في مرفأ الإنتظار.. - #قصة
الرئيسية / أدب / قصة / في مرفأ الإنتظار.. – #قصة

في مرفأ الإنتظار.. – #قصة

مراقبة الابنة من بعيد

كنت اراقبكِ من وراء عمود ذلك الضوء العتيق الراسِخ في وسط الشارع العام ، عن يميني ويساري العديد من السيارات والمارة ولم ألمح إلا أنتِ ، تتبادلين القهقهات مع الصغار ، تبتسمين تارةً لعجوزٍ مار ، تلوحين بيدكِ لصديقة عابرة في الجانب الآخر من الرصيف ، أو تلتقطين من جانب نعالكِ الرياضي الفوسفوري بقايا أوراق الخريف ، رغم أن الربيع هو المهيمن في هذه اللحظة ، كنتي راْئِعة ، أنيقة ، مليئة بالغموض والحُب في آنٍ واحد، رُغم إفتقاركِ لمصدر الحُب الأول ، أراكِ تمشين بدلالٍ وهدوء وثقة أراكِ حيناً كعارضات الأزياء ، وحيناً آخر كطائرٍ يطير بجناحيه وتكسوه الثقة أنهُ لن يَقع ، في كل خطوةٍ تمشينها مقتربةً من موضع قدمي أشعر بإقتراب قِدم تلك اللحظات المُكتنزة في الذاكرة ،

هأنتِ تصافحين بعينيكِ ذلك المصباح القديم الذي يعتلي العمود المُختبئ خلفه والدُك ، وكم كنت أتمنى أن تصافح عينيكِ عيني، الصندوق البريدي كان معلقٌ بجانبي ربما أخفى جزءاً مني ، مؤمنٌ بهذا ، أما جسدي فقد كان نحيلاً لعجوزٍ مثلي تجرع الثمالة حتى الثمالة ! ، وتسكع في أزقة المدينة ليتخذ موقعاً مناسباً للنوم ، ورغم تنقلاتي المُستمرة لا أخفيكِ أنني أسير خارج التغطية ، والدك شبح الخمرة يستوطن قلبه ، يهرع إلى أبعد موقعٍ ربما لن يأتوا إليه ، فقد تعرضت يا بُنيتي للضرب منهم الكثير من المرات ، لا أؤمن أنكِ سترين مني والدكِ القديم لكن عقلي المتضرر بأصناف الكحول لاو ، كلفدوس ، ويسكي، نبيذ أحمر ،بيرة وغيرهم من الأصناف .. يقول لي أنكِ ستؤمنين بذلِك!

تذكر أصدقاء ابنته

اقتربتي وهأنا أشعر باقتراب الحياة من قلبي ، كنتِ قد أوقفت قدميك عن السير لتحدث معهم ، لا اعلم منهم لا أذكر سوى ، جانا ، ونادين التي كنتي تسمينها ناني ، وأذكر ملامح خافته من كاتي ، مالِن وجرين ، أما الآن فأنا لا أعلم كيف هي ملامحهم ومن هم أصدقاء ابنتي الجدد ، لكن أؤمن أن ناني لازالت واحدة منهم ، تذهبين من أصدقاءك مُبتعدة ، ويذهبون إلى الوراء ، لأراكِ أنا متجهةٌ إلي ، نعم أمامي وإمامي ، أنا الأب لكنني لا شئ مقابلك ، لقد فقدت كل شئ عقلي وحكمتي واحتاج إليك لتبنيني خليةً خليّه ، حتى اموالي التي كان عليّ جعلها لكِ ميراثاً اصرفتها هباءً في رحلةٍ مع صديق مخمور إلى إيطاليا و أمستردام لنتذوق الشامبانيا!

