الرئيسية / تاريخ / ماذا تعرف عن اللوتس؟ (1)

ماذا تعرف عن اللوتس؟ (1)

معلومات عن مصر القديمة “الفراعنة”

أصل كل من كلمتي “الفراعنة و مصر”

ملاحظات أولية

بادئ ذي بدء، وقبل كل شيء، أشير إلى أن كلمة “الفراعنة” أو “Pharoes” ليست إلا مصطلح اتخذه المعاصرون للإشارة إلى فترة ممتدة من تاريخ في مصر، فكلمة “فرعون” هي “بر- عو” تعني البيت الكبير وهي اسم القصر الملكي منذ عهد الدولة القديمة.

ثم حرّفها العبرانيون لاختلاف نطق حرفي الباء والفاء بين لغتهم ولغة المصريين إلى “فر-عو” Pharaoh، ثم أضافت العربية النون حديثاً، فالملك كان له عدة القاب أخرى كما تظهر ذلك الخراطيش والأختام الرسمية مثل: (صاحب التاجين، وملك الأرضين، ومحبوب بتاح، وحور في الأرض، وغير ذلك الكثير من الألقاب).

أما عن اسم “مِصْرَ” فإن البعض يقول أن أحد أسماء شهور التقويم “المصري”، والذي لازال الفلاحون والمسيحيون المصريون يستعملونه حتى الآن، وهو شهر “مسرى”، والبعض قال أنها مقطع من ثلاث حروف هو “ما- سي- رع” أي أرض أبناء الشمس، والبعض قال أنها مصر نسبة إلى مصراييم بن حام بن نوح، والبعض قال أنها “هيكو- بتاح” أو “ها-كا-بتاح” أي بيت بتاح. لكن الأرجح أنها هيكو بتاح لأن “Egypt” مشتقة من إيجيبتوس “Aigyptos” أو  “Aegyptus” الإغريقية المحرفة من هيكو- بتاح، وأطلق المصريون أيضاً على بلادهم اسم “كيميت” أي الأرض شديدة السواد.

المعتقدات التي كان يؤمن بها الفراعنة 

متدين بطبعه!

“في المساء يغلق اللوتس أوراقه، ويرسل برعمه بعيداً تحت سطح الماء حتى لا تصل إليه الأيدي، وفي الصباح ترفعه أشعة الشمس ثانية على السطح حيث تتفتح وتزهر كاملة”، تلك هي إحدى العبارات التي تعبر عن رؤية المصري القديم للعالم، فقد تفاعل المصريون مع الطبيعة النيلية بشدة باعتبار المياه واهبة الحياة، وأن الشمس عنصر مكمل وأساسي لها، حيث زهرة اللوتس التي تخرج عند الفجر من المياه ويولد رع “الشمس” مع تفتح زهرتها من جديد، تليها رحلته في السماء فوق مصر “مركز الدنيا”، وموته في الغرب داخل الأرض الحمراء ليخيم الظلام على الأرض.

ويمكنك أيضاً طرح آلاف التفسيرات داخل تلك القصة القصيرة المؤلفة من عبارتين لا أكثر، مثل شكل اللوتس وشكل الدلتا، مثل موت رع في الغرب ومدافن الملوك، في موت رع في الأرض الحمراء الصحراء التي هي عدو الأرض السوداء الأول وغير ذلك، ولعل أولى الملاحظات هي أن المياه عنصر أساسي ومشترك في جميع قصص التكوين في جميع الحضارات.

وبغض الطرف عن إثارة غبار الجدال حول طبيعة الديانة المصرية في هذا الصدد، إلا أن تلك التساؤلات الوجودية بالنسبة لعقل لا يمتلك من التقنية سوى الحواس كانت ذات تأثير عميق، حيث ما من شيء، يستطيع العالم المادي منحك إياه في رحلتك الباطنية للعالم الآخر تلك.

علي أية حال؛ في إشارة بليغة من إحدى علماء الميثولوجيا ” علم الأساطير” إلى أنه في العصور المسيحية الأولى في الشام، كان المسيحيون حين يتقدمون للتعميد يصطفون خارج الكنيسة ويتجهون باتجاه مصر “مملكة الغروب والموت”، وذلك الوصف هو سر عظمة تلك المملكة القديمة الغامضة التي لطالما أثارت الرهبة في النفوس.

فعلى العموم يتلخص المدخل لتاريخ الفلسفة المصرية ورؤيتها للعالم في كلمة واحدة “العقيدة الجنائزية ” أو “الحياة بعد الموت”، وهو ما ميزهم بلا شك -كما يقول “هيرودوت”- عن سائر شعوب العالم؛ ولذلك كان التوافق بين العقيدة المصرية وبين العقيدتين المسيحية والإسلامية الإبراهيميتين هو المدخل لاحتواءهما، منذ انتشار العقيدة المسيحية.

