الرئيسية / تكنولوجيا / تردي الحالة النفسية لدى المراهقين والشباب

تردي الحالة النفسية لدى المراهقين والشباب

هل الهواتف الذكية السبب وراء تردي الحالة النفسية لدى المراهقين والشباب؟

تشير الإحصائيات أن المشاكل النفسية لدى المراهقين والشباب من فئة عمر ١٦-٢٤ عام بتزايد مستمر! فهل للتقنية كالحاسبات والهواتف الذكية ومواقع الاتصال دخل في ذلك؟ وماذا سنفعل إزاء ذلك؟ أم هل لأداء و مستوى الطلبة الدراسي دخل في حالتهم النفسية كما تدعي بعض من المدارس؟

١٦٪ من الشباب في أوربا والسويد بالتحديد كانوا يعانون من نوع أو آخر من المشاكل النفسية حسب المركز الوطني السويدي للإحصاء، لكن الغريب أن النسبة تفاقمت وتضاعفت وبشكل سريع جداً عام ٢٠١٢ إلى مستوى أعلى من ٣٠٪ وهي مازالت في تزايد! فما السبب وراء ذلك؟

تأثير التقنية الحديثة

الباحثة الأمريكية جين توينغ Jean M. Twenge, PhD درست تأثير التقنية الحديثة لمدة ربع قرن كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية لاحظت في السنوات القليلة الأخيرة حدث التغير الأكبر، و الذي صاحب قدوم الهواتف الذكية وانتشارها بين جيل الشباب بتطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي  ولذلك تسمي الباحثة جين هذا الجيل بل iGen وهي عنوان كتابها في هذا الصدد.

الشيء الذي يسترعي الانتباه والدراسة هو أن الزيادة حصلت وبسرعة عام ٢٠١٢ وما بعدها، حيث لاحظت سرعة التغير وكأنها فجائية وأغلب أعراض الاضطرابات النفسية أعراض من مثل الضجر والكآبة. ولسرعة هذا التدهور صار بالأمكان القول أن التغيرات التي حصلت في عام أو اثنين تساوي ما كان في السابق يلاحظ في عقد أو عقدين من الزمن!

كما لاحظت أن المشاكل تفاقمت خاصة لدى الأناث. وأحد أهم تلك الأسباب تقول الباحثة جين هو أن الاجتماع و الالتقاء مع الأصدقاء والأقران من نفس العمر وجهاً لوجه قل بشكل كبير وملحوظ، ولعل ذلك بسبب استغناء هذه الشريحة بمواقع التواصل (الافتراضي) على أجهزة الهواتف المحمولة والحاسوب! 

لكن ما الذي حدث عام ٢٠١٢ وسبب هذه الزيادة الملحوظة في المشاكل النفسية لدى الشباب؟

تقول الباحثة: قبل ذلك كانت الهواتف الذكية المحمولة بيد الأقلية، وبالكاد تصل إلى النصف عام ٢٠١١ ولم تصل في أكبر انتشار لها حتى عام ٢٠١٢، بعد ذلك أصبح تقريبا معظم أفراد هذه الفئة العمرية يملكون الهواتف الذكية. ولكن ألم تكن الأجهزة الذكية كالحاسوب منتشرة قبل ذلك ولعقود من الزمن؟.

تقول الباحثة جين أن الهاتف الخلوي يختلف عن الحاسوب وباقي الأجهزة لأنه في متناول اليد على الدوام بل في اليد على مدار الساعة. وهناك سبب آخر يكمن في مواقع الاتصال الاجتماعي ذاتها حيث يبدأ الشباب والمراهقين بمقارنة أنفسهم ووضعهم مع الصور التي تملأ الصفحات والتي يراد لها أن تكون مثالا يحتذى به من قبل هذه الفئة!.

