الرئيسية / فلسفة / جدلية الاتصال والانفصال بين المبدع والمجتمع

جدلية الاتصال والانفصال بين المبدع والمجتمع

مقدمة

الإبداع تجربة إنسانية واعية يعيشها المبدع من خلال علاقته بالمجتمع الذي يحيا بين ظهرانيه، وهو بذلك يؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية ذات صلة بالواقع الإنساني والمجتمعي .. الثقافي والحضاري.. الفكري والأيديولوجي..إلخ، ومن هنا يمكننا أن نتلمس العملية الإبداعية بوصفها علاقة جدلية يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، وذلك لأن لحظة الإبداع هي لحظة اتصال وانفصال مع الواقع، فالمبدع حينما يبدع فإنه ينطلق من خلال الواقع بعد أن يرتسم هذا الواقع في وعيه و روحه وينعكس على مرآة تفكيره ثم يقدمه لنا بصيغة مختلفة عن الطريقة التي نراه فيها، لأنه يعيد إنتاج الواقع من جديد.

أولاً: صفات المبدع 

المبدع.. هو ذلك الإنسان الذي يكتنز في أعماقه طاقةً إنسانية وفكرية متوقدة، تتسم بالألق والتوهج الدائمين، وهو من اتصف تفكيره بالجدة والأصالة، والتطلع إلى الغوص في أعماق الأشياء وخفاياها، راغباً في المجازفة والمحاولة مرة بعد مرة، ممتلكاً المرونة والقدرة على الانفتاح على الآخر والتحاور معه بسهولة ويسر.
كما أن المبدع هو القادر هلى استقراء جزئيات الواقع وفهم العلاقات بين الظواهر والكشف عن خفايا الإنسان والمجتمع، مسلطاً بذلك الضوء على حقيقة كل منهما في محاولة منه لرسم مستقبل أفضل للإنسانية لأنه يمتلك حساسية عالية لمشكلات الواقع من حوله ولأنه دائم الاحتجاج على ما في الواقع من نقص وعيوب.
ويمكننا أن نجمل بعض الصفات التي يتسم بها المبدعون، والتي هي في الغالب تنطبق على الكثير من المبدعين ونذكر منها الآتي:
1. المبدع يمتلك أهداف محددة وواضحة ويضع الخطط المناسبة لها، وييسعى للوصول إليها بكل همة وإصرار.
2. يتمتع المبدع بإرادة قوية وعزيمة صلبة، ولايخشى من الفشل، بل يحاول مرة بعد مرة حتى يحقق الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها.
3. تتسم أعماله بالتجديد والابتكار وعدم التكرار، حيث أنه لا يحب الروتين والأفكار الجاهزة.
4. المبدع لا يكتفي بطريقة لحل المشكلة التي تواجه، وإنما يبحث عن الأساليب البديلة التي تقدم له نماذج مختلفة من الحلول.
5. يتميز المبدع بالإيجابية والتفاؤل والمبادرة، ويحارب السلبية والتشاؤم والاتكالية.

ثانياً: معنى الإبداع:

أ: الإبداع لغةً:

ورد في معجم لسان العرب لابن منظور حول معنى الإبداع بأنه <>1
كما عرف الرازي الإبداع في معجمه مختار الصحاح بقوله: <>2
وأورد بطرس البستاني في معجمه محيط المحيط<>3
ومن خلال هذه التعاريف يتضح لنا أن الإبداع هو القدرة على إيجاد الحلول الجديدة، للمشكلات المطروحة على أرض الواقع أو هو اختراع أشياء جديدة لم تكن موجودة من قبل، أو اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء، وباختصار هو اختراع أساليب جديدة سواء أكان ذلك في مجال العلم أو الفلسفة أو الفن أو الأدب أو أي مجال من المجالات الأخرى.

ب: الإبداع اصطلاحاً:

