<جوجل اناليتكس>
الفقر والسفة في حياة المصريين (إعادة قراءة لمقال قديم)
الرئيسية / سياسة وفكر / الفقر والسفة في حياة المصريين (إعادة قراءة لمقال قديم)

الفقر والسفة في حياة المصريين (إعادة قراءة لمقال قديم)

 (في المدينة وفي الريف على السواء – كان الإسراف عاما برغم أنه لم يعد أحد غنيا هذه الأيام. كان الجميع متعطشين إلى أقصي قدر من اللذة، فلا أحد يدري ما سيأتي به الغد.)

إميل لودفيج (كليوباترا)

مقال الإمام محمد عبده

في نهاية عام 1880 وبداية عام 1881 نشر الأمام محمد عبدة مقال في ثلاثة أجزاء بعنوان “حب الفقر أو سفة الفلاح” تناول فيه عوامل الغفلة والسفة المٌفضية بالفلاح، وهو إذ ذاك كل الشعب المصري إلا قليلا، إلى الفقر أو المانعة له من الغني. فيتحدث الأمام عن آفتين اجتماعيتين خطيرتين، ضمن الأمراض الاجتماعية في ذلك الوقت والتي مازالت موجودة في مجتمع اليوم، حتى أنك تقرأ المقال وكأنه يتحدث عن أحوالنا الأن، مع شدة الاختلاف في مظاهر الحياة بين العصرين.

ويتحدث الإمام في الجزئيين الأول والثاني عن الاسراف الذي بدأت مظاهرة مع تحسن الأوضاع المعيشية وانحسار الظلم. فهو يقول “كان أهالي بلادنا محملين من الأثقال النقدية ما لا يطيقون … فتارة يجبرون على أداء جميع أموال السنة بأنواعها في أول شهر منها، وتارة يطالبون بأموال السنة القابلة في منتصف السنة الحالية.” ونتيجة لتلك الضرائب الباهظة، أضطر الفلاحون كما يصف الإمام، إلى الاقتراض بفوائد ضخمة لعلم المقرضين أنه لا سبيل أمام الفلاح إلا سداد ما يطلب من ضرائب، “واضطرهم العجز لبيع أملاكهم ورهن عقاراتهم وأراضيهم، أو الانسلاخ عنها بالكلية، فأحاط بهم الفقر وصاروا في أسوء حال”

ويضيف الإمام “والحمد لله أصبحوا في هذه الأيام وقد خفت عنهم الأثقال، وألغي كثير من الضرائب غير القانونية، ووقفت المطلوبات عند حد معروف… فنمت الثروة نموا لم يكن يخطر بالبال، وأيقنا أن الأهالي سيثبتون على أملاكهم، ويعتبرون بسوابق أحوالهم، فيحرصون على تقدمهم في الثروة والغني حتى يستردوا ما سلب من أيديهم قهرا …. إلا أننا نأسف كل الأسف إذ لم نظفر بهذه الأمنية، فإن الحكومة لما رفعت عن كواهلهم أثقال المظالم، وخففت عنهم أحمال المغارم فتحوا على أنفسهم بابا من الفقر آخر يلجونه باختيارهم وإرادتهم، بدون قاسر ولا قاهر وهو باب السرف والتبذير، والإكثار من لوازم الرفاهية والزينة، وما يكسب الظهور الكاذب بلا طائل. فرأيناهم يتفاخرون في إعداد الولائم، وإتقان أشكال الزينة، ويتنافسون في تشييد الأبنية، ويتكاثرون في الملابس وأنواع الملاذ، لا يقفون فيها عند حد، ولا ينتهون إلى غاية.”

ويعلق الإمام بقوله “أبى حاكم الشهوات إلا أن يكلف هؤلاء الضعفاء النفوس، المٌنحطي الأفكار، بما لا يطيقون، كأنهم يبرهنون بأعمالهم هذه، وتهورهم في الإسراف والإنفاق أنهم ليسوا أهلا للثروة”.

استمرار تلك الآفات الخلقية حتى يومنا هذا

وما يصفه الإمام في نهاية القرن التاسع عشر هو ما نجده في بدايات القرن الواحد والعشرين، وكأنه لم يتبدل شيء طوال هذه العقود. فرغم أن المظاهر قد تباينت تباينا شديدا وكأن لا شيء يربط الحاضر بالماضي، فقد ظل الجوهر كما هو وظلت الطبائع والأخلاقيات كما هي. فلم يشفع انتشار التعليم ووسائل الإعلام في معالجة تلك النقائص، بل لعله زاد الطين بلة.