كما حرموا أكل الخنازير، وكانوا يختنون الذكور، ولا يأكلون من طعام الأجنبي وفي أغلب الأحيان ولا في أدوات طعام أي أجنبي، ولا يحيونه بالسلام باليد، وغير ذلك الكثير التي أقرّتها نصوصهم الدينية وثقافتهم وتقاليدهم المدنية منها والريفية.

وإذا ركزنا الضوء على العقيدة الإسلامية تحديداً فيما يتعلق بالبعث والحساب، نجدها كانت موجودة في العقيدة المصرية الأصيلة وهو ما سَهّل تأقلم الإسلام مع الشخصية المصرية لا العكس، ومع الفرز سنجد بعض التشريعات والتقاليد المصرية الأصيلة التي تتوافق معها العقائد الإبراهيمية الثلاثة.

وفي سياق البعث والحساب؛ آمن المصريون أن لكل شخص روح أو قرينة “كا “، وبالتالي فإن القبر هو منزلها في الحياة الأخرى، والذي يختلف في مساحته حسب التفاوت الطبقي والمالي لشخص الميت في حياته، وساعدهم في حفظ تلك المقابر والمعابد المناخ الجاف ورمال الصحراء في الغرب التي أقاموا فيها مقابرهم دوماً، إن إرشاد القرينة بعد البعث كان يتم عن طريق التمائم والنصوص المقدسة التي ترشد القرينة وتقيها الشرور في الحياة بعد الموت، والتي نقشها الفنانون على جدار المقبرة.

كما أنهم -ومثل معتقدات بقية الشعوب القديمة- كانوا يضعون مع الميت الأثاث وأغراضه وأسلحته، بل ووزوجته وأملاكه من خدم وحيوانات، بطقوس معينة ليستعملها بعد البعث والحساب.

ولكن هناك معضلة أخلاقية ودينية، تحديداً في الطقس المتعلق بقتل الزوجة والخدم؛ فعقيدتهم لا تتضمن الأضحيات البشرية، بل وتقدس النفس البشرية كما جاء في الإنكارات الإثنين وأربعون التي يتلوها الميت على القضاة الاثنين وأربعون قبل وزن القلب والريشة.

فكان ذلك مادة خصبة للمثّالين “النحاتين” لكي ينحتوا تماثيل بالأحجام المختلفة على صور الزوجة والخدم والأطفال والثيران والخيول، وكل ما يمكن أن تنتفع به الروح سواء من الأثاث، أو أدوات الطعام والشراب، أو الأملاك من الحيوانات والخدم، أو حتى أفراد الأسرة، ومع كلفة بعض المنحوتات والتماثيل من جانب، وزيادة تقصير الأبناء والأحفاد في تزويد الميت بالأطعمة وطقوسها الدورية كالأربعين والسنوية من جانب آخرين.

التجأ الفنانون لتعويض ما نَقُص مادياً عن طريق معنوي غاية في العبقرية والإبداع، فصوروا الواقع كما كان الميت يعيشه في عصره بالضبط كبديل احتياطي على حوائط المقابر، الحقول الخصبة التي تحرث وتبدو وتُحصد، والثيران الثمينة التي ترعى وتتكاثر، والعدد الجم من الخدم والصناع النشطين المنهمكين في أداء أعمالهم.

وتلخيصاً لكل ماسبق فقد قيل أن المصريين كان هدفهم “الدين لا العمارة”؛ ولعل القول المأثور “المصري متدين بطبعه” لا تحتاج لأدلة كثيرة، فالأكثر حسماً للجدل هي أن بلاده تحوي أكثر العمائر الجنائزية عظمةً من حيث التشييد وتخليد الذكرى في التاريخ الإنساني.

العوامل التي ساعدت على تكوين امبراطورية عريقة لمصر القديمة “الفراعنة”

ثنائيات حتى النخاع

يقول “فوليتير” إن أكبر الإمبراطوريات في التاريخ هي إمبراطورية المناخ؛ ويقول “شارل عيسوي” عن جغرافيا مصر ومناخها: “بكل إخلاص يعكس نبات مصر انتظام مناخها، فالمسافر إذ يجوس خلال البلاد تصدم رتابة “اللاند سكيب” ولا يكاد يحس بفارق بين جيرة الإسكندرية وجيرة أسوان”.

