<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / أدب / قصة / سوف أحلم من جديد

سوف أحلم من جديد

بداية حكاية ” الطفل المدلل”

لم تعد تلك الدقات و لا الآمال لكن لابد أن أعيش الحلم من جديد…
ضوء نافذة حجرة صغيرة في منزلنا القديم في حي من أحياء المدينة كان أول ما رأت عيناي… لمحت النور و كان أول عهدي به اذ شق لي الطريق.

حظيت بحنان والدي ،من الوهلة الاولى و كنت الولد الوحيد و الطفل الاصغر بعد أختي التي تكبرني بسنتين…
بدأت حكايتي و انا الطفل المدلل أستيقظ صباحا فأجد اختي و قد عادت من مدرستها فلا أجمل من اللعب و المرح معها خلال تلك السنين و كنت امضي نهار ايامي مرحا و لياليها اعد انفاسي بعد أن استوطن الربو رئتاي.. وكانت امي تلقنني المعوذتين الى ان يبرز الفجر و تسرع بي الى اقرب طبيب.. كان أول النقص في جسدي العليل وانا الذي ولدت ذو السبعة اشهر هزيل الجسم يختلف رأي الأطباء في أيموت الطفل ام يعيش لفترات…

لم يرد الله لي الا ان انمو بين احضان اسرتي الصغيرة و ادخل المدرسة و تغرس امي فينا حب الدراسة و تمنحنا كل الطموح وكان ذكاء البديهة زادنا رغم ان اختي كانت تفوقني ذكاء و كانت رفيقي حتى وهي تقودني للدكان نشتري بعض ما نقص من مستلزمات تحميني و تشد على يدي.

مضت الايام و نحن لا نعرف من عائلتنا غير بيت خالنا في نفس الحي و بيت عمي الذي نزوره أحيانا. كانت تعتليني طيبة هي صنف من السذاجة عندما الاعب اطفال الجيران او الاقارب… قد فسرت هذا لقلة الاحتكاك اذ قد عزلنا نوعا ما عن جل الاطفال خوفا علينا…

والدي رجل منذ اذكره صغيرا رجلا حنونا عليه مهابة جد.. ذو لباس منتظم و شارب اسود و نظارتين تكسوان عيناه الجادتان.. لم يبخل يوما ان يوفر لنا ما استطاع من وسيلة و جهد يكد و يشقى… لكنه يقتصد و يتدبر…ابي يتيم الام صغيرا و طفل لعائلة كثيرة العدد اشبع اهمالا و عانى ويلات المرض و ذاق غربة الوطن المستعمر و غربة البلد المستعمر… عاش نقيا ولم يمنحنا سوى حنان لم يذقه… ورغم انه فقده لكنه أعطاه فكسر القاعدة… لا يختصر ابي في كلمات….كان وسطي العيش سليم الفؤاد و لا تسعني مجلدات لسرد ما كان عليه ولو كانت فيه عيوب ففي كل نقص كمال خفي.

أمي… هي منبع الحلم

اما امي… فهي منبع الحلم و سر ذاك الطموح ترى فيك ما لا تراه انت تدفعك بكلماتها و حنانها.. تجيد الطبخ و تغذيك من يدها و قلبها… واسعة القلب كريمة.. تحب الناس و تكرم الضيف.. و ان كانت لها عيوب فمن يخلوا من ذاك… اما تفوقنا عبر كل تلك السنين فقد كانت هي الرقيب… امي مبعث كل نجاح في داخلي…

اختي التي اقتبس من الحفظ اسمها…هي دوما قرة العين و لا تخونني الدنيا الا لترسمها اما ثانية.. اختي لا تجامل لكنها لا تخدع.. لا تكابر لكنها لا تحقد.. قوية حتى لا ترى فيها وهنا و ضعيفة حتى لا تجد لها مددا… بين هذا و ذاك ليل و نهار كشروق الشمس و مغبيها…اذ وصى الله بها فهي الرحم و هي الوصل ودا لا فضلا.

