الرئيسية / أخلاق / المدير المتواضع أفضل، أم المدير النرجسي؟

المدير المتواضع أفضل، أم المدير النرجسي؟

بدايةً، طالما نتحدث عن صفات المدير التنفيذي لمؤسسة كبرى، وطبيعة إدارته لتلك المؤسسة، فلابد أولاً من التعرف على مفهوم الإدارة.

فما معنى (الإدارة)؟

الإدارة هي عملية تتضمن تخطيط وتنظيم وتعيين وتوجيه الجهود البشرية لتحقيق الأهداف المُحَدَّدَة في الشركة أو المنظمة، كذلك هناك من يُعَرِف الإدارة على أنها إنجاز الأعمال من خلال الأفراد في مجموعات منظمة بشكل رسمي.

وبعيداً عن تعدد التعريفات، نخلص إلى أن الإدارة تعتمد في طياتها على عنصرين هامين يُشَكِلان قاعدتها الرئيسة ألا وهما (العنصر البشري المتمثل في الأفراد) و (التخطيط والتوجيه المنظم لهؤلاء الأفراد لتحقيق أهداف المؤسسة).

ومن أهم أهداف الإدارة إنشاء هيكل تنظيمي سليم داخل المؤسسة، وإنشاء علاقة فَعَّالة بين السُلطة والمسئولية، فالسُلطة هي الحق والصلاحية التي تتعلق بوظيفة معينة وإعطاء الأوامر و اتخاذ القرارات بينما المسئولية هي علاقة الروؤساء بالمرؤوسين وتدل على الإلتزام للقيام بمهامهم وإنجازها بنجاح وذلك بتكليف من رؤسائهم.

المدير النرجسي، وعوامل تحفيز الموظفين

هناك رأي غير ناضج يقول (اعطهم الأوامر الصارمة وسينفذونها بالقوة)، وهذا هو أسلوب المدير النرجسي، والذي دائماً وأبداً ينتهي بفشل ذريع ويُلقى بهذا المدير خارج المؤسسة، حيث أثبتت الدراسات أن هناك احتمال قدره 50% أن يترك المديرين التنفيذيين مناصبهم خلال الـ 18 شهراً الأولى نظراً لاتباعهم ثقافات سلبية وأفكار نرجسية أدت إلى تعطيل العمل كذلك أدت إلى التأثير سلباً على الجانب المالي ووضع المؤسسة في السوق التنافسية، فمثل هذا المدير النرجسي يجلب لنفسه الفشل خلال الأشهر الأولى من عملهم كمديرين نتيجة ما يرتكبون من أخطاء وقعوا فيها لدى محاولاتهم حل المشاكل واتخاذ القرارات.

“الخطر الحقيقي في عالم الأعمال هو التوقف عن التطور” جيف بيزوس، المؤسس والرئيس التنفيذي في شركة أمازون

من هنا، يجب التأكيد على أن أهم العوامل الرئيسة التي تؤثر في تحفيز الموظفين هو أن تعمل الإدارة على وصول الموظف إلى (الرضى الوظيفي)، حيث أكد علماء الإدارة أن اتباع خيار القرارات الصارمة التي يتخذها المدير النرجسي في التعامل مع موظفيه هو خيار قاسٍ وغير كافٍ وقصير المدى، حيث يجب أن يكون هدف المدير هو تحفيز الموظفين على المبادرة من تلقاءِ أنفسهم دون أن يتم دفعهم بالأوامر، فعدم الرضى الوظيفي يقتصر عادةً إلى عدة احتياجات خارجية أساسية مثل:

  • الراتب اللائق.
  • ظروف العمل الآمنة.
  • الأمان الوظيفي.

من هنا يجب على الإدارة أن تُرَكز على أفكار مختلفة تماماً إذا أرادت تحقيق الرضى الوظيفي للموظفين، وهي العوامل الداخلية لتحقيق هذا الرضى، وهي:

  • البيئة التقدمية للعمل.
  • الأعمل ذات طابع التحدي.
  • الاستقلالية.
  • التقدير.
  • التقدم.

