الرئيسية / تاريخ / ماذا تعرف عن اللوتس؟ (2)

ماذا تعرف عن اللوتس؟ (2)

العوامل التي ساعدت “مصر” لتصبح ذات مركز قوي وحضارة عريقة 

التضاريس في مصر 

قُطرَي مصر ما قبل نعارمر “مينا”

 إن سير النهر بشكل مطرد دون أن يعيق سيره أي عائق طبيعي، وطبيعة انحدار الأراضي المصرية من الجنوب للشمال، وكذلك جغرافية الوادي بدءاً من شق أزرق غائر في الكتل الصخرية، ضيق عند كلابشة في أسوان، بين مرتفعين جبليين، يتسع تدريجياً وببطء بالاتجاه شمالاً حيث تدنو منه المرتفعات تدريجياً، وحتى تنبسط حواف الوادي مع الصحراء عند رأس المثلث شمال القاهرة؛ كان المسبب لأن تنمو التجمعات السكانية بشكل رأسي وبدون أي توسع أفقي حتى وقت قريب.

بالإضافة إلى سرعة تيار النهر في الجنوب والتي صَعّبت تنظيم عملية الري، وهو ما يختلف عن الدلتا حيث يتفرع النيل لنهيرات وفروع صغيرة ترسب أكبر كمية من الطمي مع أقل سرعة للتيار، وهو ما عزز الحافز للوحدة تنظيماً للحياة ودرءاً للأخطار، فاستلزمت بالتالي أن تكون التجمعات السكنية المصرية مجردة من الانتماءات أو التمايزات والاختلافات، وحَتّم شكل سطح أرض الوادي أيضاً أن تكون مقامة دائماً على ربوة مرتفعة، وإن لم تكن طبيعية أحياناً كـ “الكوم” أو “التل” فإنها غالباً ما تكون صناعية مرفوعة.

أما في الجنوب فيزيد علي ذلك أن المرتفعات الجبلية في حد ذاتها كانت تمثل أماكن مثالية للعمران، بعيداً عن الأراضي الزراعية، وبعيداً عن بطش الفيضانات، فالفيضان يغرق الوادي كله ويبقى الماء مرتفعاً شهوراً فلا تبرز منه إلا المدن والقرى كجزر ارخبيلية كما وصفها الإغريق، أو كنجوم السماء كما وصفها العرب، كلٍ حسب تأثير بيئته عليه.

ورغم أن الشمال كان أسبق للوحدة من الجنوب إلا أن آثار الصعيد ظلت الأكثر حظاً لاعتبارات چولوچية ومناخية؛ وفي المجمل فإن الوحدة السياسية للقطر المصري منذ آلاف السنين، ليست من صنع البشر كما في دول أخرى بل هو من صنع جغرافية النيل دون منازع.

العمارة وشكل المباني في مصر 

القرية والمدينة

ظلت القرية المصرية، وحتى عهد غير بعيد كما هي؛ فمبانيها متوسطة من طابق واحد مسطحة الأسقف مما منح دوراً اجتماعياً وعائلياً تقليدياً لسطح المنزل المصري منذ أقدم العهود، وتميل في الغالب إلى الشكل الدائري ذي “البؤرة” حيث كل الطرق تؤدي إليها، وكانت تلك البؤرة هي السوق التجاري في العصور القديمة والمسجد في العصور الوسطى والحديثة، فأضحى التعبير الفلاحي “داير الناحية” لفظة أصيلة في الوجدان المصري.

أما المدينة فهي مستطيلة، تتداخل فيها شبكات المباني والشوارع، يكون مركزها “مبني حكومي” عبارة عن عدة مكاتب متعددة مبنية من الطوب اللبن قليلة الارتفاع، ومجموعة الخزانة الملكية على مقربة منها مجموعات من المباني والأحواش، وبالقرب منهم كانت أحياء القادة وكبار رجال الدولة والأعيان بحدائقها ومنازلها الكبيرة، ثم السوق الرئيسي الذي كان يشكل أيضاً بؤرة تبلور للأحياء السكنية الأقل تواضعاً من الأحياء الغنية.

أقدم العواصم

بخصوص العاصمة، فهناك أربعة دوائر جغرافية، كانت بها العواصم على امتداد تاريخ مصر:
الأولى: في مـنف أو ممفيس “جنوب الجيزة حالياً” ثم القاهرة حيث خاصرة الوادي.
والثانية: كانت في “تانيس” و “بر-رعمسو” في “محافظة الشرقية الحالية” وكانت بوابة مصر على آسيا.
والثالثة: كانت في “سايس” “محافظة الغربية الحالية” ثم الإسكندرية حيث كانت بوابة مصر على البحر المتوسط.
والرابعة: في الكاب “بالقرب من إدفو الحالية” ثم طيبة ” الأقصر” حيث منطقة استراتيجية بامتياز في قلب الجنوب وبالقرب من البحر الأحمر.

