الرئيسية / خواطر / رأيت داروين

رأيت داروين

لقد مر وقت طويل، تتحدث لنفسك، كمجنون أخر تقابله يومياً فى طريقك إلى العمل، أو في الحقيقة هو شخص تتجنب رؤيته أو سماعه لأنه سيأخذك إلى مكان تقول أنك مستعد إليه ولكن من داخلك أنت فقط مليء بالخوف.

ربما نسيت كيف تبدأ، ولكنك تعرف دائماً أن ما يطاردك سيصيبك بأشياء تجعلك تبطئ حتى يتمكن من اللحاق بك والسيطرة عليك فى النهاية كمخلوق طفيلي يزحف على الجدران ليصل إلى وسادتك ويقترب من رأسك ويهمس في أذنيك “أنا هنا.. وجدتك”.

حسناً، سأتنفس بعمق وأتحدث عن نفسي، هذه ليست شرائط من ثلاثة عشر وجه أتهم فيها الآخرين بأنهم السبب في ما وصلت إليه، أنا من أتخذ قراراتي، أنا من سأحاسب عليها، لا شريك أخر في جريمتي ولا أظن أني بحاجة إليه.

صوت الضمير

هناك أصوات دائماً في رأسي، وحسب المدرسة فذلك صوت الضمير، لكنه لا يساعدك، أنه فقط يتحدث معك عن أشياء قمت بها بالفعل، أنه لا يخبرك بالواقع بل يذكرك بلحظات لم تتمكن من رؤيتها، وربما ذلك الصوت فقط يخدعك بخيالات شيطانية.

اعتقد أن كل ما قلته لا يرتقي لأكثر من كلام سرمدي، لا أظن أنك بإمكانك أكمال قراءة ما أكتبه، حسنا.. أيماني بذلك يجعلني أشعر بالراحة فأنا فقط أكتب لنفسي ولا أنتظر أن يقيمني أحد، كشخص عاري يسير في غرفته المغلقة مطمئن من أن أنساناً لا يراه.

التجاوب مع الخيال

إذا تجاوبت مع خيالك فأنت تواجه احتمالين، الأول وضع حدً لمخاوفك والتعرف على المزيد من ذاتك، أو إذا كنت غير مستعد للمجابهة سيحبسك خيالك داخل صندوق مظلم مغلف بالداخل لذكريات سيئة وقرارات عجزت دوماً عن حسمها.

صديق لي نصحني بالتعبير عن مخاوفي ولو كان الأمر حلماً.. ولو كان لدموعي الحبيسة علي حق لأحررها وأرفع القليل من فوق أضلعي المحطمة.

استغلال النوم للهرب من القلق ورؤية حلم بمؤثرات خلابة

قررت أن استغل النوم للهرب من قلقي، من ذلك الإزعاج الذي يلاحقني ويستمر في إيذائي، فتناولت القليل من أصابع الموز، ورجعت برأسي قليلاً إلى الوراء، فرأيت خضرة وعالم هادئ في قطعة من الريف ومنزل لطيف، لم يمسسه تلوث ما يسمونه بالحداثة ودخان المصانع، ولكن هناك عجوز يقف أمامي يحجب عني النظر للأشجار فناديته: أنت يا هذا، أبتعد عن مرمى بصري أو أغرب بعيداً، حسناً فلتختفي لأن هذا حلمي.

الحوار الذي جرى بيني وبين العجوز الذي رأيته في حلمي

فألفت برأسه تجاهي قليلاً وقال: حلمك؟ إذا أنا لست هنا، لست هنا على الإطلاق، يبدو أني مجرد نتاج لهلاوسك، هل أنت تحت تأثير المخدرات؟

فرددت غاضباً: أخبرتك أنه حلم، وأنت سمعتني جيداً، أذهب الآن لتعبث بعقل أحد أخر فأنا هنا للراحة، أحتاجها بشدة، من فضلك أنت تزعجني بوجودك معي، وأنا لا أريد الحديث الآن.

–  حسناً لو كان هذا حلمك فتلك حديقة منزلي، وأنا لا احتمل ضيوف يمتلكون سلوك عدواني، وإذا كنت متعب للغاية فلتستيقظ أو تحمل جسدك الكسول وتلقيه في فناء أخر، أو فلنتحدث سوياً فعقلك يعمل سواء كنت نائم أم لا.

* وليكن، أنها حديقة جميلة على أي حال، وسأحتاج للمزيد من الطمأنينة لأحصل على حلم بتلك المؤثرات الخلابة.