السويد والمشكلات النفسية

وعودة لأوربا والسويد بالذات وفيها كذلك تضاعف العدد بعد انتشار استعمال الهواتف الذكية! بنسب مقاربة جداً لما حدث في  الولايات المتحدة. وتشير الإحصائيات أن المشاكل النفسية  تزيد بنسبة ٥٠٪ وأكثر لدى شريحة مستخدمي الهواتف الجوالة والحاسوب استخداماً مفرطاً بدرجة كبيرة مقارنة بالآخرين، وأحد أهم الأسباب أنهم لا يلتقون بالأصدقاء والأقران كما يجب. ومن أهم وأكثر تلك الأعراض: الكآبة، القلق واضطرابات في الشخصية من مثل ما يطلق عليه اصطلاحاً بال Self-harm, وهي محاولة الشخص إيذاء نفسه بطرق تشبه محاولة الانتحار.

في المقابل ورغم كل ما أشارت لهُ الإحصائيات والبحوث أعلاه، فهناك من يعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست السبب الرئيسي في تزايد الاضطرابات النفسية لدى الشباب، والدليل أن كثيرا من المنظمات التي تحاول معالجة مشاكل الشباب النفسية هي أصلا تنشر نشاطاتها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي. بل إن أكثر من قاموا بالتواصل مع هذه المنظمات طلباً للمساعدة كان عن طريق تلك الصفحات!.

ويؤكد العاملون في هذه المنظمات أن استخدام الشباب لمواقع الاتصال الاجتماعي قد يكون السبب الرئيسي لإخراج الكثير من هؤلاء الشباب من عزلتهم فهي في الأصل وسيلة اتصال اجتماعي ولهذا وجدت أصلاً. وبهذا فهم لا يعتقدون أنها السبب بل العكس، أي أنها عامل مساعد للتخلص من تلك الاضطرابات النفسية.

مواقع التواصل الاجتماعي بين السلبية والأيجابية

الباحثة السويدية آلـزا دونكلز  درست لفترة طويلة أستخدام الشباب والمراهقون للهاتف الجوال والحاسوب، وتقول المسألة ليست بهذه السطحية والبساطة كما يقول كثير من الباحثين في هذا المجال، وأنما هناك أجوبة كثيرة على هذا السؤال وليس أجابة واحدة محددة، ومواقع الأتصال لها أما دور المثبط أو المحفز، بمعنى أن هناك أسباب متعددة وقد تكون مواقع التواصل الأجتماعي دور سلبي أو أيجابي حسب دور الموقع وشخصية المستخدم. 

أما الباحثة السويدية ســارا ومية وهي الأولى في السويد في هذا المجال أي استخدام الشباب والمراهقين للجوال والحاسوب وقد وكلت لها (من بين باحثين آخرين) مهمة البحث من قبل منظمة الصحة العالمية عن تلك الأسباب وراء تدهور صحة الشباب، تقول أن هناك دراسات عديدة تشير إلى أن هناك ربط ما بين الكثير من المشاكل والأعراض النفسية واستخدام الجوال والحاسوب منها الكآبة والضغط العصبي وهناك أدلة على أن استخدام الهاتف الجوال قبل النوم له أثر سلبي على نوع وكم النوم.

المشكلة برأيها أن نتائج الدراسات تشير إلى أن هناك ربط وهذا صار معلوماً لكن ماذا بعد ذلك؟ تقول الباحثة إثبات أن هناك رابطاً لا يكفي وأنما تنقصنا دراسات تحليلية أدق لفهم حقيقة وكيفية هذا الربط. كذلك في كثير من الاستطلاعات فعند الاستفسار من هؤلاء الشباب المثقلون بتلك العوارض النفسية، فإن أحد أهم أسباب هذه الأعراض هو وقوعهم بفخ المقارنة مع تلك الصورة شبه المستحيلة والافتراضية التي تصورها مواقع الاتصال الاجتماعي لتجعل منها مثال الفرد (المعاصر).

حيث يصعب على المرء أن يكون مجتهدا في دراسته، عاملاً مجداً ومتواصلا اجتماعيا وفي نفس الوقت مواكباً لكل حديث وجديد في عالم التقنية والفن، إضافةً للاطلاع المتواصل على النقاش السياسي الاجتماعي الدائر في كل تلك المواقع من الرايدو للتلفاز للجوال والحاسوب! إضافة إلى الرغبة المتنامية لهؤلاء الشباب لأن يكونوا متمتعين بالمظهر الجذاب والقدرات الرياضية. ولم لا يكون كذلك سائحاً يلف الأرض طولاً وعرضاً! هذه الصفات يسعى لها كثير من الشباب، ولأن ذلك غير واقعي بل شبه مستحل يصاب أولئك الشباب بالأحباط المستمر مما يولد لديهم تلك المشـاكل النفسـية.