لكن بالحديث عن الدائرة الجغرافية الأولى أو عن “القــاهرة” خصوصاً؛ فإن مصر كلها تصب في “القاهرة”؛ فهندسياً هي مركز الثقل الطبيعي، وميكانيكياً فهي نقطة الارتكاز لذراعا القوة والمقاومة، وحيوياً هي نقطة التبلور، ووظيفياً هي ضابط الإيقاع كـفتيّ مصر.

إنها تبدو حقاً كموقع من اختيار الإله كما قيل عنها؛ وللحق فإن المركزية التي خلقها النيل جعلت العاصمة، وكما يقال عن القاهرة الحديثة “قلعة لمركزية الدولة”؛ فعلى امتداد تاريخها، ورغم الإصلاحات الإدارية والتوزيعات الجغرافية، يظل جيش الموظفين رابض في العاصمة والمدن الرئيسية الكبرى.

وهناك أيضاً عدة أصابع ثانوية من شكل سطح الأرض الطبيعي تشير إلى القاهرة بقوة، حيث لسان وادي طليمات في الشرق، ووادي النطرون في الشمال الغربي ووصلة شبه واحة الفيوم من الجنوب الغربي.

كما أن صعوبة الحركة والمواصلات عبر الدلتا بالعرض، جعلت الطرق الصحراوية بين الشرق والغرب على طول السواحل الشمالية والدلتا تنثني جنوباً مستهدفةً القاهرة لتتحاشى صعوبة اختراق الدلتا بشبكة ترعها المتراصة وطرقها الرخوة، تماماً كما تتحاشى طرق المواصلات البعيدة المدى مستنقعات الجنوب الرخوة في العراق مستهدفة أول أرض صلبة عند منطقة “بغداد”.

وباختصار، إن القاهرة تقع بين قوسين معلقين من التاريخ الإسلامي في الشرق والفرعوني في الغرب؛ فعلى هضبة الأهرم وإن كانت معلقة كالحفريات، بينما سفوح المقطم وعند أقدامه تعيش الأحياء الشرقية القديمة تاريخاً إسلامياً مكدساً، في حين ترقد المدينة الحديثة في القاع المنخفض بين القوسين التاريخيين المرتفعين، وهي بهذا خير نقطة تختزل تاريخ مصر، وفي الحقيقة ربما كانت القاهرة أو بالأصح منطقتها أقدم عاصمة في العالم.

حدود مصر الطبيعية وامتداد وادي النيل  

محور إقليمي

كقاعدة ارتكاز الشخصية المصرية فإن الثنائية التي لعبت الدور الرئيس في خيال وعقيدة المصريين ورؤيتهم للعالم تستمر في إلقاء ظلالها علي الجغرافيا، فإذ نظرت إلى خريطة القطر المصري تجد الكثير من الثنائيات، الوادي والصحراء، والصعيد والدلتا، ساحلي الأحمر والمتوسط، وامتدادها الاستراتيجي براً “سيناء” رابطةً بين آسيا وإفريقيا، وثنائيات أخرى عديدة.

وقد ظل وادي النيل دوماً وعلى مر السنين ملتقىً لطرق العالم القديم؛ لأن الشريط الساحلي ما بين غزة وبورسعيد حالياً كان قديماً هو الطريق البري الوحيد بين آسيا وإفريقيا، فالشريط جنوب سيناء أبعد وأكثر إرهاقاً وبمعزل عن العالم.

وكذلك فإنه لا يمكن الاتجاه جنوباً إلى قلب إفريقيا سوى عن طريق مسار النهر لأنه لا يوجد طرق أخرى على امتداد شمال القارة الإفريقية؛ فجميعها داخل الصحراء القاحلة التي تمتد من شمال إفريقيا وحتى إقليم التبت في أواسط آسيا.

علي أية حال؛ في كتابه “فلسفة التاريخ” تَـعرّف “هـيجل” في كتابه على ثلاث مناطق كبرى في إفريقيا وهي:
جنوب الصحراء وهي إفريقيا بالمعنى الصحيح، وشمال غرب إفريقيا واعتبرها جزءاً من أوروبا، وأخيراً وادي النيل الذي ألحقه بالنظم النهرية الأسيوية الكبرى.

وللحق، كان الإغريق أحياناً يعتبرون الدلتا جزءاً من آسيا تاركين الصعيد لإفريقيا؛ وفي “فضائل مصر” لفيلسوف العرب “الكِنّدْي” يقول “صعيدها كأرض حجازية حرة كحر الحجاز، وأسفل أرضها شامي يمطر كمطر الشام”.