في منزل تشارلز روبرت والحديث عن فرويد

– مرحباً بك في منزل تشارلز روبرت أيها الشاب، هل أنت عالم حشرات ونباتات أيضاً؟ أم أتيت هنا للبحث عن صديق؟

* ماذا؟ لا لا يبدو انك عجوز بطيء الفهم، أنا لا أحب الحشرات، صديق؟ ربما.. هناك شخص ساعدني خلال العام الماضي، هل سمعت عن سيجمان فرويد؟

– ذلك الشاب المتغطرس؟ هل فرويد صديقك؟ اللعنة، تقاس ثروة المرء بأصدقائه، نعم كان يجب أن أتوقع فهو بنفس عمرك، هو زميلي في الجمعية الملكية، لكن هل سمعت عن هوسه بالجنس، “الجنس يفسر كل شيء.. الجنس أصل الشرور”  حقا؟.. اللعنة أنه حتى وضع نظرية جنسية.. هل تمازحني؟ فرويد؟ من هو فرويد لأهتم به؟ الرجل الذي استصعب دراسة القانون فأتجه للطب؟ اللعنة إنه يتحدث الألمانية، لكني لا أظن أني قابلته، لحسن حظي فأنا لا أحب أشياء كثيرة منها اليهود، والنساء رغم أنى متزوج من ابنة عمي إيما، التي تكبرني بتسعة أشهر، يال حماقتي سيرث أطفالي أمراضنا الوراثية…

من هو العجوز الذي رأيته في حلمي؟

فقاطعته: أهدأ يا… عفواً لدي صعوبة في تذكر الأسماء لكنك تبدو حزيناً أكثر مني، هل أنت متأكد أنك نتاج عن اللاوعي الخاص بي؟ كلماتك مليئة بالعنصرية، وأنا لا أظن أن كل تلك الترهلات موجودة برأسي.

– أنا لا أفهمك، هناك بؤسا في العالم أكثر مما ينبغي أيها الطفل، ولكن رجل العلم لا ينبغي أن يكون لديه أماني أو عاطفة قلب من الحجر فقط، ونادني بالسيد تشارلز.

* تشارلز مثل البروفيسور تشارلز إكزافير والرجال إكس؟ أعذرني لا اقصد التقليل من ذاتك، لكن في النهاية أنت مجرد نتاج لخيالي، أنت بمثابة شيء صحي لأخاطب به عقلي الباطن من وقت للأخر.

– يا إلهي، من هو تشارلز إكزايفر ومن هم الرجال إكس؟ هل هناك أشخاص آخرون أنزلتهم سفينة بيجل؟ هل هم قادمون إلى هنا؟ يحملون أسلحة؟ أعداء التاج؟

فصرخت في وجهه: يكفي، حسن هذا كافي لقد كنت أمزح معك، أنه أسماء من قصص خيالية تعرض على شاشات السينما ويعجب بها الجمهور.

الكلمات التي قالها العجوز والتي تبدو أكثر حكمة عندما يقولها شخص مثله

– فهمتك تتحدث عن خيالات لإضاعة الوقت، حسناً لتعلم أنه من يتجرأ على إضاعة ساعة من وقت لم يعرف قيمة الحياة، وأنا أظن أنك أمضيت هنا أكثر مما ينبغي وعليك أن ترحل.

* سامحني أعرف أني أغضبتك، فأنت عجوز، وصبرك ينفذ بسرعة، ولو كان لي الخيار لم أكن أتي أليك، فأنت مجرد شخص يظهر من اللاوعي الخاص بي، والمشكلة في الشخصيات التي ينتجها علقك الباطن أنهم يعرفون كل شيء تعرفه عن نفسك بما في ذلك الأشياء التي تحاول تجاهلها، فأنا في الحقيقة أقصد نفسي، وأنا أعرف كل ما ستقوله، ولكن الكلمات تبدوا أكثر حكمة منك.. لأنك كما تعرف.. عجوز، وحياتنا تحتاج إلى أشخاص كالأبراج المضيئة لترشدنا الطريق في وقت الظلام، فربما من داخلي أحمل روح ليست بشابة، وربما أنا لا أقوى على أي شيء بعد الآن.

– عزيزي أنا لست حقيقي، لكن ماذا عنك، الجميع يرغب في أن يصبح شخص أخر، لا أحد سعيد بالنظر فى المرآة ليرى نفسه، الحياة خادعة ولا توجد نهايات سعيدة، وعليك تعلم الخسارة بين الحين والأخر، فليس أقوى أفراد النوع هو الذي يبقى، ولا أكثرهم ذكاء، بل أقدرهم على التأقلم مع التغيرات.