فتري ما ينفق على مستلزمات الزواج والأفراح ولوازم الرفاهية والزينة وأنواع الملاذ وقد تعدي الحد المألوف، في حين أن الشكوى من غلاء الأسعار وقلة الدخل لا تنتهي. وغالبا ما يضطر الرجل إلى الاستدانة أو بيع بعض ممتلكاته لتلبية طلبات لا معني ولا ضرورة لها. وهي لا تقف عند حد.

فأنت مثلا تري حفلات الزفاف لا تقف عند الولائم والذبائح، ولا على القاعات والمسارح، ولكن تتعداها إلى كل تافه، حتى الألعاب والطلقات النارية، بل وحتى المخدرات التي أصبحت توزع في الأفراح في القري، أصبحت وكأنها لزاما لا تصح حفلات الزفاف إلا بها، وتنفق فيها ألوف الجنيهات ليخسر الأنسان الدين والدنيا معا. والإسراف يكاد يوجد في كل وجه من وجوه الحياة في مصر من ملبس ومسكن وسيارة، وكأن “الجميع متعطشين إلى أقصي قدر من اللذة” والكل يسعي لمباهاة الأخرين بما لديه، وكأنه تنافس لا ينتهي بين أفراد المجتمع.

السفة الذي يتحدث عنه الإمام

والسفه الذي يتحدث عنه الإمام ليس هو مجرد الإسراف، وإن كان الإسراف هو أحد مظاهرة، ولكن السفة في الأساس هو عدم قدرة الإنسان على ضبط سلوكه والتحكم في غرائزه بما يستطيع معه أن يحقق ما يرجوه من طموح أو يتجنب ما يخشاه من فشل، فالإسراف يٌتوقع في حالة الغني وتوفر الأموال.

أما عندما يرتبط الإسراف بالفقر، ويضطر الإنسان للتخلي عن الضروريات لإشباع كماليات تافهة، فإن ذلك بلا شك يمثل أشد أنواع السفة والغفلة. والغريب أنك تري الناس لا تكف عن الشكوى من ارتفاع الأسعار وضيق الحال، وتراهم يصبون لعناتهم على القائمين علي أمر البلاد عندما ترتفع أسعار بعض السلع، ويصبون لعناتهم على رؤسائهم في العمل إذا ما قل ما يتقاضونه جنيهات قليلة، ومع ذلك فتراهم في إسرافهم على العكس يهلكون الآلاف من الجنيهات في غير ذي جدوى وتزداد أماكن الترفيه المختلفة ومحال الكماليات بسرعة فائقة (مما يدل على أنها أكثر المشاريع ربحية في مصر الأن) ثم لا نكف جميعا عن الكلام عن الأزمة الاقتصادية.

وتجد الناس تتحدث عن إسراف هذا أو ذاك من الناس في الأفراح والزينة، وهي ملقيه عليه باللوم، فإذا جاء دورها فإذا بهم يقومون بنفس الأفعال، وكأن قوة قاهرة تدفع الناس لذلك.

تأثير الإسراف على اقتصاد الدولة

ويلفت الإمام النظر في الجزء الثاني من المقال إلى عنصر شديد الأهمية وهو تأثير ذلك الإسراف على اقتصاد الدولة، وهي نظرة اقتصادية تثير الإعجاب في ذلك الوقت المبكر.

مقارنة بين حالنا وحال المجتمعات الراغبة في التقدم

وعند التعرض لهذه النقطة، فإننا نجد الفارق رهيب بين حالنا وحال الأمم المتقدمة. ففي حين تري تلك الشعوب شديدة الإحساس بدورها، شديدة الحرص على القيام بذلك الدور، نري شعوبنا، وللأسف الشديد، لا تري لنفسها دور سوي إنفاق المال وإلقاء اللوم على الأخرين. فلا تكاد تسمع سوي عبارات الهجوم على القائمين على الأمر دون أن يري أي منا أن دور من المفترض أن يؤديه، وطبيعي ومنطقي عندما يكون ذلك هو تفكير المجتمع أن يكون كذلك هو تفكير القائمين على أمره، “فكل مجتمع يستحق من يحكمه” والحكام لن يرهقوا أنفسهم في بناء الوطن وفي النهاية لا ينالوا سوي لعنات الناس. فتراهم يزدادوا من القروض لتلبية استهلاك مفرض ودعم غير مطلوب وبذلك نترك تلك التركة المثقلة بالديون لأبنائنا ونصدر مشاكلنا للأجيال القادمة.