ولأن وادي النيل يبدو وكأنه صوبة زراعية عملاقة تخترق صحراء مترامية الأطراف من الجنوب إلى الشمال، وضع فيها النهر على يمينه ويساره طبقات من الرماد البركاني، كلما أتى في فورة عنفوانه في أغسطس، تاركاً بعد هدوءه ما يقارب 7 مليون فدان من الأرض السوداء صالحة للاستزراع، فكان هذا الخيط هو الذي تعلقت به حياة مصر، وأضحى “اللاند سكيب” أو شكل للأرض هو “شغل يد الفلاح”، وبالتالي فإنه “في هذه الواحة الشاسعة التي هي من صنعه، يلتصق الفلاح بالأرض ولا يميل البدوي إلى الترحل، والشخص القاطن يأبى الغربة، يظل المصري مخلوقاً نهرياً، دون القول مثل البعض أنه نبات بشري”.

إن الثنائيات المناخية تسود في مصر حيث مناخ البحر المتوسط يغلب فيه شتاء، والمناخ المداري الحار يغلب صيفاً، مع الملاحظة أنك تكاد لا تميز بين الفصول الأربعة بوضوح كما في منطقة “العروض الشمالية” فينقلب العام إلى فصلين، فقط دون اعتدالين.

فتكاد تكون كلمة “Fall” أي “السقوط”، وكلمة “Evergreen” أي “الأشجار دائمة الخضرة” وهما من مفردات التراث الأوروبي عن الحياة الفصلية تبدوان بلا معنى للمصري العادي، فربيع مصر حار نسبياً وخريفها دافئ نسبياً.

كذلك فإن الفرق بين النهار وغروب الشمس واضح كما والفرق بين درجة الحرارة في الليل والنهار، والفرق بين الصيف والشتاء، وهو في المجمل بلد حار جاف ذو حرارة ثابتة ورطوبة متغيرة.

وبدوره أيضاً أثر على الإنسان والحياة من حوله تأثيراً إيجابياً أكثر منه سلبي، فما بين المناخ الحار والمعتدل واعتدال ملوحة التربة وارتفاعها في الشمال؛ نجد الزراعات المعتدلة دون المدراية كالحبوب والفواكه تليها الكتان والبنجر والقصب والبطاطس والقمح والذرة الرفيعة والشماية والصويا والسوداني والقطن والأرز وهي من الزراعات المدارية.

والمناخ الحار الجاف في المجمل صحي، حيث تتلقى البلاد إشعاع شمسي وسطوع قليل السحب، وهو ما جعل الشباك ضرورة في المسكن المصري في الجنوب والمساحة الكبيرة الزجاجية في الشمال، واتجاه شبابيك وأبواب وواجهات المنازل دوماً نحو الشمال أو الجهة البحرية للحصول على الهواء. والقارية والتغير المستمر في الحرارة من الصيف إلى الشتاء محفز عصبي وعضوي؛ وبما أنها واحة طينية وسط الصحراء فإن آفتها ووصمة مناخها وجغرافيتها هي التراب؛ لذلك فإن رياح “الخماسين” نقطة سوداء في المناخ المستقر.

جغرافية الفكر

انطلاقاً من الحقيقتين الأساسيتين اللتين حددتهما اقتباسات “جمال حمدان” الأولى هي أن “المصريين القدماء الأصليين يبدؤون وهم جنس متجانس أساساً في صفاته وتركيبته”، والثانية “أن احتمالات الاختلاط الهامة قلّت مع ومنذ بداية الأسرات التاريخية؛ وهو ما عزز صحة مقولة هيرودوت “أنهم يختلفون عن بقية شعوب العالم في عاداتهم وتقاليدهم”.

فإن لمصر أطول تاريخ سكاني معروف ومسجل زاخر بالتقلبات والتذبذبات الكمية والنوعية، حافل بالتجارب المخططة والعفوية، وذلك يجعلها صاحبة أطول تجربة سكانية في العالم، بل معمل تجارب ديموغرافي تاريخي ولكنه حي، سابق ولكنه غير مسبوق، ولا مثيل له في عالم أو علم السكان على الأرجح.

ومن المؤكد أن المصري كان على وعي وإحساس كامليين ببيئته الجغرافية، ففي البداية تجد أن إحساسهم أثناء كفاحهم من أجل البقاء، والذي يدور حول الزراعة وما تمدهم به من حاصلات، بث فيهم روح الاحترام والاعتراف بالجميل؛ ونظراً للبيئة الفيضية، أصبح الري مرادفاً للتنظيم “المركزي” الذي يخضع في الجميع طواعية لسطلة عامة مطلقة.