حيث تؤدي هذه العوامل إلى إشراك الموظفين بحيث يصبحون أصحاب دافع ذاتي للأداء الجيد، أما اختيار المدير النرجسي لخيار الأوامر الصارمة فمن الأفضل له ترك هذا الخيار، إلا إذا كان يرغب في تحفيز موظفيه على التخلص منه وعلى ترك العمل.

المدير المتواضع أفضل..

يخلق القادة المتواضعين بيئة أكثر تعاونية في العمل، مما يعمل على تحسين أداء الشركة على المدى الطويل، وقد يعود السبب إلى امتلاكهم رؤية متوازنة لأنفسهم من حيث إيجابياتهم وسلبياتهم معاً، ويُقَدِرون مساهمات ونقاط القوة لدى الآخرين بشكل جيد، فضلاً عن انفتاحهم على الأفكار الجيدة والآراء حول مؤسساتهم وأدائهم، كذلك يعمل القادة المتواضعون على خلق مجتمع يُحَوِل الجهود الفردية إلى أعمال جماعية منظمة لصالح الجماعة.

وقد أظهرت الدراسات أن بوجود رئيس تنفيذي متواضع على قمة الهرم لكل مؤسسة يكون فريق الإدارة أكثر ميلاً للتعاون، كما كشفت دراسات أخرى أن تواضع القائد ضمن المؤسسة يمكن أن يكون مُعدِيَاً، فعندما يتصرف المدير التنفيذي بتواضع يقوم الأَتبَاع بمحاكاة موقفهم وسلوكهم مما يجعلهم أكثر انفتاحاً على الأفكار الجديدة وأكثر تعاوناً.

من هنا، نجد أن المدير المتواضع أكثر فاعلية وتأثير في مؤسسات الأعمال وأكثر جذباً للأرباح، بل الأكثر من ذلك هو تحويل الفشل إلى نجاح وتحويل الخسائر إلى مكاسب ملحوظة. فالأشخاص أصحاب الشخصة الساحرة أكثر عُرضة لينظر لهم المجتمع كقادة لما يتمتعون به من طاقات عالية، وسلوك غير تقليدي.

“التواضع لا يقتصر على إفساح المجال أمام مساهمة الآخرين، بل إنه التواضع الفكري، لأنه لن يتسنى لنا أن نتعلم من دون التواضع لازو بوك، نائب رئيس أول لشؤون الموظفين في جوجل.

نرجسية القائد

غالباً ما تتسبب نرجسية القائد إلى تقليل تبادل المعلومات بين أعضاء الفريق، وغالباً ما تؤثر سلباً على أداء المجموعة ككل، فالأشخاص النرجسيون بالفعل لا يصلحون بأن يكونوا مديرين وقادة حيث يُفَضِلون التصرفات الجريئة التي تؤدي إما إلى انتصارات كبيرة أو إلى خسائر فادحة، فبالتالي هم يحملون بين طياتهم أداء ذات مخاطر عالية بخلاف القادة المتواضعين الذين يحملون بين طياتهم أداء ذات أهداف وخطط مُحددة.

وإذا كنا ذكرنا من قبل أن القادة النرجسيون يتخذون خطوات جريئة تؤدي بهم إما إلى فشل ذريع أو إلى نجاح ساحق، فغالباً إذا ما إذا تحقق هذا النجاح الساحق يكون مقروناً باستبدادية ونرجسية عالية ومفرطة، وفي هذه الحالة يعاني طاقم العمل من الحيرة والضياع. حيث يفتقد القادة النرجسيون إلى الطابع الاجتماعي المائل أكثر إلى تكوين علاقات شخصية واتباع مجموعة واضحة من القيم.