أمثلة من سلوكيات المجتمعات المتقدمة

ولننظر إلى الأمم التي عانت من نكبات شديدة، ثم استطاعت أن تستعيد مكانتها وتتقدم بسرعة ملفتة للنظر كاليابانيين والألمان الذين دٌمرت بلادهم في الحرب العالمية الثانية، كيف كانت سلوكياتهم للنهوض ببلادهم. أننا عندما نراجع تاريخ تلك الدول، نجد أن فضيلة الادخار كانت إحدى النقاط التي ساعدت تلك الأمم على التقدم بالإضافة إلى الفضائل الأخرى مثل الاجتهاد في العمل والالتزام والنظام.

أيفلين دوريل

فيقول أيفلين دوريل في كتابة (الاقتصاد الياباني)[1] “إن قرار تشجيع الصناعة، وقرار تشجيع الادخار بدلا من الاستهلاك كانا قرارين متميزين بخاصة إبان هذه الفترة من إعداد النظام المالي والصناعي الياباني. ولتحريض العائلات على الحد من طلباتها، أصبحت الأخلاق الكونفشيوسية التي تثير “الهمة والتوفير” محل تبجيل. فالرجل “الهمام والمثابر” والمرأة “المقتصدة” أصبحا يمثلان مثل الزوجين الاجتماعي الأعلى. ونظمت حملات قومية لتعظيم “فضيلة التوفير” وأصبح الادخار واجبا مدنيا.” وكذلك يقول أدوين رايشاور في توصيفه لعوامل النهضة اليابانية في كتابة (اليابانيون) “ومن بين هذه العوامل أيضا استعداد اليابانيين الفطري والمتنامي للادخار حتى في ظل ظروف اقتصادية غير مواتية.

فقد ارتفعت معدلات الادخار في اليابان إلى ثلاثة أضعاف مثيلاتها في الغرب في السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الفترة التي أعقبت الزيادة الهائلة في الإنفاق الاستهلاكي حتى وصل هذا المعدل خلال الستينات إلى ٤٠ %تقريبا من مجمل الناتج القومي.  وتقوم المؤسسات اليابانية بإعادة استثمار الحجم الأكبر من أرباحها. وحتى عمال المدن استطاعوا أن يدخروا ٢٠ %تقريبا من دخولهم وهو معدل مرتفع جدا عن مثيله في أي بلد أوروبي.”[2]

د. محمد أبو عمشة

ويصف د. محمد أبو عمشة[3] أسلوب الادخار في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير ألمانيا كما يلي: “كيف لشعب فقير خارج من الحرب أن يدخر؟ الاقتصاديين يعرفون الادخار بأنه هو الفائض من الدخل بعد الاستهلاك، وهم أي الألمان ليس لديهم فائض لأنهم خارجين من الحرب، ويكتشف أن الألمان يدخرون قيمة السلعة أولا ثم يشترونها، وعليه يمكن تعريف الادخار بالنسبة للألمان “بأنه تأجيل إنفاق عاجل الى إنفاق آجل “وهذا يوضح أنه سلوك أمة راغبة في البناء وتحقيق النهضة”

ماذا أخذنا من الاختلاط بتلك الدول

وللأسف الشديد فإن الاختلاط مع المجتمعات المتقدمة أو السماع عنها لم يساعد في تغيير سلوكياتنا السلبية، بل على العكس لم نأخذ من تلك المجتمعات سوي الفاسد أو التافه من السلوكيات أو مخرجات التكنولوجيا التي يمكن من خلالها إشباع الشهوات والاستزادة من اللذة قدر الإمكان، وأما فضائل الالتزام والجدية في العمل وإحساس كل فرد بدورة في المجتمع وقيامه بذلك الدور بوازع من نفسه، فإننا نزداد بعدا عنها وهروبا منها، وأقصي ما نفعله أن نتخذ من أخبار تلك الدول مادة للتهكم علي حالنا، وكأن كل فرد منا يلقي باللوم علي الأخر ويري أنه قد ظٌلم بوجوده في هذا المجتمع دون أن يدرك أن مسئول كذلك وأن له دورا يجب أن يؤديه.