سلمت ايامي فكانت مرحا ولا أجمل من تلك الايام حين انتقالنا من ضيق الطرقات الى سعة الريف و من تلوث الهواء و كدره الى صفائه و غناه…عرفنا بعد رحيلنا لقريتنا الصغيرة التي يمتد لها اصلنا.. عرفنا قلة الحال و تدني المعيشة اذ غادر والدي مصنعه الذي افنى زهاء العشرين عاما يساهم في انتاجه و لم يجد حلا سوى ان يتبنى مهنة ابيه حرثا و زرعا… كانت اشد المهن عليه اذ تفني الصحة و لا تعوله و ايانا كما كنا… لكن رغم النقص و الفقر و الحاجة.. لم تكن الحياة مسودة و لا مظلمة… لان امي و ابي كلاهما كانا يصلان بنا و يفهماننا انهما السند و انهما الدعم و الحماية… وكانا اكثر من كل وصف…

عندما اخلو لنفسي و اقلب صفحات الماضي أجد انني و اختي كنا مشروعا والدانا… افنيا كل حياتهما لنحيا مثقفين نحمل الشهادات و نتفوق على انفسنا… لازلت اذكر دعواتي والدي و تشجيعات والدتي… طاقة وبركة… و اي نعمة بعد الاسلام خير منهما نعمة و فضل من الله..

دور الدراسة في حياتي…

للدراسة قصة عشق و مثابرة.. كانت بعض احلامي التي سطرت بالحبر على ورق المذاكرة. صغيرا مستكشفا ثم شابا منبهرا.. كانت ابيات المتنبي تجذبني، نثر العقاد يستفزني و معادلات الرياضيات تنعش عقلي الصغير آنذاك.. كنت ارى نفسي استاذا و احلم ان اكون طبيبا.. حالي يميل لتعليم الغير و رغبتي معالجتهم.. فتركت قدر الله ينفذ فيما اختير لي هبة منه…

كان تعليمي الابتدائي عاديا مقسما بين المدينة و الريف قبل و بعد رحيلنا و ان كنت متفوقا فقد اشتد في المرحلة التالية حين ارتدت المتوسطة في اقرب مدينة لقريتنا حينها اكلت الكتب و المناهج و حفظت شعرا و نثرا.. فهمت هندسة الرياضيات و التكنلوجيا و علم الاحياء.. كنت باختصار دوما مع الاوائل في مؤسستي.. اشتد فخر والديَ و بدأت اميل للتدين حينها.. ارتاد مسجد قريتنا نغلف المصاحف انا و رفاقي، نحفظ ما تيسر من القرآن و نتلوه فزاد اعجابي بإعجاز القرآن و سمو لغته.. لغة الضاد.. نعم هي تلك الايام.. تستوقفني فيها روح نقية مليئة بالآمال.. كنت حينها أرى المستقبل واضحا..

ما المصيبة في ايامي… نعم هي تلك الايام الذي غادرت روح والدي جسد حياتنا و فارق انسنا… ذاك الاب العظيم.. لم ولن يغادر قلبي الحزين ذاك الفقد و تلك اللوعة. رحمه الله لم اقدر ان احث التراب على وجهه لحظة دفنه كيف و هو الذي صاحبته عهدا و كان لين الطبع سليم الفؤاد.. عظيم في ذاته.. عظيم لدى من يحب لا اعرف له صاحبا و لا عدوا.. منتظما في حبه و حنونا في عطفه..

لم تزدني الايام الا حقيقة واحدة ان لا سعادة دون بركة و لا نجاح دون توفيق و لا خير دون عناء. علمتني ايامي أن قمة القسوة تورث الجفاء.. و أن كثرة الطيبة صنف من الغباء.. اذ لا يرحمك الناس يتطلعون علهم يعرفون عن قابل ايامك ما لم تنشده انت و يخترقون ايامك تطفلا تحس فيهم استعباد الأنا لأرواحهم ويقتلك اعوجاج طبعهم. لم تضق الأرض بي مثلما ضاقت وقد غاب عني وضوح المستقبل و تبخرت بعض أحلامي وسط مشاغل الحياة و ترهاتها. حياتي ما مضى منها ارشيف احلام و أحداث، وما بقي ارجوا فيه ان يتوفاني مولاي و هو راض عني و للحكاية بقية في أعماقي.

رضوان حمزة تلمساني

أبحاث رضوان حمزة تلمساني في المعهد الوطني للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات: https://www.researchgate.net/profile/Redouane_Tlemsani