وللأسف الشديد، فإن من أهم عوامل وأسباب صعود المديرين النرجسيين إلى السلطة هي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تَخلق هذه الظروف شديدة الغموض مناخاً مناسباً لصعود مثل هؤلاء مما يجعل هذه الظروف عاملاً أساسياً في اختيار المدير الخطأ.

وأختتم مقالي هذا بهذا الموقف لأحد المديرين النرجسيين في بداية استلامه للعمل:

في أول يوم عمل للمدير الجديد، خرج من مكتبه وقد قرر التخلص من أي فرد يُمثل عقبة في طريق الشركة، حيث تَجول في أروقة الشركة وكان شعاره (لابد من توفير الكثير من الوقت والمال الذي يهدره الموظفون).

فرأى أن أحدهم يتسكع أمام غرفة من غرف الموظفين وأَسند ظهره على الحائط، وهنا ذهب إليه المدير الجديد على الفور ونظر إليه وسأله (كم هو الأجر الذي تتقاضاه أسبوعياً؟).. تعجب الشخص من هذا السؤال ولكنه رد عليه قائلاً( راتبي 250 دولار في الأسبوع).

فقال له المدير : (لا تتحرك من مكانك وانتظرني هنا سأعود إليك بعد دقيقتين).

الموقف شد انتباه الموظفين وخاصةً أن الطريقة التي تحدث بها المدير مُلفته بعض الشئ…

المدير عادَ وبيده ظرف أعطاه للشخص المتسكع أمام جميع الموظفين وقال له في حزم: (هذه 1000 دزلار راتبك لمدة أربعة أسابيع، خذهم ولا تعد إلى هذه الشركة مرةً أخرى).

غادر الشخص المكان وعقله لا يخلو من التساؤلات ولكنه أخذ النقود وذهب…

بعدها تحدث المدير الجديد أمام الموظفين عن أهمية وقت العمل وأن إضاعته يُكَبد الشركة الكثير من الخسائر، فلا بأس إذاً من التضحية براتب شهر وإنهاء عمل أحدهم في مقابل توظيف آخر أكثر جدية في عمله ولا يتسكع في الأروقه… كان يتحدث بكل فخر وعَجب بنفسه (أَتيتُ لضبط النظام بهذه الشركة).

وهنا ظهر صوتاً من بين الحضور (( أيها المدير هذا المتسكع لا يعمل معنا، إنه عامل توصيل البيتزا أتى ليُحضر لنا البيتزا)).

وهناك مقولة أختم بها مقالي هذا…

(يتعلم الحكماء من خطأ الآخرين … بينما يتعلم الحمقى من أخطائهم الخاصة)

 هذا المقال نابع من تجارب سابقة خاضها الكاتب مع مديرين سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام، وخاصةً تجربة الكاتب في القطاع العام في إحدى مستشفيات جامعة طنطا، حيث عاصر الكاتب مجموعة مختلفة من المديرين آخرهم كان المدير النرجسي المتسلط، ولم يشأ الكاتب أن يسرد حقائق بعينها ولكنه اكتفى بما يحمله المقال من مضامين توضح ما هي الصفات المفقودة في المديرين التنفيذيين عامةً، وما هي السمات الشخصية التي يجب أن يتميزوا بها خاصةً عند وضعهم أعلى هرم السلطة في مكان هام جداً بجامعة طنطا، وضعت فيه الدولة ما يقارب من ملياري جنيه لتطوير الخدمة العلاجية التي تقدمها الجامعة لأهالي المجتمع المحيط. ومن ثَم ونتيجة الفشل الإداري أصبحت أقرب ما يكون إلى كونها عزبة تُدَار من قِبَل مُلاكها.

وقد اسنعان الكاتب أيضاً ببعض مقالات من مجلة هارفارد لإدارة الأعمال، كذلك مجلة فوربس.

د. محمد الرمادي، دكتوراه في علم اجتماع التنمية

                              [email protected]

فيديو مقال المدير المتواضع أفضل، أم المدير النرجسي؟