يعرف الإبداع اصطلاحاً بأنه <>4
إن الإبداع بأبسط وأيسر صوره، هو تلك العملية التي تؤدي إلى ابتكار أفكار جديدة، تكون مفيدة ومقبولة اجتماعياً عند التنفيذ.
وهناك تعريف شامل للدكتور علي الحمادي، أورده ضمن كتابه الأول من سلسلة الإبداع كالتالي: <>5
يقول الفيلسوف شوبنهاور في ذلك : <>6 أي أن توحي إلينا الأشياء المألوفة بأفكار جديدة.
والواقع أنه لا يوجد تعريف جامع مانع للإبداع فقد تفاوتت تعريفات الإبداع بين الباحثين واختلفت في ضوء تركيز كل منهم على إحدى جوانب العملية الإبداعية.
ثالثاً: أسباب القطيعة بين المبدع والمجتمع :
ثمة شرخ عميق ودائم، وفجوة سحيقة ومتسعة بين المبدع والمجتمع وقد جرى الحديث قديماً وحديثاً عن محاولات لرأب الصدع وردم الهوة فيما بينهما ولكن الواقع يثبت بأن العلاقة بينهما لم تصل في يوم من الأيام إلى درجة الالتئام والتطابق التام فيما بينهما . والقارئ للتاريخ سيلحظ بأن أعلى درجات النهوض والتحول الحضاري في تاريخ الأمم هي تلك اللحظات التي اقترب فيها المبدع من المجتمع، ولذلك فقد أضحى التقارب بينهما إحدى المؤشرات الهامة على عملية النهوض والارتقاء الحضاري كما أن التباعد بينهما دلالة عميقة وعلامة بارزة من علامات التدهور والنكوص والتراجع الحضاري.
ويجب أن نعترف منذ البداية بأن هذه القطيعة قطعية نسبية كما يجب أن نعترف بأننا لا نستطيع أن نحيط بشكل كامل بكل الأسباب المؤدية لهذه القطيعة ولكننا سنحاول أن نسلط الضوء على بعض الأسباب والتي يمكننا أن نوجزها بالآتي:

1. للمبدع أسلوب مختلف في النظر إلى الأشياء وإلى حركة الواقع وتفسيره، وهو بما يمتلك من قدرات وإمكانيات واسعة واهتمامات ورغبات وميول كثيرة تجعله في معزل عن المجتمع المحيط به وربما نظر إليه مجتمعه على أنه شاذ غريب عن التركيبة الاجتماعية .

2. قد يظهر على المبدع أحياناً علامات الغرور ـ وهذا مما ينفر المجتمع منه ـ وذلك لأن الإنسان، عندما يبدع، يكون موجوداً بالتأكيد في وضع معين ولكن عليه أن يتعالى على هذا الوضع، جزئياً على الأقل، لكي يتمكن من تجاوزه.

3. كما أن المجتمع في كثير من الأحيان يقابل جرأة المبدع بروح جامدة سكونية، وينظر إليها بعين الاستغراب والدهشة والإنكار وهذا مما يولد لدى المبدع حالة من اليأس والقنوط .

4. إن ضعف البنية الثقافية وتدني المستوى التعليمي في مجتمع من المجتمعات إضافة إلى تفشي بعض الظواهر السلبية داخل المجتمع كالاعتماد على الغير والإتكالية والخمول، والركون إلى التعايش مع معطيات الواقع بغثة وسمينه بطريقة نفعية، والسلبية واللامبالاة في التعامل مع القضايا والتحديات التي تواجه المجتمع. كل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من القطيعة واتساع الهوة الثقافية والمعرفية بين المبدع والمجتمع.

5. يستخدم المبدع ـ للتعبير عن أفكاره وأطروحاته وعن مفهومه الشامل للواقع ـ لغةً يفترض بها أن تعبر بشكل واضح وجلي عن ما يريد التعبير عنه. ولكن المبدع في أغلب الأحيان يستخدم ألفاظاً وتراكيب عصية على الفهم من قبل أغلب شرائح المجتمع، كما أنه قد يستخدم مصطلحات ومفاهيم أكاديمية تحتاج إلى تبسيط ليدرك معانيها القارئ العادي. والمبدع قد يفعل ذلك عن غير قصد ظناً منه أن جميع أفراد المجتمع قادرة على فهم خطابه وإدراك مراميه.

6. وكذلك التباين بين معرفة وثقافة المبدع وثقافة المجتمع قد تشكل أحد أسباب القطيعة بينهما، وذلك، لأن طبيعة معرفة معرفة المجتمع تكون في الغالب معرفة مجزأة وبسيطة، بينما تكون طبيعة معرفة المبدع معرفة معقدة ومركبة، لأنها معرفة كلية متكاملة يسعى من خلالها المبدع إلى الربط بين الظواهر المختلفة ليراها في كليتها، لأن المبدع ينطلق من الكلية والشمول والانفتاح الفكري. وهذا من شأنه أن يقضي على حالة التشظي المعرفي التي تتسم بها في كثير من الأحيان ثقافة المجتمع، فالمبدع يسعى دوماً إلى الربط بين الظواهر المختلفة سواء أكانت اجتماعية أم سياسية أم اقتصادية أم طبيعية أم تاريخية……..إلخ. وهذا يقوده إلى التكامل المعرفي بخلاف معرفة المجتمع الجزئية القاصرة في معظم الأحيان.

