<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / إسلام / أين الحقّ !؟

أين الحقّ !؟

بقلم: حمد الغيداني

العلم والدين

لقد نشأتُ وترعرعت في بيئة دينية محافظة, ولم تكن تلك البيئة تساعد على طلب العلم بشتى أنواعه وسبله, إنما كانت التعاليم التي نلزم بها تقتصر على الدين والشريعة, وليس الدين بمعناه المطلق وإنما الطريقة التي أقرَّها لنا الآباء والولاة.

فرأيت -كما يرى سائر الناس- أن الله ولدني على الحق, ولكي أنال رضاه وأحظى برحمته يجب أن ألتزم بهذا الحق حتى آخر رمق من حياتي, فالتزمتُ به التزاماً قاطعاً كما لو أنه هو الصواب الذي لا مرية فيه ولا شك, وكان الأمر أشبه ما يكون بالفيلم الذي عُرِضَ عليك ثم طُلِبَ منك بعدها أن تلتزم بكل ما فعلَ البطل كي تفوز بالنهاية التي فاز بها.

وحدث ذلك بالفعل, لقد دافعتُ -في كل الميادين والنوادي- عن معتقادي وأفكاري بكل ما أملك وأحياناً بما لا أملك, وكنت أشعر بالضَعَةِ والمهانة عندما لا أوفَّق في الإجابة عن سؤال فلسفي أو مسألة متشابهة, وآهٍ كم كانت تؤلمني وتقضُّ مضجعي تلك الأسئلة الفلسفية, حتى انتهى بي المطاف إلى إعادة النظر في كل شيء, والبحث من جديد.

طريق طلب المعرفة

أحدهم -وقد كان عالماً فذاً- قال لي ذات يوم عندما رآني أسلك سبيل طلب المعرفة من جديد: إياك يا حمد أن تسلك أرضاً زلاقة, فليست كل الميادين قابلة للنزاع والنزال, قد تقع في أحدها ثم لا تقوم بعد ذلك أبداً. وأردف قائلاً: لا تبحث في الماورائيات, إن البحث فيها شيء من العبث الذي لا طائل منه ولا منفعة, كُن دقيقاً في العلوم التي تطلبها وتنشد الحصول عليها, وإن أردتَ نصيحتي فلا ترهق نفسك في البحث عن صدقية وجود الله أو صحة بعث الأنبياء, لأن كل ذلك -باختصار شديد- لا يحتاج إلا للإيمان المحض والتصديق الخالص, وإن كنتَ لا بُدَّ مفكر فحريٌ بك أن تفكر في تصحيح المفاهيم الخاطئة التي يبثُّها البعض باسم الإسلام.

أخذتُ بنصيحته والتزمتُ بها, ومضى زمن آخر على عهدي الجديد الذي رضيتُ به وارتأيتُ أنّهُ الحقَّ الذي غاب عني ثم وجدته.

وبعد البحث والتدقيق والتمحيص في كل الشُبهات عُدتُ إلى المساجلة والمناقشة ومحاولة إصلاح المفاهيم الخاطئة التي يبثها البعض باسم الإسلام لا سيما المتطرفين والمتنطعين منهم.

ولبثتُ على ذلك أمداً طويلاً حتى انسدلتْ خيوط الشك إلى حياتي قليلاً قليلاً وعادتْ كما لو أنها لم تغب عن حياتي قط, وما هي إلا بضعة شهور حتى اعتزلتُ كل الأفكار وكل النقاشات, وبدأت في التفكير بنفسي أولاً وبما لدي وبما هو متاح للتفكير.

وها أنا الآن أقف في منتصف الطريق, أنظر إلى الناس وهم يتجادلون ويتساجلون بتلك العين التي تنظر بها السماء إلى نباح الكلاب ونهيق الحمير ونقيق الضادع, فهي وإن كانت تطَّلع على كل شيء إلا أنها لا تكترث لشيء ولا تحفل به.

ولا أعني بذلك أنني وصلت إلى مرحلة خضعت بها للتوقف وأذعنت إليه, كلا, إنما هو البحث الصامت عن حقيقية الأشياء, وعن الحقيقة المجرَّدة من كل تخوّف وتوجّس, ولكي تكون صادقاً في بحثك يجب أن لا تشاركه مع الآخرين إلا بعد أن تعتقد أنك أنهيته وحذقته وآمنت به حقّ الإيمان.

كل ما أرجوه هو أن يتسع الوقت لرحلتي, وإن لم يفعل, فلي الله من بائسٍ مسكين.

3 / 9 / 2011 م

بقلم: حمد الغيداني