الرئيسية / سياسة وفكر / الصدمة الثقافية ومشاكل المهاجرين

الصدمة الثقافية ومشاكل المهاجرين

تناولت في مقال سابق بعض الأزمات النفسية التي قد يتعرض لها المسافرون و لكن بشكل مختصر، وتناولنا السفر غير الطويل وغير الانتقال لبلد آخر أو الهجرة.

ما المقصود بالصدمة الثقافية؟

في هذا المقال نتناول المشاكل النفسية الاجتماعية التي يتعرض لها أغلب المهاجرين والقادمين لبلدان جديدة. ولنتعرف في البداية على الأزمة النفسية المعروفة بالصدمة الثقافية أو ال Culture shock، فما هي هذه الأزمة؟ رغم أن الصدمة الثقافية أحد أهم أسباب شعور المهاجرين بالعزلة أو لعلها سبب أساسي للعزلة! لكنها في الحقيقة أمر طبيعي يحدث نتيجة انتقال المرء بين ثقافتين مختلفتين نوعاً ما أو ربما ثقافتين متضادتين ومختلفتين بشكل كبير. ولأنها أمر كثير الحدوث فإن ذلك مدعاة للتعرف عليها، أسبابها وكيفية التعامل معها.

 ليست اللغة أكبر عوائق التواصل الاجتماعي كما يظن الكثير! وذلك لأن لغة التواصل بين الأفراد تتخطى الكلمات التي تقال وتسمع، فهي تشمل لغة الجسد ومفاهيم وعادات ثقافية سائدة في مجتمع ما، هي نفسها قد تكون نادرة ومستنكرة في مجتمع آخر. 

وعلى سبيل المثال لا الحصر ليس كل الباعة يلقون التحايا مرحبين بزبائنهم في كل مكان، فإن دخلت محلاً و ألقيت التحية ولم تلقى صدىً تعكر مزاجك و انقطع حبل التواصل قبل أن يبدأ، والعكس صحيح إذا ما دخلت متجهماً في مجتمع آخر متعوداً على  التملق بين البائع و الشاري. وليس بالضروري أن يكون المجتمعان مختلفان في العرق والدين حتى نجد هذا الاختلاف.

فمثال الترحيب وإلقاء التحايا أعلاه تجده جلياً واضحاً في التضاد في مجتمعين عربيين مسلمين شرقيين هما الأردن ومصر ومن زارهما يفهم هذه المقارنة. ومن مثل هذه التفاصيل البسيطة هناك الكثير من الأمور المختلفة التي لا تعد ولا تحصى. وهناك بالطبع أمور أخرى من مثل تغير المناخ والمزاج العام وتسهيلات الحياة، ونوع ومستوى المعيشة كذلك، كلها عوامل مجتمعة تخلق تلك التجربة التي يتعرض لها القادمون الجدد وهي الصدمة الثقافية.

ومهما تكن تلك العوامل قليلة كانت أم كثيرة، كبيرة أم صغيرة فإن تجربة انتقال شخص كان في الماضي القريب صاحب هوية محددة، وهويته أنه كان ابناً، أخاً، صديقاً، صاحب اسم و لقب معروفين، و عنوان و مهنة معروفة للآخرين، فجأة في ليلة وضحاها أصبح فردا في بلد غريب، بمعنى نكرة مجهول النسب والصنعة يُشار له بالغريب أو الأجنبي. 

مراحل الأزمة النفسية

أصبحت له هوية جديدة: (الغريــب! ) ألا يكفي ذلك بخلق أزمة نفسية؟ صدمة ثقافية! نعم فتبعات تلك الانتقالة من الطبيعي أن تكون صادمة للمرء ولذا يتحتم فهم طبيعة هذه الأزمة والتي تمر بمراحل هي:

 مرحلة شهر العسل

في البداية كل شيء جديد، مناخ جديد عكس ما اعتاد المرء عليه، لغة آخرى، أشكال الناس وطباعهم مثيرة. حتى الطعام من نوع آخر، المواصلات تختلف و المحلات لها جدول آخر. هذا التنوع و الاختلاف يثير الفضول وقد يغمر المهاجر بالغبطة والسرور لأبسط الأمور من مثل الطقس أو أنه مثلاً  يعتقد أن الناس في مكانه الجديد أكثر لطفاً ولباقة… الخ. لكن ككل شهر للعسل لا بد له أن يمضي.

مرحلة الأزمة

 وبعد انقضاء شهر العسل والذي قد يصل بضع من الشهور حسب الشخص، تبدأ معالم وأعراض الأزمة بالظهور على شكل أعراض قلق من احتمال الفشل بسبب الصعوبة التي يجدها المرء في الاختلافات، والذي قد يتطور إلى إحباط وأرهاق، ويسبب اضطراب النوم وأفراط في التفكير. حتى المعدة يقع عليها جهد لأنها يجب أن تتكيف لأنواع جديدة من البكتريا في طعام جديد لم تعتد عليه. 