فلم يكن انطباع المصريين بيسر بيئتهم ووضوح معالمها واستقرار أحوالها بغير أثر في ثبات تقاليدهم الاجتماعية والثقافية، وصبغ إنتاجهم الفني القديم ببساطة الخطوط ووضوح التعبير وسماحة الهيئة والطابع المميز إذا ما قورن بغيره من الفنون القديمة، فضلاً عن ثبات عقائدهم الدينية التي تأملوها في الطبيعة النهرية؛ مثل عمارة الحجر المنحوت التي هي فنٌ مصري الأصل إلى درجة كبيرة، وجغرافي الطبيعة إلى حد بعيد.

وعن المنظومة الأخلاقية والاجتماعية فإن أولى مظاهرها وإيجابياتها تكمن في الفترة الطويلة التي يعتمد فيها الأطفال الذين لا حول لهم على معونة وحماية أبيهم، فكانت ذات تأثير في تهذيب همجية الإنسان الذي عاش فيها في العصور المبكرة، وتحويلها إلى رغبة واهتمام عاطفي لإسعاد الزوجة والأطفال، وأصبحوا لا يفكرون في الجمال إلا إذا قارنوه بالخلق الطيب.

فتبلورت في شخصية المصري صفات الرضا والبساطة والانبساطية التي لا تميل إلى الفردية والمرح والصفاء والطاعة للكبير، وأيضاً التحدي، من حين لآخر للسلطة والذي غالباً ما ينتهي بالخضوع للنظام في النهاية، فيلجأ المصري إلى السخرية للتنفيس، حيث يعترض على الواقع دون أن يتعرض له.

ومن هنا جاءت شهرته أو كما يقول المصريون “إبن نكتة”، وصاحبت تلك التفاعلات بعض السلبيات مثل السلبية والمحسوبية والمحاباة والنفاق والتواكلية بالاعتماد على الدولة حيث المجتمع الفيضي، وهو ما خلق بدوره تناقض خفيف أفضى إلى ظهور شخصية “الفهلوي”، التي تعوض عجزها العملي بالتذاكي المفرط واصطناع اللامبالاة؛ وإذا أردت أن نموذجاً حي للمصري الذي عاش في تلك البلد منذ آلاف السنين ستجده حرفياً في الفلاح المصري.

ولأن أكثر مظاهر التحضر جلاء هو إدراك الوقت واحترام سلطانه، ولأن الحضارة المصرية نباتية الغذاء والملبس والمعمار والبناء؛ وُضعت الزراعة، وما تحتاجه من تنظيم وقتي، التقويم القمري غير الثابت في عدد أيامه، على مسار التغيير.

ففي العام (4260 ق.م) لاحظ المصريون سطوعاً شديداً لأحد النجوم في الليلة السابقة مباشرةً للفيضان وكانت تلك نقطة البدء؛ وعرفوه باسم “سوبد” وهو مشهور عند العرب بالشعرى اليمانية.

فاتجهوا إلى اعتماد التقويم الشمسي أو النجمي، وفيه يبدأ اليوم من الثانية عشر ليلاً؛ وقسموا السنة إلى إثنى عشر شهراً في كل شهر ثلاثة أجزاء، ليصبح المجموع 360 وهو مجموع السنة القمرية، مضافاً إليه خمسة أيام اخترعوها لضبط السنين، وهي أيام النسئ التكميلي ووفقاً لمعتقداتهم هي أيام ميلاد المقدسين الخمسة (أوزوريس، وإيزيس، وست، ونفتيس، وحورس)، وهو التقويم الذي يستخدمه الفلاح المصري والأقباط “المسيحيين” في مصر حتى الآن؛ ونستخدمه نحن الآن باسم التقويم اليولياني أو الميلادي.

وكان للمصريين طريقة شيقة جداً في معرفة السنين بالأحداث التي وقعت خلالها، وساعدهم على ذلك أكثر وجود وحدة سياسية، حيث يبدأ المؤرخ الذي سيسرد الأحداث على جدران المقبرة أو المعبد أو على وثيقة من الحجر أو البردي عادةً بالقول: أنه في السنة الأولى من حكم الملك فلان أو في السنة العاشرة من حكم الملك فلان أرسل حملة وفعل كذا وكذا وحدث كذا وكذا..

المصادر:

  • ويل ديورانت “قصة الحضارة”
  • جيمس هنري برستيد “انتصار الحضارات، تاريخ الشرق القديم”
  • د. عبد العزيز صالح، “الشرق الأدنى القديم، مصر والعراق”
  • د. سليم حسن، “موسوعة مصر القديمة”
  • د. جمال حمدان، “شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان”
  • سيغموند فرويد، “موسى والتوحيد”
  • د. فراس السواح “مغامرة العقل الأولى”.
  • والس بيدج، “آلهة المصريين”
  • روبرت آرموار، “آلهة مصر القديمة وأساطيرها”

فيديو مقال ماذا تعرف عن اللوتس؟