<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / فلسفة / فلسفة اللغة التجريدية

فلسفة اللغة التجريدية

معاني التجريد

الفلسفة التجريدية

التجريدية هي شعور تجريدي بالأشياء، ونفوذ عميق إلى جوهرها النقي المجرد، وفي المعاني والكلمات هو إدراك العمق الشعوري والإحساسي فيها، ولا يتعارض هذا أبداً مع عذوبتها وقربها الرمزي كما أثبتته الكتابات الشعرية السردية ما بعد الحداثوية في تجريدياتها.

التجريد في الإبداع الإنساني

إذا ما علمنا أن فلسفة التجريد في الإبداع الإنساني هو النفوذ عميقاً إلى حقائق الأشياء والاتجاه وبقوة نحو الكلي فيها وتجاوز الشخوصية والجزئية، حينها نعلم أن الرمزية المتعالية والهذيانية إنما كانت محاولة في التجريد وليست هي التجريد بالضرورة، يقول “كولنز” (إن الأدب العام يظهر التجريديين التعبيريين بأنهم بدائيون بوهيميون ومهاجرون فائقو الذكاء هجروا مجتمعاً مادياً لا عاطفياً) (1).

هل الفن الرمزي شكل من أشكال الفن التجريدي؟

ما هو مطلوب فعلاً في التجريد هو الوصول إلى تعبيرية العناصر الأساسية للمكونات الإبداعية، وإدراك ذلك العمق التعبيري لها، يقول “كاندنسكي”: (من بين جميع الفنون فإن التجريدية أصعبها أنها تتطلب أن تكون رساماً جيداً وعالي الحساسية والإدراك بالألوان والتراكيب وأن تكون شاعراً حقيقاً، والشرط الأخير أساسي) (2)، وإذا ما كان ذلك يسيراً في اللون والصوت لأنها مجانية بطبيعة حالها، فإن ذلك صعب جداً في الكلمات لأن الوظيفية مترسخة فيها في الوعي، لذلك لجأت المحاولات الحداثية في التجريد إلى الرمزية المتعالية والتعدد التأويلي، وإلى التشظي التعبيري، والإبهام والانغلاق.

إن العمق اللامجاني للمعاني والكلمات جعل المحاولة الحداثية في التجريد تعتمد على الرمزية والهذيانية والنص متعدد التأويلات والانغلاقية، وصار من أشكال التجريدية الحداثية المعروفة الرمزية التجردية والتجاورية التجريدية، لكن قد عرفت أن ذلك ليس واجباً لأجل التجريد فضلاً عن أن يكون هو التجريد في الكتابة، وقد حاول النقد تبرير كل هذا حتى وصل إلى اللامعنى والهذيان، وحينها ارتكبت الحداثة أكبر خسارة إنسانية بإيصال النص إلى تلك المراحل من الجفاف والجفوة والخواء.

بينما نصوص ما بعد الحداثة المتعمقة في الإنسانية والهم الإنساني فإنها فهمت التعبيرية والتجريدية كفلسفة ونظام لا يجب أن يتعارض مع روح الأدب ورسالته، فالتعبيرية ليست انغلاقاً بل عطاء، والتجريدية ليست تأويلية ورمزية مغلقة بل عذوبة ونفوذاً في النفس، يقول “ديفد غويللو” أحد رواد الأدب التجديدي: (إن الأدب التجديدي سري ولغز، إلا أنه يمكن أن يكون تجربة عميقة وصادمة لكل قارئ).

التجريد في الكتابة 

إن الميزة الأهم، والخاصية المميزة للكتابة التجريدية أو العمل الفني التجريدي عموماً هو الاعتماد على الثقل الشعوري، والعمق الفكري، والنفوذ في الوعي للعناصر الفنية، بعيداً عن التشكل والتشخص، فلا يرى المتلقي شخوصاً وأشكالاً، بل ليس هناك سوى أحاسيس ومشاعر منقولة عبر الأداة الإبداعية من لون أو صوت أو كلمة.