وجه أخر للسفة كما يراه الإمام محمد عبدة

الوجه الآخر للسفة والذي يناقشه الإمام محمد عبدة في الجزء الثالث من مقاله، والذي ما زال كذلك هو السلوك والديدن لنا جميعا هو عدم إحساسنا بأهمية العمل الجماعي لتقدم المجتمع واصرار كل منا على الاهتمام بمصالحة الشخصية فقط، وبقدر الإسراف للحصول علي أكبر قدر ممكن من اللذة، يأتي التقتير والإعراض عندما يتعلق الأمر بالعمل المشترك والصالح العام.

يقول الإمام “يعلم كل زارع علم اليقين أن الزرع لا ينبت إلا إذا أصاب حظه من المياه، فتحتم لذلك شق الترع وإقامه الجسور والقناطر ويتحقق كل فلاح أن هذه الأعمال لو أهملت لفسد الزرع، ومع ذلك نراهم يفرون من الأعمال العمومية التي دعت إليها ضرورة حياتهم فرار الفريسة من المفترس. ولو كان لهم بصيره لقسًموها على أنفسهم بالتراضي دون حاجه إلى سائق يسوقهم أو قائد يقودهم.

أحوال الفلاحين

” ويضيف الإمام “على أننا ننظر إلى أحوال الفلاحين أمر أغرب من ذلك وهو الإعراض عن الأعمال الخصوصية المتعلقة ببلد واحد… فترى كثير من البلدان يهملون المساقى الخصوصية التي لا طريق لري المزروعات سواها …. وكلما دعاهم داع في أيام التطهير إلى العمل يحتج كل واحد منهم أن له شغلا خصوصيا في بيته أو غيطه يمنعه من ذلك، حتى تمضي الأيام ويأتي وقت الندم حين لا ينفع. فإن لم يكن في البلدة “عمده” يهمه أمر زراعته لأنها أكثر من زراعه الباقين، فيلجئهم إلى العمل قهرا لتعمهم الفائدة. وإن لم يبعثه إلا المنفعة الخصوصية، لكنها أوصلت إلى العمومية، فهذا حالهم.” ويعلق الإمام علي ذلك بقوله “فانظر إلى هذه الحالة الرديئة التي نشأت من تفرق القلوب وانقطاع التواصل بين النفوس، فلا يهتم واحد بعمل يشترك في منفعته مع آخر، وإن كان يتحقق الضرر لنفسه بتركه، كأن اشتراك الغير في المنفعة صيرها مضره يجب اجتنابها … فكأنهم سلبوا الخواص الطبيعية لإنسان الجبال والغابات.”

استمرار تلك الآفة الاجتماعية إلى يومنا هذا

وكمثل آفة الإسراف، فإن الوضع بالنسبة للإعراض عن العمل الجماعي لم يتغير عما كان يشتكي منه الأمام، بل لعل الأمور قد ساءت عما كانت عليه.

ولننظر إلى الموضوع الذي اتخذه الإمام مادة للحديث، وهو الري، فنري أن الأمور قد أصبحت أسوأ من أكثر من وجه. فبداية لم تعد القضية هي المساهمة في تطهير الترع العمومية، فقد أنقضي ذلك الوقت الذي كان يتم فيه تسخير المزارعين للقيام بأعمال الري من بناء جسور وتطهير الترع وغير ذلك. القضية الأن هي فقط عدم تعدي الأفراد على تلك المجاري المائية وعدم تلوثيها، ولكن هيهات. فالتعديات على تلك المجاري المائية، العامة منها والخاصة، لا تتوقف، ولا يراعي الإنسان أن ذلك التعدي، وإن سبب له بعض المكاسب البسيطة، فإنها قد تؤثر تأثيرا بالغا على الآخرين في نهايات الترع حيث تقلل حجم المياه المارة بالترع، وتؤثر علي نصيب المياه للمزارعين في النهايات أو تدفع أولئك في النهايات إلى الاعتماد على مياه الصرف الملوثة في أحسن الأحوال. ومثال أخر وهو ما يتوقع من عجز مائي في السنوات القادمة، وما يتطلبه ذلك من ضرورة ترشيد الاستهلاك، فهل تري أي منا سيغير من عاداته ويرشد من استهلاكه للمياه للمساعدة في مواجهه المشكلة؟

