخليصهم مما هم فيه الا انتظار ارادة الله رب العباد سبحانه وتعالى، بعد أن تم استنفاذ كل محاولات التغيير السلمي المشروعة ولرفض وعدم تفضيل المصريون لأى سيناريوهات للجوء لمحاولة التغيير بالعنف، في الوقت الذي يرون فيه ان مستقبلهم يضيع أمام أعينهم ولا يستطيعون تحريك ساكنا بسبب قبضة الديكتاتورية الحديدية وهم في تحدي تاريخي غير مسبوق، فلننتظر ونرى فإن الأيام القادمة كاشفة وحُبلى بالكثير.

محسن حامد

من مصر