وعلى الرغم من ذلك فإن التميز عن ما حولها يبدو منذ الوهلة الأولى ظاهراً بجلاء وملفتاً للحواس؛ أو كما يقال فإنها “كانت دائماً عالماً واحداً وبذاته، وهي اليوم تعطي برهاناً متزايداً على تميزها عن بقية القارة”.

وهو ما ذهب إليه “سليم حسن” حين قال: “أنه لا يلزمنا أن نبالغ في أهمية الجنسية الآسيوية في مصر؛ إذ في الواقع أن حضارة البلاد من أساسها إفريقية، ولذلك نجد اللغة والزراعة والديانة التي نمت وترعرعت في البلاد مصبوغة بصبغة أهلها الأصليين منذ أقدم عهودهم..”.

وخلاصة القول، إن مصر صاحبة أقدم قاعدة نفوذ في الشرق الأدنى القديم في الجبيل القديمة “في لبنان الحالية”؛ وكان لها علاقات تجارية مع مدن الشام و “وادي السند” و”مدن السومريين” في بلاد الرافدين منذ العام 3000 قبل ميلاد السيد المسيح تقريباً.

فقد كان على السلطة المركزية -الممثلة في الملك- أن تتابع بانتظام أمن الطرق المؤدية إلى تلك الأسواق، وتشير المصادر بانتظام، وبإسهاب، إلى الحملات الحربية في عهد كل ملك من ملوك الأسرات الوطنية تقريباً، وحتى الأسرة الحادية والعشرين، خاصةً الحملات المتعلقة بتأديب بدو الصحراء الشرقية وسيناء وفلسطين.

ومن أبرز مظاهر السيادة المصرية ونفوذها في الشرق في العصور المتقدمة، كان بعثة من 37 رجل ذوي ملامح سامية “أي تنتمي للجنس السامي”، يحملون الكحل والخزف وأشياء أخرى كتعبير عن الولاء للملك سنوسرت الثاني في عصر الدولة الوسطى، وقد ذكرتهم المصادر المصرية حيناً باسم “العابيرو” أو “العامو” أو “الحقاخاسوت والتي حرفتها اليونانية إلي الهكسوس” وتترجم إلى البدو الرعاة أو سكان البادية “الصحراء”.

ولا يوجد ماهو أدل من أن تاريخ المدن القديمة في فلسطين ولبنان وساحل سوريا يمكن استبيانه بجلاء من خلال وثائق “تل العمارنة” في عهد الملك “آخناتون” في عصر الدولة الحديثة.

لذلك فلا عجب أن نجد مقولة تنتمي لأشهر قادة الأسطول الإنجليزي “هوراشيو نيلسون” في سياق الدور الإقليمي لمصر القديمة أن “مرونة الأسلوب المصري والوسائل.. التي حققوا بها الأمن والسلام على أساس التوازن بين القوى المتعارضة تدل على عبقرية شعب عظيم”، مع العلم أنه عاش في عصر كانت إنجلترا تعتقد فيه أنها من ابتدعت نظام “توازن القوى” في العلاقات الدولية.

وختاماً..

شخصية المواطن المصري

واقتباساً عن “نيلسون” أيضاً في تعبيره عن شخصية مصر الجِدّ فريدة أنه: “في داخل مصر كانت أشد الأفكار تبايناً تتقبل بتسامح وتُنسَج معاً فيما قد نعده نحن المحدثين كانعدام للنظام في تضارب فلسفي ولكنه كان للقدماء متكاملاً، وكان طريق المصري هو أن يتقبل التجريدات وأن يُضمنها تفكيره دون نبذ القديم والبالي، وإن القديم والجديد ليرقدان معاً كلوحة سريالية ما، للشباب والشيخوخة على وجه واحد”.

وأخير؛ سأطرح ذات التساؤل الذي طرحه الراحل “جمال حمدان” أنه: وفي ظل تاريخ ألفي متصل، وبيئة مادية وبشرية خاصة، دون قوالب منمطة أو أقفاص حديدية، بل كالعدسة المجمعة؛ يكون التساؤل المثير للانتباه، أليست تجنح تلك العملية بمجمل المجتمع نحو قدر ما من التشابه النسبي وشبه التمازج الكلي..؟

المصادر: 

  • ويل ديورانت “قصة الحضارة”.
  • جيمس هنري برستيد، “انتصار الحضارات، تاريخ الشرق القديم”.
  • د. عبد العزيز صالح، “الشرق الأدني القديم، مصر والعراق”.
  • د. سليم حسن، “موسوعة مصر القديمة”.
  • د. جمال حمدان، “شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان”.

فيديو مقال ماذا تعرف عن اللوتس؟