الرئيسية / الحياة / في أغوار اليأس و الفقدان

في أغوار اليأس و الفقدان

تمر الحياة بحلاوتها و بمرها ،بجمالها و ببشاعتها ، و تبقى راسخة في ذكريات في حكايات ، أحيانا نتذكر ما هو جميل فنفرح كثيرا ثم نحزن لعدم استمراره ، و نتدكر ما هو مر فيبكي القلب مكسورا . إن الفتى المطلع على المستقبل لابد له أن يمر بمراحل و بعقبات ، لابد له أن يحزن و يفرح ، لأن الحياة ليست سهلة، و ليست يسيرة أبدا.

قسوة الحياة

هذا الواقع الذي جعل الشاب يتخبط في حزنه دون أن يجد من يشكو له دون أن يجد ذلك الرفيق ، أهذا من سوءه و قسوته أو هذا مكتوب عليه ، و قد كُتب عليه الشقاء . لعل الوجع لا يكتب على صفحات الزمن …سحابة سوداء تمطر على ارواحنا اشواك موجعة …فكل شيء يبقى أسير الصدور و في نفسه قد أسرها ، هذا الفتى لا طالما لم يجد الحنين من أخوة أبيه فاستمر في طريق مظلمة عابر نفق لا يعرف نهايته لا يعرف الى أين يؤدي يسير بشمعة ثارة تنير له بعض الطريق فيفرح ثم تنطفؤ فيحزن.

قد طغت الحياة عليه بحزن كسر فؤاده و جعله أكثر بكاءا و تشاؤما ، هذا الفتى الذي طعنوه أحبته قبل أعدائه ، هذا الشاب الذي تخلى عنه كل العالم في ظروف صعبة ، لم ينتهي بعد و لا يزال يكتب و يؤلف حتى تنتهي مرارة الحياة ، فالإنسان يستطيع العيش لمدة بدون ماء و لا شراب و لا هواء لكنه لا يستطيع العيش تانية واحدة بدون أماني .

 نتذكر شاعرنا سامي البارودي

 فلولا أماني النفس و هي حياتها لما طار لي فوق البسيطة طائر …. يمر هذا المجروح القلب بأيام ليست جيدة و بليالي أصبح النوم فيها صعب حينها يطغى التفكير عليه فيتفاجئ بخروج الصباح من ظلمة الليل ، حينها يقول إنه يوم جديد , انه فعلا يوم جديد لكن تكررت فيه المعاناة و ما يزيد المعاناة أنه لا يوجد لمن تشتكي ، لم ينتهي عصر التدمر من صغره ، و اشتد ذلك بعد فقدان جده الحنون عليه ، هدا الشاب الذي لم يجد الألعاب في صغره كي يفرح بها ،لم يجد العاب السيارات ،ها هو الآن يلعب بالسيارات و يفقدها و يعود الى ما كان عليه.

هذا الفتى الذي تراجع سنوات الى الوراء ،قد انتهت حياته الآن قد فقد ما كان يفرحه, ما كان يجعله أسعد الناس . فلا يزال في غيض و في كرب ، لا يزال في شلل عن القيام إلى مائدة الطعام ، فقد طوى الحزن على قلبه و أخده الى بحر الذكريات كي يشتد أكثر به و يحرك ذاكرته الحزينة فلم يجد وسيلة ترّوِح عنه فقد فقد سيارته التي كان يذهب بها بعيدا عند حزنه فقد زوجته التي أسعدته كل دقيقة فعلا فقدها في يوم الذي ارادها أن تمسك يده و تكون معه فلم يجد الا البكاء صديق له و مؤنسه و لم يجد الا القمر رفيقه في الليلة الظلماء الطويلة التي شدة في النجوم و لم تود مغادرة هذه السماء.

شغف الحياة

فعلا انتهى به كل شيئ انتهى الحلم و تبعته الحياة لم يعد يملك الا كلمت وداعا فقد سئمت تكاليف الحياة ،سئمتها بخروج زوجتي من حياتي ، مرت أيام و أصبح هذا الرجل المريض يردد :أما الشغف فهو الشغف للحياة و أما الحب الذي لا يضاهى فهو للتي تركتني ، و أما الظمأ الذي لا يرتوي فهو للمعاناة و التدمر ، فأنا لست بشاعرا كي أغازلك بشعري ، و انت لم تستطيعي تحمل ذلك كي تأخدينه .