التجريد في المعاني

وفيما يخص المعاني فإن التجريدية تعمد إلى تقليل الاعتماد على توصيلية الكلمات ومنطقيتها ووعيها الإفادي والتفهيمي، في المقابل فإنها تعتمد على ثقل الكلمات الشعوري وزخمها الإحساسي وطاقتها التعبيرية بذاته، لذلك فإن الإحساس والشعور والعمق الفكري ولأجل تجلي هذه الأمور بقوة في الكتابة التجريدية فإنها تصل إلى المتلقي قبل المعاني وقبل الفهم، فيحس المتلقي ويدرك النظام الشعوري والإحساسي قبل أن يدرك الإفادات  المعنوية والتفهيمية المركبة.

التجريد في التعبير ولغة التعبير 

 التجريدية ترتكز على استعمال اللغة والألفاظ بشكل تعبيري غير معهود، أي ليس لأجل نقل المعنى وتوصيل الفكرة و الحكاية، وإنما لنقل الإحساس والشعور، وجعل المشاعر والأحاسيس هي ما يتجلى بالألفاظ وليس المعاني والمغزى، فتكون الألفاظ والجمل كألوان مجردة من دون تشكل محاكاتي؛ أي بشكل ألوان في لوحة تجريدية تعتمد في تأثيرها على الإحساس والشعور وليس المحاكاة و المعنى.

إذن التجريدية في التعبير واللغة هو استعمال اللغة في نقل الإحساس والشعور وليس الحكاية، فتتخلى الألفاظ عن وظيفة نقل المعنى إلى نقل الإحساس المصاحب له كمركز للتعبير، فيرى القارئ الأحاسيس والمشاعر المنقولة أكثر مما يرى المعاني.

وانطلاقاً من فكرة إنّ الإبداع اللغوي، وخصوصا الشعر لا يتجه بالأساس نحو البناء المعرفي والمفاهيم، وإنّ محور الإبداع هو عالم المعنى والشعور و الإحساس، فإننا يمكن فهم اللغة التجريدية بأنها اتجاه عميق نحو صور خالصة ومجردة وكلية لموضوعات الأدب، وعوالم الجمال والشعور والإحساس و المعنى، التي تعصف بنفس الشاعر وتلهمه.

و تختلف هذه التعبيرية بشكل واضح عما يتجه نحو الجزئي من تجرية وجماليات وموضوعات قريبة، و ينعكس ذلك بشكل ملحوظ على لغة التعبير لأن خصوصية الموضوع لها تأثيرها الحاسم في شكل اللغة التي تتحدث عنه، فبينما الجلاء، والوضوح، والقرب، والاحتفاء، والمجاز التعبيري، وحتى الرمزية الموظفة من سمات اللغة المعبرة عن التصورات الجزئية لموضوعات الإبداع والجمال الجزئية بلغة تعبيرية جزئية تشخصية، فإن التجسيد الخالص، و التصورات الكلية، والرمزية المبتكرة، والتحليق الحر، والعمق البعيد من سمات اللغة التي تتجسد فيها التصورات الكلية لموضوعات الإبداع والجمال الكلية بلغة تعبيرية كلية تجريدية.

ما تتصف به لغة التجريد

لا بد من القول -وبشكل حاسم وواضح- أن الانطلاق بالكتابة من العوالم العميقة، والكلية للمعنى والشعور لا يكفي لتحقيق التجريد، بل لا بد من أن يظهر أثر ذلك في اللغة أيضاً، ولا تكفي الرمزية مع توظيفها وحكايتها ووصفيتها، بلا لا بد أن تكون في وضع الإشعاع والتوهج المرئي بدل الحكاية. بالإضافة إلى عناصر الإبداع من الفنية والجمالية والرسالية التي يجب توفّرها في العمل الشعري الناضج، لا بدّ أن تتصف اللغة التجريدية بصفات محددة أهمّها أن تكون تعبيراً عن عالم عميق للمعاني والأحاسيس، بوجوداتها الخالصة الحرة، البعيدة عن التشكل والقصد، ببوح كلي وكوني وإنساني عميق، بمفردات وتراكيب لا ترى فيها إلا تجليات وتجسيدات لتلك العوالم وعناصرها من خفوت شديد للقول والحكاية والتوصيل، بلغة تشع ولا تقول. حينها نكون أمام لغة تجريدية لغة الإشعاع التي تتجاوز مجال القول والتشخّص.

1- https://www.jstor.org/stable/3045794?seq=1#page_scan_tab_contents

2- http://news.westbranchgallery.com/decoding-abstraction/

فيديو مقال فلسفة اللغة التجريدية