الرئيسية / أدب / رسائل أوركيدا المهملة

رسائل أوركيدا المهملة

عازف الكمان

في ليلة صافية من ليالي نيسان ذهبت فتاة الأوركيدا  إلى أمسية شعرية، وكان يلي تلك الأمسية حفلة موسيقية، ابتدأت تلك الحفلة بعازف الكمان، وقد كان يتميز هذا العازف برقي فنه وإحساسه الرفيع كما كان مشهوراً بوسامته ولون الشهد في عينيه، وقد تناولت تلك الحفلة العديد من الفنون التي كانت منتشرة في العصر الثامن عشر، وكان الهدف الأساسي من تلك الحفلة  إثراء الموسيقى الكلاسيكية والحفاظ عليها.

في تلك اللحظة الذي كان يعزف فيها عازف الكمان نسيت فتاة الأوركيدا نافذة قلبها مفتوحة، ومجرد ما نظرت إلى عينيه تسللت موجات هادئة إليها، فكان ذاك الإحساس أرقى من أن يوصف، فهو خليط بين العبودية والحرية، وعند انتهاء الحفلة اقتربت منه لتبدي إعجابها بلحنه، ثم نظر إليها وابتسم ابتسامة ناعمة وبذلك الوقت شعر بسراج يخترق قلبه هل هو الاعجاب من أول نظرة!. بعد عام كامل من المشاعر الجميلة بينهم، بدأ عام الحرب وكان لا بد لعازف الكمان أن يتجهز للذهاب إلى الجيش كي يقوم بواجب بلده، فهذا هو الجيل المنكوب.

الحرب وطقوس الكتمان

كان الوداع بينهم وداع هادئ لا مرئي كأنهم يتفننان في أداء طقوس الكتمان  كما  كان ذلك اليوم سراجه مطفي  لا ينعم بأي حظ،  لأن الحياة القادمة لهم لم تكن مضمونة، ثم مرت شهور طويلة وهي تنتظر خبراً عنه، كان قلبها يفيض اشتياقاً وعتاباً لماذا لم يرد على رسائلها؟! مع أنه لم يكن من المفقودين، ولا من الموتى لماذا تجاهلها؟  أو ربما هكذا كانت تظن. ومدة الوقت كانت كافية لتقضي على أي لحظة سعيدة، فقد عاشت أوقاتا عصيبة تنبعث منها مرارة الفقدان.

بعد عام كامل من المرارة والرسائل المهملة وقعت عينيها على نصائح  للسيدة احلام مستغانمي  تتعلق بصمت الحبيب فتقول بهما (أمام أول رسالة تبعثينها، ولا تتلقين عليها جوابا توقفي نهائيا عن المراسلة، إن الانقطاع التام أخف على العاشق من رسائل يقابلها الصمت. فالصمت مساحة للتأويلات التي قد تذهب بك في كل الاتجاهات، و ستخطئين حتما في تفسير صمت الطرف الآخر فبعض الصمت عتاب أو إهانة، و آخر حب، و ثالث حب مضاد، لكن أياً كان فهو يفسد ويغير صورة الآخر فى قلبك وطريقة إحساسك به، كلما طال الصمت تشوه الحبيب، وأصبح كائنا غريبا عنك، وناب عن صوته مرارة تقتل كل ما كان حلواً بينكما، وأياً كانت الرسالة التي كان يريد إيصالها لك في البدء بصمته فلن تصلك إلا مشوهة).  بعد قراءتها لتلك الكلمات التي تستحق أن تكتب بماء الذهب قررت أن تفتح قلبها لضوء جديد،  وأن تغلق ابواب الماضي المرير.

استعادة الكرامة

ولكن كان في قلبها شيء يشبه الأزلية منفي في ثنايا روحها، منهك العواطف، وماضيها ما زال يؤلمها، فقد حاولت محيه بجميع المقاييس، وفشلت في بداية الأمر ثم أعادت الكرة لأنها مجبرة أن تمحيه فذلك كانت أول خطوة لاستعادة كرامتها، لذا كان عليها أن تتحرر من إحساسها، وتخلع زي الشغف لتتفادى المضاعفات في حياتها.

فيديو مقال رسائل أوركيدا المهملة