وهنا يبرز عامل صعوبة التواصل (ليس فقط باللغة) مع أفراد مجتمع جديد مختلف كأكثر عامل له دور مباشر في هذه الأزمة ويسبب شعور المرء بالعزلة ويشتد الحنين للوطن.

مرحلة التأقلم

وبعد أشهر تبدأ مرحلة التأقلم والتي تتفاوت في أشكالها ودرجاتها من شخص لآخر. فإما الانصهار الكلي في الثقافة الجديدة، أو الرفض التام لها وهذان الاثنان طرفا نقيض، أما الأمر الوسط فهو محاولة التأقلم الإيجابي ومعنى إيجابي تقبل الآخر والاحتفاظ بالموروث. وهذه الأخيرة هي حالة نفسية اجتماعية يعيشها الكثير من المهاجرين وأبنائهم خاصة الجيل الثاني مع تفاوت في الدرجات وتسمى بثنائية الثقافة أو ما يطلق عليه اصطلاحا بـ (Bicultural). 

 ثنائية أو تعدد الثقافات هي حالة اجتماعية ونفسية حيث يجد المهاجر نفسه مذبذباً، أو مازجاً بين ثقافتين، ثقافتهُ الأولى والجديدة. ويواجه الفرد في البداية صعوبات متفاوتة في استيعابه لكل من الثقافتين أو حتى في محاولة إيجاد توازن بينهما. وغالباً يكون لتعدد الثقافات تأثير إيجابي على الفرد، من حيث المعرفة، ولهم قدرة لغوية أكبر. ومن ناحية اجتماعية هم أكثر مرونة في حل الأزمات. 

التأقلم الثقافي

ومن الواضح أن تعدد الثقافات متفاوت تفاوت الأفراد. أذاً كيف يمكن قياس ومعرفة مدى التأقلم الثقافي؟ في عام 2002 وضع عالما الاجتماع بينيت مارتينيز وليو ولي موريس مقياسا للهوية الثقافية أو بناء تكامل الهوية الثقافيه Bicultral Identity Integration (BII).

إذا ما أردنا ترجمة معنى المصطلح للعربية ربما كان هكذا: درجة اندماج هوية الفرد ذي الثقافتين. فمثلاً الأشخاص ذوو معامل BII (مقياس اندماج الثقافتين) منخفض هم من لديهم مشاكل في دمج الثقافتين في شخصية واحدة متماسكة، والسبب أنهم يرون الثقافتين كأنهما نقائض لا تجتمعان.

في المقابل الأشخاص ذوو معامل BII عالي يرون الثقافتين مكملتين لبعضهما البعض. بمعنى أن لشخصهم هوية هي ثقافة ثالثة ناتجة من الدمج المنسجم والمتوازن للثقافتين. وملاحظة مهمة هنا وهي أن الأشخاص المنصهرين تماماً في الثقافة الجديدة ممن تخلو عن ثقافتهم الأم غير مشمولين بهذا التعريف وهذا المقياس وذلك لأن التخلي عن الهوية الأصلية والانصهار في ثقافة البلد الجديد وثقافة الأكثرية هو حالة اجتماعية أخرى تعرف بالأصطلاح بــ : Assimilation، وبصورة أدق بــ : Cultural assimilation.

والترجمة الحرفية للعربية قد تكون خاطئة! لكن معنى المصطلح هو انصهار الأقلية في ثقافة الأكثرية في مجتمع ما. وكمثال على ذلك انصهار الملايين من المهاجرين لأمريكا الشمالية في ثقافة الأغلبية. ومن الجدير بالذكر أن هذا النوع يُخلط عن عمد مع مصطلح التأقلم من قبل الأحزاب العنصرية لأنهم لايقبلون لبلدانهم الا ثقافة واحدة.

أذاً وللتأكيد أكرر يجب التميز بين تعدد الثقافات للفرد وبين تخليه عن ثقافته الأولى والانصهار في الثانية. من ناحية عملية يسعى الباحثون لإيجاد تطبيق لهذا المقياس على صعيد الفرد والمجتمع، فمثلاً على صعيد الفرد وجد العلماء أن الأشخاص ذوي ال BII المنخفض لديهم صعوبات في تعلم اللغة، لهم مشاكل نفسية مثل القلق، الكآبة ومشاكل عصابية أخرى.