فكل شخص يتوقف اهتمامه على مصلحته الخاصة وملكيته الخاصة وليس هذا مقتصرا علي المثال السابق ولكنك تري ذلك في كل الأمور، فبقدر ما يهتم الإنسان بمنزله الخاص، تجد الأماكن المشتركة، سواء كانت برج سكني أو شارع خاص أو شيء من ذلك القبيل مرتع للقمامة، لا يحاول أي شخص أن يحسن منه، بل لعلة لو فعل يصبح مادة لسخرية الآخرين. وقد ينفق الشخص الآلاف في أمور تافهة، ولكن إذا تطلب الأمر إنفاق مبالغ بسيطة على ملكية مشتركة أو علي الصالح العام، تجد كل شخص وقد أعرض بجانبه. بل لمًا الحديث عن الإنفاق على الملكية المشتركة والصالح العام ومجرد إعطاء الشخص حق المجتمع في هو مكلف به من عمل يتقاضى عنه أجر لا يكاد يوجد، وطبيعة العمل الحكومي في مصر والذي تحول في أجزاء كثيرة إلى مركز للبطالة المقنعة ومنتدى للمتنطعين غني عن البيان.

سلوكيات الدول المتقدمة فيما يتعلق بالعمل الجماعي

وقارن بين ذلك السلوك وسلوك المجتمعات المتحضرة وكيفية العمل الجماعي فيها تجد السبب الحقيقي لتخلفنا وتقدم الأخرين. وإذا عدنا إلى الدول التي اتخذناها كأمثلة من قبل يتضح الفارق. فمثلا من أهم خصائص الثقافة اليابانية (كما يحددها الكثير من الكٌتاب)، اعتمادها على العمل الجماعي والاهتمام المفرط بالمجموعة وليس بالأفراد.

أدوين رايشاور

فيقول أدوين رايشاور “والوظيفة في اليابان لا تعتبر مجرد نظام تعاقدي من أجل الحصول على أجر ثابت، لكنها بالنسبة للمواطن الياباني تعني بالفعل تحديد هويته داخل كيان اجتماعي أكبر، وبمعنى آخر تمثل الوظيفة بالنسبة للمواطن الياباني شعورا بالرضا لأنها جزء من كيان أكبر مهم. والوظيفة لا تتوقف على الإطلاق سواء كانت في مجال الإدارة أو الأعمال إلا مع سن الإحالة إلى التقاعد. وفي كل الأحوال فالوظيفة تحقق الإحساس بالأمان علاوة على الشعور بالفخر بالمؤسسة التي يعمل بها الياباني وولائه لها.

ومن النادر حقا أن يشعر الفرد الياباني بذلك الشعور السائد في الغرب بأنه إنسان غير مهم في مجتمعه وكأنه مجرد ترس من تروس آلة أكبر. أي أن الياباني لا يشعر أبدا بفقدان هويته بل يتمتع جميع العمال والموظفين اليابانيين بذلك الإحساس الرائع بالافتخار بالشركة أو المؤسسة التي يعملون بها وخصوصا إذا كانت من الشركات الكبرى الشهيرة.

ويبلغ حب اليابانيين للمكان الذي يعملون به درجة تجعلهم يؤلفون الأغاني الخاصة به ينشدونها في حماس كبير كما يضعون الشارات الخاصة بشركتهم على صدورهم بكثير من الافتخار.”[4] ويضيف “والعامل الياباني الفرد يرى أن قوى العمل الدائمة في المصنع أو في دائرة العمل تتمثل في المجموعة الدائمة التي يعمل معها ويشعر بالفخر لانتمائه إليها.  وتثمر شجرة الولاء للشركة قوى عمل تتسم بالحماس لعملها والشعور بالفخر والرضا به.  أما الموظفون ذوو الياقات البيضاء وكذلك العمال ذوو الياقات الزرقاء فإنهم يشعرون دائما بالسعادة إذا ما طلب منهم عمل إضافي.  ولا يستفيد الكثيرون من الموظفين والعمال من الميزة الكاملة لأيام العطلات المخصصة لهم.