7. <>7
والواقع أن كل فرد مبدع ينشأ في مجتمع معين ويتشرب عاداته وثقافته الخاصة والتي تتميز عن ثقافات المجتمعات الأخرى، وبالتالي فإن كل مبدع يعمل ضمن إطار وسياق اجتماعي وثقافي مختلف عن الآخر ومن هنا تشكل العادات وأنواع الاستجابات للتغيرات والمواقف المختلفة وأشكال ردود الأفعال لدى المجتمع عائقاً أمام المبدع إذ كثيراً ما تشكل العادات في التفكير عائقاً أمام الإبداع أو نشوء أية أفكار جديدة، حيث أن التعامل مع الأفكار دون تعمق واعتبار الأفكار والأحداث على أنها مسلمات غير خاضعة للبحث والنقاش يشكل حاجزاً كبيراً في وجه الإبداع.
رابعاً العلاقة بين المبدع والمجتمع:
على الرغم من الأهمية الكبيرة لدور المبدعين في صنع التاريخ، وتحقيق الفتوحات العلمية، وإنشاء الحضارات والارتقاء بها، وحل المشكلات التي تواجه الإنسانية، إلا أن المبدع لا يستطيع أن يفعل شيئاً إن لم يكن هناك مجتمع يتجاوب معه وما لم يكن هذا المجتمع يرغب في النمو والارتقاء ولديه القابلية للاستجابة لأفكار المبدع وطروحاته.

وجماع القول:

إن هناك علاقة جدلية بين المبدع والمجتمع، لا يمكن تجاهلها إذ أن العلاقة بينهما علاقة تبادلية وتكاملية، حيث يقدم كل منهما الكثير للأخر، كما أنه لا بد من حدوث التناغم والانسجام بينهما حتى تحدث عملية النهوض والتحول الحضاري، ومن ثم الوصول إلى التقدم والارتقاء الحضاريين. فالمجتمع هو الحاضنة التي تحتوي المبدعين، وهو المرتع الخصب الذي يمدهم بمقومات الإبداع وبأوليات المعرفة، وبالمقابل المبدع هو الذي يستطيع أن يستقرئ ماضي أمته، ويدرك ويستوعب حاضرها ويتنبأ بمستقبلها ويشخص علاتها ويقدم بناءً على ذلك كله، الحلول المناسبة للارتقاء بواقعها، ويستطيع أن يقدم الاستجابات المناسبة على التحديات التي تعصف بمجتمعه وذلك كلما واجه مجتمعه تحدياً ما أو أزمة معينة. فالمبدع هو الشرارة التي تنقدح في ضمير المجتمع، و المجتمع هو مستودع الشحن الروحية القابلة للاشتعال متى تناغمت العلاقة بينهما.

الخاتمة:

إذا كان الشرخ بين المبدع والمجتمع أمر واقع فإن عظمة العقل الإنساني في إدارة الحوار البناء والهادف بينهما إلى أقصى مدى ممكن.
أجل … الحوار وتحقيق الانسجام والتعاون والتناغم بين قطبي النهوض الحضاري (المبدع والمجتمع) هو الطريق الوحيد لأن كل منهما يكمل الآخر ويطوره.
أخيراً.. لا بد لنا من القول: إنه من الضرورة بمكان على كل مجتمع يريد الاستمرار بوجوده الوجود الإنساني اللائق به، من أن ينشر ثقافة الإبداع ويدرك قيمتها، وأن يسعى لخلق المبدعين من داخله وأن يشجع الفكر المبدع ذلك الفكر الذي لا يتوقف عند حد معين أو يحصر نفسه في قوالب جامدة أو ساكنه بل الفكر الذي ينظر إلى الواقع نظرة موضوعية، ويستفيد من كل الإمكانات المتوفر في واقعه ويسعى للنهوض به وتطويره .

أهم المصادر والمراجع:

1ـ ابن منظور، جمال الدين محمد، لسان العرب، ج8، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1955 م، ص6.
2ـ أبو بكر الرازي، مختار الصحاح، دار القلم،بيروت، طبعة حديثة منقحة، بلا تاريخ، ص43.
3ـ بطرس البستاني، محيط المحيط، مكتبة لبنان، بيروت، 1977 م، ص 31 .
4ـ سليم بطرس جلدة و زيد منير عبودي، إدارة الإبداع والابتكار، دار كنوز للمعرفة والنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2006م، ص 21 .
5. إعداد خبراء المجموعة العربية للتدريب والنشر، إشراف علمي: علي محمود عبدالفتاح رضوان، القائد المتميز بين الموهبة والإبداع، ط1، دار الكتب المصرية، القاهرة، 2013م، ص45.
6. أحمد عزت راجح، علم النفس العام ، منشورات جامعة دمشق، ط 5 ، 1992م، ص 96 .
7. سليم بطرس جلدة و زيد منير عبودي، إدارة الإبداع والابتكار، المرجع السابق، ص83.

د. زياد عبد الكريم النجم

زياد عبد الكريم النجم