الرئيسية / أدب / الكتابة حدث سعيد

الكتابة حدث سعيد

كتاب: (الكتابة حدث سعيد) للكاتبة الليبية “سعاد الورفلي” يتضمن مقطوعات متفردة في وصف عالم الكتابة، تجربة -تحدي – عالم ممتلئ نابض بالشغف بالكتابة وعشق الكتابة الذي لا ينتهي.

الكتابة هي عوالم تنسدل فيها الرؤى عن لحظات ماكنة تجسد كل ما نفتقده في عالم الواقع، ولا نستطيع أن نقول له لتكن.. لا نملك سوى الخيال.. وصهوة التحقيق يجسدها قلم..
الكتابة حدث سعيد!!
وأي حدث هي!

الكتابة حدث سعيد

سعاد الورفلي

2018

مقدمة بخليط مزبرج

البدايات مراحل نكتشف من خلالها، أساليب حياتنا المتنوعة.. نحن لا نتكهن كيف تكون، أو ما الذي ستؤول إليه فيما بعد.

في كل الأحوال، الإلحاحات التي نصاب بها لم نولِها اهتماماً، ولا نريد جعلها مخزنة في أدراج لحظة ما، لكن يبدو الأمر ليس كالعادة، نستأنف رحلة طويلة في لحظة اكتشافنا أننا نبدو أفضل حالاً إذا ما قمنا بذلك الفعل، هذا الفعل لا يعني أنه عادة ستترسخ في ذواتنا إذا شئنا أن نلتزم بها.

قرأنا كثيراً عن العادات، ومارسناها مسايرة لمجتمعات وجدنا أنفسنا نعيش فيها، نمقتُ الكثير من التصرفات والغضون التي تتسم بها حالات مجتمع اتسم بطابع العشوائية في تفكيره وتعاطيه مع كثير من الأمور، القصة تبدو واضحة إذن؛ أن تكون حالة منفردة هذا يعني أنك غريب الأطوار.. أو مغرور .. أو متشبع بلحظات تكفي احتياجاتك، المهم ستكون تحت مجهر المجتمع وأحاديثه في إحدى الليالي الشاتية التي ينقطع فيها وميض التيار الكهربائي فجأة، فسيستمر الناس بالتفتيش عن حكايات بين ثنايا الحياة ليستغرقوا وقتهم الممنوح بالتعب والظلام والبرد، تدفئه حكايات مقتطعة من زمن يغدق فيها بإضفاء أقاصيص ربما مختلقة.

وماذا يكسب الناس سوى الحديث عن الناس، إنهم يتحدثون عن أنفسهم وخصائصهم ومن يناقضهم وحتى من يتفق معهم.

ما يميز اهتمام الكاتب عن اهتمام بقية الناس

نعم -نحن- لا نكف عن الحديث، والحديث في كل شيء، ومضات الحياة متدفقة بتلك الأحاديث التي تنعش الذاكرة شيئاً ما، لكنها لا تثير أحداثاً مهمة، كل ما تثيره هو أنها تكرر الشخوص التي تشبهها بإضفاء بعض الأقاصيص التي تلتذ بها أرواحهم، تماماً مثل الذي يكتب رواية ويزين البطل بصنوف متنوعة من الأشياء التي تبهر القراء.. الكاتب نفسه يعشق بطل قصته لدرجة الذهول، فهو تارة يرى نفسه في ذلك البطل! وتارة يستعديه ويحوله إلى شخصية مهمة تسيطر على حياته، وكثيراً ما يزداد اهتمامه بذلك البطل وإن كان مخالفاً له في كل شيء.

المجتمعات مثل تلك الرواية، دائماً ما تراها تنسج حياة أخرى على غرار الحياة التي تعيشها؛ فهم يريدون مَن حولهم مثلهم، وهم ينتقدون المخالفين، وهم يشمئزون كثيراً من الذين يتفلسفون عن عجلة التغير الاجتماعي وينعتونهم بنعوت يصعب على من يقف عندها فهمهم، أتدري؟

