الرئيسية / إسلام / قرصنة النص الشرعي

قرصنة النص الشرعي

تم تعريف القرصنة بمفردات كثيرة قد يتوه معها القارئ، ولكن فعليا فإن معنى القرصنة بشكل مُبسّط دون عكسه على التطور كبرمجيات و(بحريات) فإن معناها هو (الهجوم بقصد النهب)، كان هذا التعريف البسيط الذي لا يختلف عليه أحد.

هدفي في السطور التالية ليس الحديث عن القرصنة بشكلها التقليدي، بل سأخرج من الصورة الذهنية التي تكونت لك عزيزي بمجرد قراءتك للكلمة إلى معنى مُخصّص قد أكون أول من سيمنحه معنى جديد بدمجه وإلحاقه بكلمة أخرى.
تابع معي عزيزي فالموضوع بحاجة لتأني في القراءة تماماً كما تأنيت بكتابته.

مافعله مصعب بن الزبير من إسقاط الآيات على الحياة اليومية في خطبته

أورد الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) وكذلك ابن كثير في كتاب البداية والنهاية خطبة مصعب بن الزبير أمير العراق التي ألقاها في زمن خلافة أخيه الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير، عندما أرسله الأخير إلى العراق ليكون والياً عليه، فلما وصل البصرة قام خطيباً بين أهلها، فقرأ بدايات سورة القصص: “طسم(1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(4)” وأشار بيده نحو الشام حيث ملك بني أمية وعلى رأسهم عبد الملك بن مروان.

ثم قرأ قول الله تعالى وايضا من ذات السورة: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} وأشار نحو الحجاز، حيث خلافة عبد الله بن الزبير في مكة.

ثم قرأ قول الله تعالى من السورة ذاتها مرة أخرى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}وأشار بيده نحو العراق حيث كان يتولى إدارة بعض مدنه المختار بن أبي عبيد الثقفي.

مما سبق يتبين لنا بشكل جلي ان اسقاط الآيات على الحياة اليومية امر شائع بين أهل العلم، فمنها – اقصد الاستشهاد بالنص الشرعي- ما يوافق القواعد الشرعية والاحكام الكلية لها، ومن الممكن ان يكون مخالفاَ لما اقره الوحي.

أسباب وقوع بعض أهل العلم في مخالفة استخدام النص الشرعي

مخالفة استخدام معنى النص الشرعي في المُعتاد لا يقع به اهل العلم ممن توسعوا بالقواعد الشرعية، فإن وقعوا بها فهم بين سببين لا ثالث لهما.

  • الأول ربما هو خطأ وكما قيل (جلّ من لا يسهو).
  • والسبب الثاني هو ارضاءً لأحدهم او ربما الرأي العام الدارج مستغلاً فهم (العوام) للنص الشرعي الذي قد لا يتعدى احكام الصلاة والصوم والزكاة والعبادات التي تُمارس بشكل مُستمر.

ابتعادنا عن تعليم القواعد الشرعية اوقعنا تحت سطوة (العلماء) وأخص بالذكر هنا علماء السلطان الذين يوظفون النص الشرعي ويمسكون بزمام قواعده يأخذونها حيث شاء السلطان ناهيك عن المصالح الشخصية لهذا وذاك.
وبدون اي توسّع في ما يُطلق عليه (توظيف النص الشرعي) فالأمر واضح جداً لا يحتاج الي تلك الشروح الكثيرة خاصةً لمن له دراية بما يُسمى (بالعلم الشرعي الواجب على كل مسلم).

تلازم النصوص والواقع وارتباطهما الوثيق لمن فهم مراد الوحي

يُقرر الإمام ابن القيم في مواضع كثيرة من كتبه تلازم النصوص والواقع وارتباطهما الوثيق لمن فهم مراد الوحي كما اورد امثلة كثيرة منها ما ورد في كتابه مدارج السالكين في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}

حيث قال: “فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً ونجاة وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل لم يعقبوا وارثاً، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم أو دونهم. وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك”[3].

وجهة نظر الحاكم أو الوالي في توظيف النص الشرعي

حتى ان الوالي او الحاكم له وجهة نظر خاصة به لتوظيف النص الشرعي لتحقيق مبتغاه، خاصةً إن كان من ذوي العلم الشرعي الذي لا يُستهان به وخالط اهل العلم.

مثال على ذلك

ومن أكثر الامثلة قرباً الحوار الذي دار بين أبي شريح الصحابي وأمير المدينة في زمن عبد الملك بن مروان، وآتيكم هنا بالنص كاملاً من كتاب (اللفظ المكرم بخصائص النبي المعظم) لمحمد الخيضري.

حيث قال: عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي رضي الله عنه أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص وهو يبعث البعوث إلى مكة: «ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول الله الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لرسوله ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب».

فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة.
فأراد أبو شريح الخُزاعي تنزيل الحديث وتطبيقه في فعال هذا الأمير المتهور وتحذيره من ارتكاب ما حرم الله تعالى من سفك الدم الحرام، ولكن الأخير حاول استغلال النص الشرعي الصحيح لتوظيفه في مآرب سياسية من أجل تثبيت حكم سيده والتنكيل بمعارضي الحكم.

وهناك من الأمثلة الكثير التي حوتها بطون الكتب التاريخية والفقهية وصولاً لتأصيل الحكم الشرعي وتفنيده بطريقة علمية.

مصطلح قرصنة النص الشرعي

اخي القارئ،، ان ما يرتكبه البعض من الشيوخ ومن يُطلقون على انفسهم علماء في عصرنا هذا ما هو الا قرصنة للنص الشرعي، فالعلم الشرعي اصبح حكراً لهم خصوصا في مجتمعات لا تقرأ الا من رحم ربي،، فيأخذون منه الحق ليسقطوه على غير الحق وما القرصنة عنهم ببعيد.
أصحاب الشهوات يقتحمون الفواحش ويهجرون الفرائض وينغمسون في المعاصي فإن أنكر عليهم ناصحٌ أو وبّـخهُم مـُشفقٌ أشهروا في وجهه حديث(التقوى هاهنا)!!

الخلاصة

نعم للاستشهاد بالنصوص لتقوية الحجة وبيان الرأي ولكن ان تقوم بتوظيفها لتحقيق غاية معينة فما انت الاّ قرصان.
توظيف النصوص لخدمة هوى النفس أو لتبرير سوء المسلك أو لتسويغ فساد الاعتقادات ، حيلةٌ يلجأ إليها من رق دينه وضعف إيمانه وقل (تعظيمه) لشرع ربه.
الصحيح والثابت ان النصوص الشرعية لم توجد لتوظيفها للخصومات الشخصية والحزبية وما استخدامها الاّ بداية الطريق لجدلية لا طائل منها.
دمتم

فيديو مقال قرصنة النص الشرعي