فمن جهة كانت نفسي تتململ يأسا من أنني مهما فعلت فلن أحرك مِعْشار منك ، و أنا الذي رباني والدي ثم علمني اساتدتي من بعده ، أن تأدية الوفاء لا تعني بالضرورة إيفاء حق الكريم ، بل هو رد يكاد يكون معنويا للجميل ، فأنى لي أن أدركه . و من جهة أخرى ، كان هناك الواقع الذي لا محيد عنه هذا الواقع الذي تلخص في لا حياة مع اليأس و لا اليأس مع الحياة ، الشاب اليائس قد ترك وصية فما كان عظيما بنفسه ، كان الموصل إليه عظيما ، و لو كان هذا الموصل كلمات و حروف لا تؤاخي بالضرورة معاني تجارب و أحداث .

هدا الشاب الذي أصبح يسير و لا يعلم أين يذهب ، أخد تفكيره في هذا الفراق المؤلم ،فلعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ، فإذا كان الشاب قد بكى الى ما قد يعبر عليه اللسان فإن القلب لباكي عليكم و قد فقد فتاة من ذهب انه يبكي و يبكي بحصرات فقد كانت شمعة قلبه التي تشرق اذا انطفئ قلبه ، فقد كان آخر ما كتبه في مذكرته أيتها الروح لا تتركيني ، ما أقوله ليس رتاء في الفقدان ، و رتاء في حياة هذا الشاب بل حقيقة يعيشها كل لحظة في أغوار اليأس فينبغي على المجتمع أن ينظر الى هذه الأمور ،بما أنه هو الذي يصنعها.

لا حياة مع اليأس و لا يأس مع الحياة

لقد كان الرجل كما قلنا يائسا و لكنه لم يكن معتوها فالنور الطبيعي كان متقدا في داخله . و زاد الشقاء له ضياءه أيضا ، ذلك النور القليل الذي كان في ذلك الفكر انطوى هذا الرجل على سريرته و راح يفكر و نصب من نفسه محكمة و بدأ محاكمة نفسه .فأعترف بأنه ليس بريئا عوقب ظلما . و اعترف على نفسه بأنه ارتكب فعلة نكراء تستحق الملام . لكن قد كان الحب قد طغى على قلبه و الغيرة أعمت بصيرته و جعلته يعامل هكذا . فقد سبق له و قد رآها مستحيلة كي تكون له و ها هو يرى هكذا الآن.

لقد كانت الطبيعة المرئية لهذا الشاب لا تكاد توجد بالنسبة له ، فالآن يكاد يعيش ضربا من الصدق أن نقوله انه لن يعيش وجود للشمس و لا لأيام الصيف الجميلة ، و لا سماء متألفة ، و لا فجر ناضر ، و لست أدري أي نهار من التنهدات كان يضيئ غياهب نفسه في العادة . هكذا اصبح يعيش حياته ، فرجل سقط في البحر! و ما أهمية هذا ! السفينة لا تقف ، و الريح تهب ، و هذه السفينة لها مسار لا بد لها من مواصلته و هكذا تمضي فيه بلا توقف.

و يختفي الرجل ثم يعود للظهور ، يغوص و يطفو على السطح و يصرخ و يمد ذراعيه ، و لا من سميع و لا من مجيب ، فالسفينة تواجه إعصارا ، و هي منهكة في المناورة ، و البحارة و الركاب لا يرون الرجل المغمور ، و رأسه التعس ليس سوى نقطة وسط أمواج اليم المصطخبة . و يطلق صيحات اليأس في الأعماق ، و السفينة تغدو شبحا بشراعها على حافة الأفق ، و يمضي بعيدا عنه . و يرمقه في فزع و هو يبتعد ، و يوغل في البعد ، و يتناقص كلما ابتعد . لقد كان هناك منذ قليل ، و كان من بين البحارة ، و كان يروح و يغدو فوق الجسر مع الآخرين ، و كان له نصيبه مثلهم من التنفس و الشمس . كان كائنا حيا . و ماذا حدث الآن ! لقد انزلق ، فسقط في اليم ، و انتهى كل شيئ

فيديو مقال في أغوار اليأس و الفقدان