<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / مشاعر / فقه الصداقة (5) الحب ليس بيد البشر!

فقه الصداقة (5) الحب ليس بيد البشر!

الحب ليس بيد البشر 

 لماذا تحب فلانا ؟؟ ولماذا اخترته صديقا ؟؟  ولماذا لم تحب فلانا الآخر الأكثر منه صلاحا ؟؟ لماذا اخترق حبه قلبك من أول يوم رأيته فيه ؟  ولماذا بادلك نفس الشعور ؟  كلها أسئلة لا محل لها من العقل ، الحب ليس بيدي وليس بيديك وإنما بيد خالق القلوب ، هذه حقيقة واقعية ليس للبشر فيها حيلة فالقلوب كما قال الصادق المصدوق بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، وإن أردت خبرا أكثر وضوحا وأعظم دقة ودلالة فاسمع قوله – صلى الله عليه وسلم : ( الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف ) وإن تعجب فلتعجب لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف اجتمعوا بعد افتراق وكيف ائتلفوا بعد شتات مهاجرين وأوسا وخزرجا عربيا و فارسيا وروميا وحبشيا ، ولكن لا عجب فالله تعالى مالك القلوب ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)

قال سيد قطب رحمه الله : (ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة- أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة-: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» .

إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً. إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق. فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب! وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله وتوقع على أوتارها ألحان الخلوص له والالتقاء عليه فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله، ولا يقدر عليها إلا الله )

مهما حاولت ومهما بذلت من جهد لتؤلف بين قلبين فالأمر لله وحده خلق القلوب والأرواح وجعلها تهفو لمناسبها وانظر لقول ابن عباس : ( إذا قارب الله بين القلوب لم يزحزحها شيء ) …….. 

فلا تلمني لم أحببتُك..

ولا تلمني لم هفا قلبي إليك فلستُ أميرا على قلبي………….

وإن كنتَ تحبني ولم تجدني لك محبا فلا تعنفني فقلبي ليس بيدي………

والشأن كما قال ناصيف اليازجي :

قد كنتُ أرغَبُ أن أرى قلبي كما   *    أهوَى ولكن ليسَ قلبي في يَدي

والقلبُ مثل العِهنِ إنْ جارَيــتَهُ    *      لكن إذا عاصَيتهُ كالجَلمَـــــــــــــد

( العهن : الصوف)     (الجلمد : الصخر)

أنا أسيرُ وراء قلبي فأنا أسيرٌ له ولو أَبقْتُ من رقّه تحطمت مهجتي وتشتت شملي وضاقت بي الدنيا كلها على رحابتها …………….

صور من المحبين

 إن كثيرا من المحبين الصادقين يغمر الحب جوانبهم وتفيض قلوبهم به ، ولكن ألسنتهم تقصر عن التعبير عنه وإن كانت ملامحهم وثنايا وجوههم تشرق بالحب ، فربما يكون المرء محبا ولكنه ليس بليغا فصيحا ،  ألا وإن الشعراء والبلغاء كانوا سباقين للتعبير عن حبهم تجاه أصدقائهم ورفقاء دربهم فوافقت درر ألسنتهم لآلئ قلوبهم وكانوا نبراسا يستضيء به المحبون ومَعينا يستلهم منه الأصدقاء معاني الحب والوفاء…………

مكانك يا أخي في القلب باق      *     وحب لقاك يحدوه اشتياقي

تلاقينا على درب المعالــــي       *     ووحّدنا إخـاء في التلاقـــي

يذكرني غيابك عن عــيوني        *   غياب النور عن قمر المحــاق

ويجري في عروقي منك حب       *    كما الأنهار تجري في السواقي

إن حبك يا أخي يجري مجرى الدم من عروقي ، فهو يلازمني ويتدفق في كل خلية في جسمي ، ولم لا وقد كانت معالي الأمور وسمًا مشتركا في غاياتنا و مقاصدنا حتى صرت لا أستغني عنك وأصير بدونك كالقمر الذي افتقد شمسه فصار بلا نور ولا هاد ٍ ……………