شكري للعجوز وإخباري له بما أفكر به

* شكراً يا تشارلز، سأخبرك بما أفكر، لقد اكتشفت أنه مهما حاولت الهرب فأنا أتجه إلى شيء محسوم بالفعل، كل محاولة للتحرك إلى الأمام أو الرجوع إلى الخلف، ما هي إلى خطوة تقربني من قدري الذي سأتحول إليه أجلاً، كل ما في الأمر هو أنني لا استطيع التوقف عن الهرب، فربما كان قدري هو الركض للأبد، وكأنه سؤال أتهرب من الإجابة عليه، صندوق أرفض فتحه، أنا خائف يا تشارلز، خائف من الموت، أحاول التمسك بحياتي لأطول فترة، أخشى أن يتقدم بي العمر، لذلك أتجنب كل مسبب يشعرني بعمري الحقيقي، أتوقف عن الكتابة لفترات طويلة، أؤجل أحلامي، جميعنا في الحياة لسبب ما، وإذا أنقضي سببك جاء أجلك، هناك شيء ما سأفعله لتنتهي حياتي بعدها، لا أريد ذلك، أنا فقط خائف، خائف للغاية، لذا استمر في الهرب والاختباء، لا أريد أن يقتلني ما أفعله، أريد أن أحيا ويحيا أحبائي للأبد.

ماقاله العجوز لي بعد أن سمع أفكاري

– تعرف ما الذي سيقتلك حقاً؟ أفكراك الغريبة، وأعلى مراحل الثقافة الخلقية التي يمكن الوصول إليها هو إدراك أنه علينا التحكم في أفكارنا، فالجهل يولد الثقة على نحو أكثر مما تفعل المعرفة، وأنت متمسك بلحظات تنتهي وتمر، عليك أن تدعها تمر، عليك أن تتقبل أنك ستتقدم وستشيخ وستموت مثل أي أحد أخر، عدم رغبتك في ذلك لن يغير شيء من حقيقة الأمر، أن شيء لا يمكنك التحكم فيه، كقطر خرج عن القضبان والمكابس تفشل في تعطيله، يزحف على الأرض ويدمر كل ما يجده بطريقه، هو سيقف فقط عندما يحدث ذلك، أنظر ربما أنت مقدر لك في تلك الحياة أن يقتلك التيه والهرب من كل شيء، ولكن إذا كان هناك من تريد لومه، فلتنظر في المرآة، لنواجه كل مشكلة على حدة، فأنا في رأسك على كل حال، وجوهر الغريزة أن تتبعها بعيداً عن العقل، ما هي مشكلتك مع النساء؟

الحديث مع العجوز حول مشكلتي مع النساء

* عندما أنظر في وجه امرأة لا أبحث عن مواطن جمالها، بل أدقق في عيوبها، وأفكر إذا ما كنت سأستطيع تحمل تلك العيوب، وهل تمتلك المقومات الوراثية التي أبحث عنها وأرغب في رؤيتها بجسد أبنائي.

– لكن الجينات والتكوين الفيزيائي ليس كل شيء، وأيضاً قد تكون عقيماً، أنظر لي كمثال فقد أمضيت عشرون عاماً حتى وضعت أفضل نظرياتي، وصممت قائمة بالإيجابيات والسلبيات للزواج قبل أن استقر في النهاية مع ابنة عمي إيما ودجوود، وفي وقت سابق كنت قد تحولت إلي نوع من الآلات لمراقبة الحقائق وطرح الاستنتاجات.

* حسناً ربما علي أعادة التفكير وأن أكون أقل تركيزاً في التفاصيل وأقوى شجاعة أمام المستقبل، أو ذلك فقط هو ما أقوله لأني بدأت سماع صوت المنبه، هل تعلم أنه بطيء جداً مقارنة بالزمن الذي أقضيه في الحلم، أشكرك وبالمرة القادمة ربما أقابل أولادك، أنت تعرف لقد كان من الجديد الحديث معك أيها العجوز.

تعريف العجوز عن نفسه بأنه (تشارلز روبرت داروين)

– على الرحب والسعة، ومرحباً بك فى أي وقت بمنزل تشارلز روبرت وارنج ارازموس داروين.

* نعم نعم اسم طويل، وأنا أيضا سوف… ماذا؟… داروين؟

“داروين؟ لا”، قلتها صارخاً وأنا أقفز من فوق الكرسي، وألقي بقشر الموز بعيداً عن ملابسي، وألتقط هاتفي لأطفئ جرس المنبه، وسألت نفسي “ما الذي حدث هنا؟” لقد كان هذا غريباً، ولكنه لم يكن مزعج علااتى الإطلاق، نعم لم أحدد أهدافي بعد، لكن أعتقد أني أُزحت الكثير عن كاهلي بالحديث مع.. داروين؟ هل كان هو حقا؟ ربما الأشخاص ليسوا سيئين في النهاية لكن عليك أن تقابلهم لتعرف بنفسك، ونظرت إلى الساعة لأجدها تقترب من العاشرة صباحاً، فأخبرت نفسي: حسناً، “أيها الطفل” كما قال داروين، عليك مواجهة الأشخاص الحقيقيين.

فيديو مقال رأيت داروين

أضف تعليقك هنا