ولأنهم عمال مجتهدون فهم محل ثقة الشرطة اليابانية وتتناقض قلة الاحتياج إلى مفتش من خارج العمل تناقضا حادا مع الوضع في ا لمصانع الغربية التي تحتاج دائما إلى التفتيش على العمال.”[5] ويقول إيفان تسيلكتيف “إن البنية التحتية البشرية قدمت بيئة مواتية للغاية، حيث امتلكت اليابان مجموعة واسعة من العمالة المتحفزة، والمنضبطة، والمثابرة، وسريعة التعلم، والتي كانت على استعداد للعمل لساعات طويلة مقابل أجور منخفضة جدًا (في البداية)، بالإضافة إلى التزامها بخدمة شركاتها.” [6]

مقارنة سلوكياتنا بسلوكيات تلك الدول فيما يتعلق بالعمل الجماعي

وقارن بين ما يقوله تسيلكتيف من أن العامل الياباني على استعداد للعمل لساعات طويلة مقابل أجور منخفضة جدًا حتى تتحسن الأحوال، وبين أحوالنا نحن، عندما لانكف عن طلب المزيد من العائد دون أن نحاول تحسين عملنا في مقابل ذلك، يتضح لك الفارق العظيم بين مجتمع وأخر، ويتضح لك سبب تخلفنا وتقدم الأخرين، وليس السبب هو ما ابتٌلينا به من حكام كما نحاول دائما أن ندعي.

عدم الإحساس بفكرة المجتمع المشترك

إن تلك الآفات الخلقية تظهر أن فكرة المجتمع المشترك نفسها غير مستقرة في وجداننا، فكأن كل واحد منا مجتمع قائم بذاته، لا يهتم بأي مصلحة مشتركة، أو ربما كما قال الإمام محمد عبده ” أن اشتراك الغير في المنفعة صيرها مضره يجب اجتنابها”، وفي نفس الوقت يحاول أن يظهر وكأنه أفضل من الأخرين بالإنفاق السفيه على المظاهر. ولذلك أسباب عديدة.

البحث عن أسباب ذلك السفة

ربما كان السبب هو قله التفكير في المستقبل، والتي كثيرا ما وٌصفنا به، فلا ندرك نتائج الإسراف وعدم الاهتمام بالعمل الجماعي. يقول كلوت بك عن المصريين[7] “والحقيقة الثابتة أن دولة المصلحة لم تتغلب في نفوسهم على ما ألفته من الإستنامة إلى الكسل والسكون، فتراهم لهذا السبب لا يهتمون من شئونهم إلا بما يتعلق منها بحاضرهم غير ملتفتين إلى مستقبلهم، فالنظر إلى المستقبل لا يمتد عندهم إلى أبعد من الغد.” وقد ركز الكثيرون من المحدثين السابقين مثل السيوطي والمقريزي وغيرهم على الخفة الخلقية للمصريين وإعراضهم عن النظر في عواقب الأمور حتى يرى ابن خلدون أهل مصر “كأنهم فرغوا من يوم الحساب” أشاره الى الاستسلام والرضى بالحياة الرتيبة مع الإمعان في الأفراح والاحتفالات[8]. وتأثير الإعراض عن التفكير في المستقبل على الإسراف واضح،

العمل الجماعي الغريزي والعمل الجماعي التنظيمي

أما فيما يتعلق بطبيعة العمل الجماعي فيجب أن نفرق بين العمل الجماعي لتحسين المستقبل والعمل الجماعي لمواجهه خطر قائم بالفعل حتى نحدد طبيعة المشكلة التي نتحدث عنها. فكثير من الكتاب كانوا منبهرين بالتنسيق التلقائي بين الفلاحين عند حدوث خطر مثل حدوث قطع في جسور النيل إثناء الفيضان، فيقول هنري عيروط “وعندما تكون ثروة القرية الحيوية في خطر مباشر، يحس كل واحد منهم إحساسا عنيفا بانتسابه إلى الجماعة، ويجتمع الرجال والنساء والأطفال قوة واحدة.” [9]،

مصطفي القاضي

ويقول مصطفي القاضي “كان الرعب الذي يسود البلاد عند حدوث فيضان عال ملفتا لنظر كل من يراه للمرة الأولي، وبصفة خاصة عند حدوث قطع في الجسور. تندفع المياه فينتشر خبره في القري، ويهرع الرجال جماعات يحملون كل ما يستطيعون به سد هذه القطوع.”[10] وهو عين ما يراه أي إنسان عند حدوث أي كارثة، مثل حريق في إحدى القري، حيث يندفع الجميع ويتم التنسيق تلقائيا لمواجهه تلك الكارثة. القضية إذا هي الثقافة والفكر القادر على استشراف المستقبل وفهم أثر التنسيق والعمل الجماعي على تحسين ذلك المستقبل، فلا نكون مثل الظبي الذي يبذل أقصي طاقته للفرار إذا هاجمه حيوان مفترس، ولكنها بمجرد أن يفر ويحس بالأمان لا يفكر في المستقبل.