قال الأصمعي : دخلت على الخليل وهو جالس على حصير صغير فقال تعال واجلس فقلت : أضيّق عليك .. فقال مه  فإن الدنيا بأسرها لا تسع متباغضَين وإن شبرا في شبر يسع متحابَين !!…………………

ما ألذها تلك اللقمة الهنية ـ وإن كانت صغيرة  ـ إذا اقتسمتها مع صديقك وحبيب قلبك!!  فهي خير شبع لك وله ؛ فقبل  أن تشبع البطون قد شبعت العيون بالنظر إلى محبيها ، وما أمتع تلك الفسحة البعيدة عن البذخ القليلة المؤنة إذا كانت في رفقة من اصطفيته خدينا وخليلا فهو لك أغلى كنز استفدته من هذه الدنيا ، وكنوزها مجتمعة لا تساوي فضائله ولا توازي شمائله ولا تشبع شوق قلبك له إذا فرقت بينكما الأقدار وحالت بينكما حوائل الليل والنهار …………..

(لي أخت لو استبدلوا بها خيرات الأرض قاطبة لا أبدلها ….لي أخت هي أنسي .. وسعدي   وجنتي في دنياي .. وعدتي لآخرتي
هي لي كالورد .. بل وأجمل كالماء .. بل وأنقى   كالعسل .. بل وأحلى  اللهم أدم وجودها في حياتي ………………….)  من وحي صديقة في حب صديقتها..!!

 

الود يبقى وحب الله يجمعـــــنا    *   على الإخاء وطيب القول قد عبقا
والقلب يخفق إن هبت نسائمكم   *    فصادقُ الود يجلو الهم والأرقـــا

يالها من خفقة يخفقها القلب سعادة بصديقه ويالها من نشوة يحسها المحبون المحبوبون ، سعادة من أروع السعادات في الدنيا ، وفرح تزول معه الهموم والأحزان فالمحب ليس وحده في الدنيا فشريكه فيها شريكه في أحزانه ومآسيه …………..

في لحظة اخترق فيها حبي لصديقي شغاف قلبي

قلتُ من أعماق فؤادي غير مبالغ ولا كاذب :

لقد حال بيني وبين الأمـــل   *    فراق عريم يدك المقـــل

ولست بطالب رد القــضاء     *  فجنة ربي ملقى العمـل

وإن فراقك إن طال يــــوما    *   فإن فراقك لا يحتمـــــل

حييتُ وأنت رفيق الكتــاب   *   بخير رباع حياتـــي الأول

فإن ظمأ صدري من الأرذلين  *   فرؤية وجهك لي كالنـهل

وحاولتَ مدحي بقول هزيل    *  فلا تنس قولك فاق الجبل

وإن مديحك إن طار مـــــني  *   لغشى السماء وخلى الثمل

(المقل: العيون) (رباع: جمع ربيع) (خلى الثمل: ترك البقاء)

إن أخشى ما خشيته وأنا غارق في بحار حبي له فراقه يوما من الأيام ولكن عوضني عن ذلك الخوف تذكري أن الجنة ملتقى المتحابين المؤمنين ولم لا أقول ذلك وهو رفيق دراستي في خير وأروع أيام صباي وهو الذي حين ألتقيه ينسيني مشاغبات الأرذلين الباردين الذين ليس لهم مكانة في قلبي ، لقد بادلني نفس حبي له حتى حاول أن يمتدحني ولكن بلاغته الهزيلة لم تسعفه ولكن كلماته على ركاكتها وبساطتها كانت تساوي الدنيا وما فيها بالنسبة إلي ، فألّفت له تلك القصيدة وهي غيض من فيض مما أكنه له في قلبي فلو خرج من قلبي ما يحويه من الحب لامتلأت السماء من عبير حبي وثنائي عليه ……

حقا والله الذي لا إله غيره إن هذا هو الحب …….

فيديو مقال فقه الصداقة (5) الحب ليس بيد البشر!

شاهد أيضاً

فقه الصداقة (8) الابتسامة الصادقة

 الابتسامة الصادقة  من أواصر المحبة (أخبرني الصديق تشارلز شواب أنه ربح مليون دولار بواسطة ابتسامته …