وأما من ناحية اجتماعية فإن هؤلاء يفتقدون للمرونة فقد يتصرفون بشكل لا يتناسب والثقافة الأخرى كأن لا يقفون في الطوابير في بلد يحترم الوقوف المنتظم في الطابور وهم يتذمرون غالباً من عدم الانتظام في ثقافة أخرى لا تعرف معنى الطابور فهم مشوشون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

 وكمثل آخر لتقريب الصورة فإن الأشخاص ال bicultural ثنائيي الثقافة مثل الأشخاص ثنائيي اللسان ال bilinguals. فكما نرى أن الأشخاص المتمكنين من لغتين ينتقلون من لغة لأخرى بتلقائية وبسلاسة وكفاءة عالية كذلك الأشخاص ذوو الثقافتين أصحاب معامل BII عالي.

ومن الجدير بالذكر أن اللغة عامة،  أي لغة كانت تحمل معها مفاتيح ثقافية مهمة بمعنى أن اللغة وعاء الثقافة.  والمرء منا لن يتمكن من فهم وحمل ثقافة ما دون أن يتمكن من لغتها. وهناك العديد من الأدلة على أن اللغة تؤثر على طريقة تفكير الشخص لأن اللغة تحمل في معاني كلماتها القيم الثقافية وبالتالي تؤثر على الفكر وسلوك الفرد. ولذلك فإن تكلم لغتين بطلاقة هو من أساسيات نجاح الاندماج بين ثقافتين.

المرحلة الأخيرة وليس بالضرورة حاصلة لكل شخص مهاجر، لكنها أشد وطأً وتنشأ بعد أن يعود المهاجر لبلده الأم لسبب أو آخر. هذه الانتقالة قد تسبب صدمة ثقافية عكسية تكون أشد وأكثر صعوبة من الصدمة الأولى. تنتج الصدمة الثقافية العكسية عادة من المثالية والتوقعات اللاواقعية. فعندما يقضي المهاجر فترة طويلة من الوقت في الخارج، ينصب تركيزه على الأفضل من ماضيه بمعنى أفضل ميزات ثقافة بلده الأم. عندها يبدأ المرء بخلق نسخة مثالية من ثقافته الماضية.

أما اللاواقعية فهو الافتراض الخاطئ أن مجتمعاتنا لن ولم تتغير، هل نتوقع حقاً أن تظل الأمور كما هي مثل ما تركناها. مهم جدا الإدراك بأن الحياة في الوطن أصبحت مختلفة عما كانت عليه، وأن عجلة الحياة مضت قُدماً بدوننا، وأننا نحن أنفسنا كذلك تغيرنا، وأصبحنا نرى واقع العالم من حولنا بمنظور جديد مختلف. هذا الأدراك والفهم مهم جدا في عملية إعادة التكيف مع هذه الظروف الجديدة.

المحصلة

ولنختم بتبسيط أحوال المهاجرين إلى: الانصهار التام ومحاولة تشرب الثقافة الجديدة وفقدان الثقافة الأم مثل فص من ملح مذاب في الماء، وهذا هدف الأحزاب العنصرية من محاولاتهم دفع المهاجرين بذريعة التأقلم. أما الوجة الثاني فمن المهاجرين من له أدنى درجة في مقياس BII أعلاه، مِمن يجدون أنه من المستحيل قبول الثقافة الأجنبية والاندماج بها أو معها. ولذلك يعزلون أنفسهم عن بيئة البلد المضيف، التي يعتبرونها عدائية، ينسحبون تدريجيا من مفاصل المجتمع، ويرون الخلاص فقط في التمسك  بثقافتهم الخاصة باعتبارها السبيل الوحيد للخروج من مشاكل الهجرة. وهم أنفسهم غالبا لهم مشاكل نفسية مشابهة عند العودة لبلدهم الأم. هؤلاء كحجر في كوب ماء لا يُشرب ولا يبني منشأة.

أما الآخرين وعلى درجات متفاوته ينجحون في التكيف مع جوانب الثقافة المضيفة التي يرونها إيجابية، مع الاحتفاظ بجوانب ثقافتهم الإيجابية وخلق مزيجهم الفريد، بمعنى أن لهم ثقافة ثالثة، ثقافة أخرى بمزج أفضل الثقافتين وبدرجات متفاوته من شخص لآخر. هؤلاء غالباً ليس لديهم مشاكل كبيرة في العودة إلى ديارهم أو الانتقال إلى مكان آخر. 

هؤلاء مثل من مزج كوب من القهوة بكوب آخر من لبن(حليب) فنتج لنا كوب من شيء آخر يعطينا أفضل ما في الاثنين، حسن المذاق في كل حين وفي كل مكان.

فيديو مقال الصدمة الثقافية ومشاكل المهاجرين