الرئيسية / إسلام / مشاهد من السيرة

مشاهد من السيرة

التعامل الخاطئ مع التراث الإسلامي ومواريثه الفكرية الشاملة

أياما معدوداتٍ في العام، تطل علينا بقوة روحانية غريبة، يستسلم لها الجميع ببهجة وفرحة تكاد أن تُمحى من الذاكرة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية بسبب ما يمر بها من ظلم وقهر وفقر وذل وانتكاسات اجتماعية وسياسية غير مسبوقة في تاريخ الأمة، قوة لم ينطبق عليها التفسيرات العلمية وأدوات القياس الحديثة -التي يخضع لها كل ما هو مادي- حتي ندرك مصدرها وتكوينها الذي يمنحنا تلك الدفعة الروحية، وارتبطت تلك القوة دائما بسيرة رسول الله التي سرعان ما نتقرب، ونتطلع إليها حتى تكون عونا لنا في تلك الأيام.

والأمة الإسلامية اليوم، اختزلت الإسلام من حركة فكرية شاملة، جاءت لضبط كافة أمور الفرد من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية في أنه مجرد دين جاء لضبط العبادات فقط، الأمر الذي جعل رسالة الإسلام -القرآن- في مجتمعاتنا مجرد نص يحرص المسلمون على حفظه لضبط عبادتهم، والتبرك به في حوانيتهم التجارية، وبداية نشاطهم اليومي بأصوات جميلة لقرّائه، دون الاكتراث لمعنى النص وأهمية تطبيقه في المجتمع.

بالمنطق نفسه يتم التعامل مع التراث الإسلامي كافة ومواريثه الفكرية الشاملة التي لم تدع مجالا من مجالات الحياة، إلا وكان لها أثر فيه، ومن هنا تم التعامل مع سيرة رسول الله على أنها مجرد سرد تاريخي ممتع، نتفنن في طريقة الإلقاء والسرد لتلك الأحداث للتشويق تارة، ولضبط النسق الدرامي تارة أخرى.

لم أقصد بكلامي هذا التوقف عند حقبة زمنية بعينها، وتقديس ما جاء فيها من موروث فكري وتنظيمي، فنحن ندرك جيدا عامل الزمن ومهمته الرئيسية في قيام أي نهضة حضارية، والإسلام نفسه راعى تلك النقطة في منظومة أفكاره، فقام بوضع أساسيات ومبادئ عامة دون الدخول في تفاصيل تُقيد المجتمع بشكل معين، فلا يوجد نص ثابت عن شكل الدولة ونظامها السياسي أو الاقتصادي بل جعل تلك النقط اجتهادية من الفرد يصل إليها بعقله وفكره المناسب، مع متطلبات كل عصر بما يطرأ عليه من تغيير.

كيف ينبغي النظر إلى السيرة النبوية؟

كانت تلك مقدمة بسيطة لفكرة كيفية النظر إلى السيرة وكل التراث الإسلامي بما يحتويه من موروث فكري نحن في أشد الحاجة إليه. عند الحديث عن مشروع نهضوي لأمة غابت عن ركب الحضارة منذ ما يقرب من قرن من الزمن، لن نتطرق لأسباب ذلك التخلف هنا، أو نطرح السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان في أطروحته المعروفة “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم”، فهناك العديد والعديد من الأدبيات التي تطرقت لتلك النقطة علي أيدي عظماء الفكر النهضوي الحضاري.

لكن ما نحن في حاجة شديدة إليه هو إسقاط تلك النظريات والأفكار على واقعنا الحالي بما فيه من مشاكل أخلاقية وسياسية وإقتصادية، بتلك الفكرة قررت أن أقتبس بعض المشاهد من السيرة فيما يخص المجتمع وكيفية تعامل رسول الله مع مشاكله، ليس بدوره النبوي فقط، لكن بدوره السياسي في المجتمع، كونه حاكم للمسلمين ومسؤول عن تشريع قوانين مجتمعهم ومشاورتهم في قرارات أمورهم في كافة نواحي الحياة.

المشهد الأول (ترسيخ دور الفرد في المجتمع):

بعد نزول الوحي على رسول الله ومرحلة البحث عن تفسير ما حدث له من تثبيت من زوجته خديجة رضي الله عنها، واستعانة بتفسير الحكماء والعلماء في مكة مثل ورقة بن نوفل، حيث إن رسول الله لم يكن متيقنا أن ما حدث معه في غار حراء والحوار المحوري الذي بدأ بـ”اقرأ” مع ذلك الكائن الغريب على إدراكه يعني نزول الوحي عليه، أو اختيار الله له ليكون رسول رسالته الأخيرة، حتى إن ورقة بن نوفل قال له: “هذا الناموس الذي أنزل على موسى”، ثم انقطع الوحي مدة من الزمن حتى جاء بقوله: “يا أيها المدثر قم فأنذر”، كان ذلك أمرا مباشرا للرسول بالدعوة وتبليغ الرسالة لكافة البشر.

سرية الدعوة في بدايتها

بدأت حركة الدعوة في الأوساط المحيطة برسول الله والمقربين منه، مثل زوجته وأصدقائه وأهل بيته، واستمرت الدعوة في سنواتها الثلاث الأولى سرية، وهنا نقف أمام قرار سياسي ليس تبليغي أو دعوي من رسول الله، فبحكم مسؤوليته السياسية تجاه أتباعه رأى وجوب سرية الحركة في بدايتها، لما أدركه من قراءة جيدة لمجتمعه والبيئة التي سيطرح فيها فكرته من خطورة الجهر بالدعوة في البداية، وما يترتب عليها من أثار سلبية قد تضر بالحركة والدعوة كلها.