طبيعة دور الدولة في مصر وتأثير ذلك على أخلاقيات المجتمع

وربما كان السبب في الإعراض عن التفكير في المستقبل هو طبيعة دور الدولة (الحكومة) في تسيير أمور الناس في مصر، وخضوع المصريين لحكومة مركزية لآلاف السنين جعلهم يركنون في تدبير أمور مستقبلهم إلى تلك الحكومة، فلا ينشغلون بذلك المستقبل ولا يتحركون إلا بقوة من الخارج تقودهم. ولقد كان محمد علي يقول عنا “يجب أن يقاد هذا الشعب كما تقاد الأطفال، فتركة ونفسه يرجعه إلى الفوضى بجميع أنواعها التي قد أخرجته منها، والتي يقع فيها ثانية لو تخليت عن قيادته لحظة واحدة.

د. جلال أمين

[11] ولذلك نجد أن الكثير من الكٌتًاب يؤكدون على أهمية دور الحكومة في مصر، فيقول كلوت بك “مصر إذن أكثر البلاد احتياجا إلى تدبير أمورها بمعرفة حكومة عاقلة مدبرة”[12] وعندما يتحدث د. جلال أمين عن المشاكل التي بدأت بمصر منذ السبعينيات، يري أن السبب في ذلك هو وجود حكومة رخوة، وهو يري أن مصر بطبيعتها، التي تكونت نتيجة لاعتمادها الكامل علي نهر النيل، تحتاج إلى حكومة قوية أكثر من غيرها فيقول “مصر تتأثر بوجود حكومة رخوة أكثر من غيرها من الأمم وسبب ذلك هو اعتماد مصر هذا الاعتماد الكلي على النيل، فالنيل يحتاج إلي دولة مركزية قوية لمجرد استمرار الحياة نفسها[13]

ولذا يري الكاتب أن الإسراف أو “عدم القدرة علي ضغط الاستهلاك” هو نتيجة لوجود تلك الدولة الرخوة فيقول “بدأ هذا البنيان العظيم في الانهيار بمجرد أن تراخت قبضة الدولة على الاقتصاد بحدوث هزيمة 1967. أصبحت الدولة أضعف من أن تطالب الناس بضغط الاستهلاك للمحافظة على معدل عام للاستثمار، إذ أصبح تدليل الطبقة الوسطى مطلبا سياسيا مهما بعد الهزيمة[14].”

وتأمل لماذا يتحدث الكاتب عن التدليل بعد الهزيمة في حين نري ما قام به المجتمع في المانيا واليابان بعد الهزيمة من استماته في الادخار والعمل بأجر قليل كما عرضناه من قبل. وانظر ما حدث عندما انهارت قوة الدولة في 2011 وما بعدها، وبصرف النظر عما نتشدق به من أحاديث عن الثورة أو غير ذلك. من جانب أتبعت الدولة نفس أسلوب التدليل بتثبيت مئات الآلاف من الموظفين المؤقتين وزيادة المرتبات لاستمالة الشعب (وربما لسبب سياسي).

ومن جانب أخر أصبح هم الكثيرين هو التعدي على أملاك الدولة المختلفة أو البناء على الأرض الزراعية ليستفيد من فارق السعر بين الأرض الزراعية وأرض المباني، أو بناء أبراج سكنية مخالفة، والتي بدأت في التصدع والانهيار الأن، وتوشك أن تكون كارثة كبري في بعض المدن مثل الإسكندرية، أو غير ذلك من صور الاستفادة الشخصية على حساب الوطن مما تدعو إي شخص إلى اليأس من احتمال التقدم.