تشابه الأب مع ابنته بالطبع

كنت ذكياً جداً ، وجعلتكِ مثلي تحبين الإطلاع ، لكن في ذات مساء فقدت عقلي وانا أقرأ عبارةً لهايدكر أستاذ سارتر 🙁 إنما العلم والحضارة ظروف متراكمة، عديدة ، أصبح الإنسان فيها غريبا عن نفسه! ) كنت حينها غريباً عن نفسي بعض الشئ ، لكن بعدها قررت أن أبتعد عنكم لأُصلح تلك الغربة ، لكن وللأسف كان طريقي خاطئاً هأنذا قد اغتربت أكثر لعشرون عاماً..
أنا حقاً أعتذر وأعلم أن لا إعتذار يجوز أن يُقدم إليك بعد كل هذا ..
لماذا! لماذا تذهبين إلى محل الحلويات ، دعيه سنذهب معاً ، لا تقطعي الشارع ، أرجوكِ أخشى أن ينقطع وتين الحياة فيني ، عودي لأعانقك إبنتي، لأسألك عن والدتكِ ، هل لا زالت حيّة ، أم إنها قد ماتت في مرفأ الإنتظار للئيمٍ مثلي ، عودي لأسألكِ عن نوع مشروبكِ المفضل وفطيرتك المفضلة، أرجوكِ عودي ، أود أن أعود إلى الحياة لا يمكنني الركض خلفك ، لا يمكنني ، أخشى أن تدفعيني بعيدا لأنكِ لن تتمكني من حزر من أكون ، أنا هنا لأنني ضعيف ، لأنني متهالكٌ على بعضي ، لأنني أكره المواجهه ، فقط أود أنتِ من يواجه وجهي أولاً …

إنني أخاف ألا تعودي !

تعلمين لماذا؟ لازالت هناك عبارة محفوظة في قلب الذاكرة ، قرأتها ذات يوم حينما كنت أرجو الثمالة لأول مرة في حياتي “المستقبلات التي لم تتحقق ليست غير أغصان للماضي ، أغصان ميتة ” كانت لايتالو كالفينو في كتابه مدن لامرئية ، تعلمين أنك غصن ميت من الماضي ، ماضٍ لن يعود ، وكم أخاف أن تكوني أيضا مستقبلي الذي لن يتحقق!
هأنتِ تعودين .. ههي نبضاتي تزداد ، ويداي ترتجفان مع إن لا خوف فيني لرؤياكِ بل … لا أدري لِم!
ربما لأنني أخاف ألا تقبلي اعتذاري.. وربما لأن.. لا!
صرخ بأعلى صوته…
ل.. لــ…لاا…. ان .. ءا.. ان.تب.ه.ي! انتبهي الحافلة !

حادث الابنة

وضع يدها بيده في المشفى ،
لم تُخبره بشئ ، وهو لم يتفوه بشئٍ أيضا .. تشاركا الصمت المؤلم ..
نظراتها تعني أنها كانت تحبه، ولأجل رحيله تحملت الكثير من عبء الحياة ، حتى وإن تركهم عبثا لأجل غربة في نفسه ..
كانت النظرات كافيه .. كانت هي الكلمات !
أشارت بسبابتها إلى حقيبتها الملطخة بالإحمرار ،أتت الممرضة بالحقيبه لم يكن قادرا على فراقها لثوانٍ ، فتحتها وكانت تحمل رسالة ، رسالة صغيرة فقط ..

رسالة سيدرا لأبيها

: ” إلى والدي العزيز والقريب إلى قلبي :
ألبرت

أنا أحبك ، أعذرني على قسوتي ولكنها الحقيقة والدتي قد واتاها الأجل ، أنا وحيدة هذا العالم ، اشتقت إليك هلأ بادلتني المشاعر ذاتها ؟ هل لك بذلك؟ ولو في آخر لحظةٍ في حياتي أود أن أراك ! لأخبر هذا العالم أنني لم أمت وحيدة كبقية البؤساء في هذه الكُرة ، أنني مُت وإلى جانبي أبي .. أبي وهو لي هذا العالم .

إبنتك إنجليزية المنشأ لاتينية المُسمى : سيدرا
أُحبك… ”

لحيته المجعدة بتجاعيد وقسوة هذا العالم قد تبللت وفكت تلك العقد فدموع الحُب كانت أقوى بكثير من تلك القسوة … أجاب بضعف ووهن الطفولة … أحبكِ ابنتي أيضا ، وكم اشتقت إليك ..

رحيل سيدرا

وكانت آخر إنعكاس صوتٍ تقوم به أذنيها ليسمعه قلبها ويرن في عمق سيدرا .. لكن تلك القوة لم تكن قادرة على دفع قدر الموت ، فقد كان الموت أقوى ، نعم القدر أقوى من كل شئ!

– قطرات دمكِ المتناثرة على سترتي السوداء هيَّ فقط من بقى لي وسيبقى معي إلى الأبد ، سأحتفظ بها لترشدني الدرب ، سترشدني إن تساءلتُ ذات يوم هل أجاور التسكع والخمرة مجدداً ، أم أعيش وحيداً في منزلٍ قديم على مرفأ الإنتظار كوالدتكِ ،لكنني لست في إنتظار لقاء ، بل في إنتظار أن أكتب في عداد الراحلين يا بنيتي ..