ولم يعتمد على التواكل في قراراته المصيرية على الرغم من أنه يمتلك الوحي والهدف هو نشر رسالة الله في أرضه، لكنها دعوة صريحة واستنتاج قوي في المشهد الأول من السيرة في حركة الصدام مع المجتمع، في كيفية استخدام العقل والفكر، وعدم التواكل في التخطيط لحركة التغيير في المجتمعات التقليدية التي عاشت فترة زمنية كبيرة تحت تأثير الفساد المادي والعقلي.

الصدع أمام المشركين

استمرت الدعوة في حركتها السرية تجذب فئات مختلفة من المجتمع المكي وأفرادا من طبقات متفاوتة، حتى جاء الوحي بأمر جديد، ليغير إستراتيجية الدعوة من سريتها إلى الإعلان الرسمي في المجتمع، فمع نزول تلك الآية “وأنذر عشيرتك الأقربيين” كان لا بد من رسول الله أن يجمع أهله في البداية لإبلاغهم برسالته، ومن ثم يبلغ المجتمع بأسره ليبدأ رحلته الدعوية الشاقة، ومرحلة الصدام الحقيقي مع المجتمع.

هنا نقف أمام مشهد آخر، الأمة في أشد الحاجة إليه حاليا، ألا وهو المسؤولية الاجتماعية، وما مر به الرسول من تدرج في المسؤولية حتى وصل ذروتها إلى المسؤولية الاجتماعية، بداية من تحمل المسؤولية تجاه نفسه مع نزول الوحي عليه وإدراكه بأنه أصبح مكلفا من تلك اللحظة، مرورا بمسؤوليته تجاه أسرته وعشيرته، كما قام بجمعهم وتبليغهم، حتى وصل إلى مسؤوليته الاجتماعية في تبليغ المجتمع البشركافة.

إسقاط أحداث السيرة على مجتمعاتنا

فذلك التدرج هو تجسيد حقيقي لأعظم نظرية سياسية في العالم كما وصفها الكواكبي في كتابه: “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” وهي “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، فكل فرد مسؤول أمام نفسه كونه مكلفا كما في الخطوة الأولى مع رسول الله، وكل رب أسرة مسؤول عن أسرته وعشيرته، كما في الخطوة الثانية، وكل صاحب فكر وعلم وحكم مسؤول عن المجتمع كما في الخطوة الثالثة.

وكما ذكرنا في البداية إن الهدف هو إسقاط تلك المشاهد على مجتمعاتنا، فإذا قمنا بإسقاط تلك النظرية العبقرية على واقعنا الحالي سواء في المجتمعات المتخلفة كمجتمعاتنا العربية، أو حتى المجتمعات المتقدمة التي لها الريادة الحضارية حاليا، سنجد أن الفرق الجوهري الحقيقي في ثقافة شعوب تلك الأمم، هو مدي استيعاب كل مواطن لمسؤوليته تجاه المجتمع، بداية من إدراكه لمسؤوليته أمام نفسه أولا، حتى إدراكه لمسؤوليته تجاه المجتمع بأكمله.

لذلك نجد المواطن الغربي هو أداة القياس الحقيقية لمستوى أداء الحكومة في المجتمعات الغربية، فهو لا يحتاج إلي تحذيرات وشحن وتوعية إعلامية لجذبه تجاه معسكر على حساب الأخر، فهو يمتلك من الثقافة والوعي ما يمكنه من تحديد مستوى حكومته، وهنا تحركه مسؤوليته الاجتماعية صوب ما يحتاجه المجتمع.

على عكس مجتمعاتنا العربية التي نجحت أنظمتها الديكتاتورية بتجهيلها وظلمها، وفي حجب وسلب حق من أهم الحقوق المكتسبة من تراثنا الحضاري، وهو دور الفرد نحو المجتمع، ولنا في مشاهد الاحتجاج التي عمت محطات القطارات في القاهرة مؤخرا بعد موجة الغلاء الفاحشة دليلا واضحا على غياب المسؤولية الاجتماعية في مجتمعاتنا.

فتلك الاحتجاجات تحولت من وقفات واحتجاجات مع السلطة -كونها الممثل التنفيذي لصاحب ذلك القرار- إلى مشاجرات عنيفة بين المواطنين أنفسهم الذين رفضوا ذلك الاحتجاج كونه مُعطل لأعمالهم ومصالحهم. بل منهم من مد يد العون للسلطة في إنهاء ذلك الاحتجاج غير مكترثين لما يشعر به أخوهم المواطن من أزمة وقهر حقيقي قد ينسف باحتياجات حقيقية في حياته، هذا تمثيل واضح لغياب الدور الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية، كنتيجة حقيقية لما مرت به الشعوب من تهميش وإذلال وخضوع من قبل حكومتهم، فغاب مكتسب مهم في تراثنا أصر الرسول على ترسيخه من اليوم الأول في عمله الدعوي في المجتمع، وهو دور الفرد وأهميته كونه مسؤولا حقيقيا تجاه مجتمعه.

فيديو مقال مشاهد من السيرة