التغيرات الاجتماعية وتأثيرها على أخلاقيات المجتمع

وبالإضافة لتلك العوامل تأتي التغيرات الاجتماعية العنيفة التي شهدتها مصر في العقود الأخيرة نتيجة لكثرة الهجرة للخارج ولعوامل أخري كثيرة كأهم أسباب السفه. فمع التغير السريع في المستويات الاقتصادية للأفراد، أصبح هم كل فرد تبوء وضع اجتماعي جديد، ويكون ذلك عادة عن طريق المغالاة في المظاهر. فالسيارة ليست مجرد وسيلة انتقال، ولكن اقتنائها واقتناء الأنواع الأحدث منها هو وسيلة للتعبير عن الوضع الاجتماعي الجديد، ومثل ذلك في المسكن ومستلزمات الزواج وحفلات الأفراح وغيرها،

وفي سبيل تأكيد الوضع الاجتماعي الجديد يكلف الإنسان نفسه فوق طاقتها ويستدين ويبيع ما يملك حتى لا يكون أقل من الأخرين أو حتى يثبت أنه أعلي منهم في المرتبة الاجتماعية. وانظر إلى التعليق عند تجهيز عروس أو بناء منزل أو غير ذلك (هو أنت أقل من فلان؟ هي بنتك أقل من بنت فلان؟ …إلخ) وكأن القضية ليست فائدة يجنيها الشخص، ولا حتى لذة يشعر بها، ولكنها مجرد منافسة في صراع اجتماعي محموم.

خاتمة

ربما تكون هنالك أسباب أخري أو أسباب مغايرة لتلك الأسباب. في كل الأحوال يجب أن نسعى جاهدين لعلاج تلك الآفات الاجتماعية عن طريق دراستها بصورة دقيقة وتحديد العوامل التي يمكن أن تعالج تلك الأمراض الاجتماعية من تعليم وثقافة وقوانين وغيرها، ولابد وأن نعي أن الحضارة تبدأ ببناء البشر، ومع أهمية المنشأت والمشاريع الاقتصادية، فبناء الإنسان والإصلاح الاجتماعي هو الأساس. ويجب أن يعي كل منا أن له دور وعليه مسئولية في ذلك الإصلاح الاجتماعي ومن الخطورة أن نريح أنفسنا بأن نلقي كل العبء على عاتق حكام سابقين، وأن نحاول أن نوهم أنفسنا بأننا مظلومون وأن هذا أو ذاك من الحكام هو سبب ما نحن فيه، ولو كان ما نحن فيه نتيجة لفساد بعض الحكام، لكان سقوطهم مرتبطا بانتشار الصلاح، ولكن على العكس كان ذلك السقوط مرتبطا بزيادة الفساد، لأن الفساد والتخلف مرتبط بنا جميعا حكاما ومحكومين.

وأخيرا فقد كان الشاعر العظيم صلاح عبد الصبور يقول:

“في بلد يتمدد في جثته الفقر

كما يتمدد ثعبان في الرمل

لا يوجد مستقبل”

ولكن ماذا عندما يتمدد السفة بجوار الفقر في تلك الجثة!

اللهم احفظ هذا الوطن

المراجع

  • [1] ترجمة د. صباح محمود كعدان – الهيئة العامة السورية للكتاب
  • [2] اليابانيون – سلسلة عالم المعرفة
  • [3] “لماذا نجحت التجربة الاقتصادية الألمانية وفشلت ثورات الربيع العربي” المركز الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية
  • [4] اليابانيون – سلسلة عالم المعرفة
  • [5] اليابانيون – سلسلة عالم المعرفة
  • [6] كيف تجاوزت ألمانيا واليابان الانهيار بعد الحرب العالمية لتتحول لقوى اقتصادية كبرى؟ – Argaam.com
  • [7] كلوت بك “لمحة عامة إلى مصر”
  • [8] محمد مصطفى زيادة “الدولة المملوكية الأولى” – تاريخ الحضارة المصرية ج 2
  • [9] هنري عيروط “الفلاحون”
  • [10] مصطفي القاضي “النيل وتاريخ الري في مصر”
  • [11] “تاريخ الزراعة المصرية في عهد محمد علي الكبير” أحمد أحمد الحتة
  • [12] كلوت بك “لمحة عامة إلى مصر”
  • [13] د. جلال أمين “مصر والمصريون في عهد مبارك”
  • [14] د. جلال أمين “بين الدولة الرخوة والدولة القوية” – جريدة الشروق – 8 يوليو 2011