تمييز المشاكل النفسية

يقول بعض الباحثين والمختصين لعله من المناسب أكثر أن يفهم هؤلاء الشباب أن تلك المشاكل النفسية ليست اضطرابات عقلية، بل يجب اولاً التميز إن كان ذلك أمراً طبيعياً أو لا. بمعنى هل هي رد فعل طبيعي لما يتعرض له هؤلاء الشباب من ضغوط؟ فإن كانت كذلك وهي كذلك يكون السؤال المهم هنا: ماذا سنفعل للحد من تلك الضغوط؟ بدل الدوران في حلقة مفرغة من السبب والمسبب لتلك الأعراض. وهذا ما يؤيده أن في تلك الاستطلاعات أعرب الشباب أنفسهم أنهم بحاجة لتواجد البالغين في حياتهم ولأمل في مستقبل أفضل.    

هل هي مشاكل حديثة حقاً؟

سفن برمبيري الباحث في المشاكل الاجتماعية، يقول أن مشاكل الشباب بدأت تظهر، وتزداد بوضوح منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وذلك نتيجة تغير المجتمعات حيث أصبح الحصول على العمل أصعب بسبب زيادة التنافس في سوق العمل، وفي المقابل ساءت نتائج الدراسة وزادت الطبقية في المجتمعات. جراء كل ذلك يبدأ الضغط النفسي على المراهقين من عمر ال ١٥ حيث يبدو للفرد منهم في وقتها أن عدم الحصول على الدرجات الكافية نذير فشل المستقبل، لا سيما أن المنافسة اشتدت. ورغم أن الخيارات اليوم في سوق العمل زادت، وتنوعت لكن المنافسة على تلك الفرص أمست شديدة لدرجة الإحباط.

كما أن الإحصائيات تشير إلى أن الضغط النفسي الحاصل على المراهقين والشباب يكثر في العوائل التي لها وضع اقتصادي سيء، عوائل المهاجرين، وكذلك العوائل التي يكثر فيها الإدمان والمشاكل النفسية.  ورغم هذا فإن تلك الزيادة في المشاكل تصيب المجتمعات بكل طبقاتها بشكل عام للأسف. ورغم كل تلك الإحصائيات فهناك كثير من الباحثين والمختصين ممن يعتقد أن تلك الزيادة السريعة التي وقعت بعد عام ٢٠١٢ مصاحبة لزيادة استخدام الهواتف الذكية مجرد مصادفة!.

وقد يكون الفضل للتقنية نفسها بأن هناك نسبة أكبر من هؤلاء الشباب يفصح بسهولة عن مشاكله، ويبحث في الوقت نفسه عن علاج أو مساعدة. ما زال الباحثون حائرون فهناك الكثير من العوامل الاجتماعية الأخرى التي غيرت مجتمعاتنا. وبالطبع الهواتف الذكية واحدة منها ولكن ككل تقنية أخرى يقول الباحث سفن أما أن يكون جزءا من المشكلة ويفاقمها أو يكون عاملا مساعد للخروج من المشكلة، لكن ذلك لمن يستطيع التصرف معها بذكاء واعتدال وهذا يشمل التعامل عموما مع كل تقنية أخرى.

ومهما تكن الأسباب فلا خلاف بين الباحثين في علم النفس والاجتماع أن التعليم و العمل للجميع وليس فقط لمن هم الأفضل هي الحل الأمثل لكي يجد هؤلاء الشباب موقعا لهم في المجتمع. ذلك هو العامل الأهم الذي سيمنع تلك المشاكل النفسية المتفاقمة.

فيديو مقال تردي الحالة النفسية لدى المراهقين والشباب

أضف تعليقك هنا