إنك ترى المنعوت في عيونهم من فصيلة القشريات التي لا تستطيع فصل قوقعتها من على ظهرها.. هكذا تبدو الصورة.. أو تراه ضفدعاً ينط بين البرك! حدث هذا مع امرأة تتحدث عن جارها الأستاذ الجامعي، يلقبونه بالمؤلف، قالت:- يقولون إنه ألف كتب الجامعة، والمدارس.. رجل لايحب الناس! قلت لها: وكيف إذن يؤلف لهم الكتب إذا كان لا يحبهم؟ قالت: إنه لا يأتي إلى جيرانه، سكتت طويلاً ثم قالت: نراه ينط من السيارة إلى بيته، ومن بيته إلى السيارة يختفي أياماً طويلة؛ ثم يظهر فجأة بين الناس يشير بيديه، يكتفي بفنجان قهوة، لا يتحدث.. صامت طوال النهار، قالت: زوجي حاول معه الحديث في مواضيع متنوعة عن الحب والزواج والإنجاب.. لكنه اكتفى بتعديل نظارته والنظر جيداً في زوجي.

هكذا قالت وهي تزم شفتيها استنكاراً، بعد أن التفتت قالت: لا يشبه الناس، لو تراه ستعرف من يشبه.

تركتها ومضيت في حالي، وتأكدت أن الناس داخل فلك المجتمع يبحثون عن أشخاص لا يختلفون عنهم، لقد عاش بتكييف واحد، وبيئة جُعلت لتبث أنفاسهم بنفس الوتيرة، ويحبون كثيراً إضافة تفاصيل لا تتعلق بالحقيقة، في هذه الحالة هم يرسمون خيالهم بطرائق عجائبية.

الفكرة ليست في المجتمع وليست في الناس؛ إنها فيمن يكتبون عن حياة أولئك الناس، أكثر من عاش لحظاتهم وأفراحهم وأتراحهم وطرق تفكيرهم وحتى كيفية التعاطي مع الحياة؛ هم أولئك الكتّاب.

ما يمر به الكاتب عند قيامه بالكتابة

الكتّاب أناس اكتشفوا العنصر الفعال الذي يصلون من خلاله إلى أرواح مَن حولهم بفعل قصير اللحظة طويل المدى، وعلموا أن الكتابة وحدها هي الخُلق الذي تَبَنّى فكرتَهم بطرح مزاج رائق تحلو معه همسة الحياة في حروف ممزوجة بأمل، يخترق نواميس الفكرة عند من ينامون على وسادتها الخالية؛ حالمين بامتلاكها.

الحدث الأول

عندما تقرأ خليطاً من حروف وكلمات؛ ثم تتنفس تنهدًا كأنك لتوك خرجت من تحت الماء، ثم يحدث أن  يتحرك في داخلك شيء واحد؛ أن تعيد صياغة ما قرأته بأسلوبك لتثبت أنك قرأت هذه الجملة لفلان الكاتب وفهمتها على النحو التالي، وحينما يحدث إنجاز الحركة الأولى لفعل الكتابة الأول لتلخص الفكرة ستنتشي فيك أشياء تدعوك لشرب فنجان قهوة ليس حلواً.. على مائدة تخلو من الأوراق لتعيش دقيقة تفكير واحدة فيما حدث من فعل مركز، من أنا لأبدأ خارطة حروف بشكل منمق، وأكثر رونقاً تغازل قريحتي الأدبية؟! هل أصلح لكل تلك الحروف كتابة وتلخيصاً؟!

هذا الحدث يشعرني بوقت متميز نوعاً ما، يختلف كثيراً عن غيره من أوقات مضت تتشابه كأنها توائم سيامية.

الحدث الثاني

أشبه برحلة غناء، في وسط غابة مجهولة الأدغال مع شعورك بمتعة الاكتشاف، أنت تكتب إذن: ستكتشف ذاتك.. سياقاتك.. مفرداتك.. عالم مليء بالعجائب.. أنت تتعلم بطريقة الاكتشاف..أنت تغامر.

في ليلة وحيدة؛ كانت المسلي فيها المدفأة بأدخنتها العابثة في أجواء المكان، حيث ترقد قطة آمنة على إسفنجة ملساء دافئة تنعم بالأبخرة المنبعثة من رذاذ إبريق يسترسل بهدوء من فوق المدفأة.. الشباك يلمع ببرق يتباعد مؤذناً بمطر قريب رغم صحو السماء..

فيديو مقال الكتابة حدث سعيد