الرئيسية / تاريخ / كم من أندلس فقدنا..؟!

كم من أندلس فقدنا..؟!

عجز الفكر عن معرفة الحقائق كاملة

لم يكن لاهوت الكافرين خاطئاً فقد اعتقدوا أيضاً، أن “الله” خلق العالم كما قالت الآية ٦١ في “سورة العنكبوت”، وبالنسبة للفظة “الكافرين” فإن جذر كلمة “كَفَرَ” يعني “جَحَد” أي الرفض المستكبر بشيء يُقدم بغرض الرحمة والتعاطف.. هذا ما تقوله عالمة الميثولوجيا “كارين أرمسترونج”، في خصوص العرب المسلمين الأوائل.

ودون التعمق في آرائها المبنية على تناقضات داخل عقيدتها، ومن حيث قال “جون لوك”: “..إن ما مزق أوروبا في العصور الوسطى هو فكرة الناس القاصرة عن الله”؛ يتضح أن مدلول المجموع الفكري للعصور الوسطى يشير إلى أنه لا يمكننا أبداً أن نفهم ما المقصود من كلمات الله، فالمعرفة البشرية قاصرة دوماً، ولا يمكن خروج ما يجول في رأسك من أفكار، عن ذاتك وعن العالم من حولك، خارج إطار عصرك ومجتمعك ومداركك العقلية؛ ولذات السبب فإن القدرة على التعرف وهضم ثقافة “الآخر” المختلف، قد تكون صعبة في أحيان كثيرة.

وعلى سبيل التوضيح؛ فقد طرح المؤرخ الفرنسي”چون تولان” تساؤلات وجيهة مثل:
ما الصور التي كونها رجال ونساء العصر الوسيط عن العالم الذي عاشوا فيه؟ وماذا كان تصورهم عن الحدود -الجغرافية أو الدينية أو الثقافية، أو ما سوى ذلك- التي فصلت ما نسميه نحن -أبناء العصر الحديث- بالعالم الإسلامي عن أوروبا؟

وأشار إلى أن الإجابات عديدة، فالمنظور يتغير تبعاً لتغير موقع النظرة، سواء كانت صادرة من بغداد في القرن العاشر، أم من طرق الأناضول غير المستقرة في القرن الحادي عشر، أم من سفينة “تابعة لمدينة جنوة الإيطالية” مبحرة قبالة السواحل المصرية في القرن الثالث عشر، أم في المغرب في القرن الرابع عشر، أم من الرأس المقدّس “غرب البرتغال” في القرن الخامس عشر.

ثم وبعد محاولات عديدة منه لإيجاد إجابة تستأهل الوضع في الاعتبار توصل إلى: “…أننا مضطرون إلى الاعتماد على تأملات تركتها نخبة مثقفة محدودة حول جغرافية وإثنوغرافية العالم الذي سكنته… قد نجد صعوبة في التمييز بوضوح بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية والتفسير الديني: فالجبال مثلاً، يجري تصويرها أحياناً على أنها تجلياً للقوة الإلهية وقد يفسر مناخ بلاد الشمال قارس البرودة عجز الإفرنج عن إدراك تفوق الإسلام..”.

دروس غير مستفادة..

إن الحقيقة التي يعلمها الجميع، ولخصها “ريتشارد نيسبت”، أحد المتخصصين في العلوم الإنسانية، أنه : “… في أوج عصور ازدهار الشرق، وحيث كان العرب يناقشون أرسطو وأفلاطون، وبينما كان الصينيون يبدعون في العلوم والرياضيات، كان الأمراء الأوروبيون يأكلون اللحم داخل قلاعهم الباردة الرطبة…” ؛ ويؤكد مرسوم الملكان “فرناندو الثاني” و”إيزابيلا” -الذي اختصر الاختيارات أمام غير المسيحيين في إسبانيا على اختياري: “التعميد أو الطرد”، الصادر بعد سقوط آخر معاقل العرب، في غرناطة، عام ١٤٩٩م- مدلول العبارة السالفة على نحو ممتاز.

لكن من الأشياء التي تلفت الانتباه، هي إشارة “قاسم عبده قاسم” أن مصطلح الحملات الصليبية لم ينشأ آنذاك وما حدث أنه في القرن الثاني عشر الميلادي ظهرت كلمة “Crusesganati” اللاتينية وتعني الموسوم بالصليب لأنهم كانوا يخيطون الصلبان على ستراتهم، ففي البداية كان من يشاركون في الحملة يوصفون بالحجاج “Preregrini “، وكذلك كلمة “Expeditio” لا تعني سوى “الرحلة”، وكما كان يطلق على الحملات في البداية “مشروع يسوع المسيح Wegotium Jaesus Christi “.

ويؤكد “قاسم” أن المؤرخين المسلمين الأوائل لم يدركوا أبعاد الحركة لأنهم لم يدرسوا إفرازاتها العسكرية، ولكنها وصفوها بحركة الفرنج رغم قدرتهم على التفريق بين الألمان والإنجليز والفرنسيين وهو ما يجعل الجيل الثالث لا يربط بين حركة الفرنج والمسيحية والصليب على أي نحو.

وبالعودة إلى أوروبا اللاتينية، في الفترة مابين القرنين الثالث وحتى القرن العاشر الميلادي تقريباً، تحصن الأرستقراطيون في قصورهم أثناء الغارات قبائل الشمال الكلتية والجرمانية، محاطين بأتباعهم من الزراع وأُسر من الموالي وأعوان عسكريين؛ ومع مرور الوقت توسعوا في تكوين وحدات اقتصادية “شبه مستقلة” في الريف حتى أضحت الكثير من الأدوات التي كانت تشترى من المدن تصنع في الضياع الكبيرة من القرن الثالث.

وفي ظل تلك الظروف، ونتيجة لأن المغيرين كانوا فرساناً فبالتالي كان من يمتلك الجياد من الأوروبيين يطلب للدفاع، فنشأت بين الدوق والبارون من جهة وبين العامة والفلاحين من جهة أخرى طبقة الفرسان، كما حصلت الأديرة على إقطاعات مستقلة بحكم الفوضى واللامركزية لكنها خضعت للبابا في روما في المقام الأول.

وحيث يتأجج الصراع السياسي وتزحف الفوضى، يزدهر الجهل ويلحق به الفساد ثم الجوع، فتجد الأدبيات الأوروبية آنذاك متشبعة بفكرة نهاية العالم بعد مرور ألف عام على صلب المسيح، وهو ما غذاه عدد من الظواهر الفلكية والطبيعية فتجد تفسير الراهب الفرنسي “رالف جلابير” لثورة بركان “فيزوف” في إيطاليا أنه: “..نذيراً باقتراب القيامة وبأن زمن الهلاك وشيك يتهدد أرواح البشر..”، لذلك لم يجد المواطن الأوروبي سوى التعلق بأهداب الدين وهو ما منح روما قاعدة شعبية عريضة ساندتها في حسم صراعاتها مع أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

ولذلك، ما إن بدأت خطبة “أوربانوس” الحماسية في مجمع “كلير مون فران” جنوب فرنسا عام ١٠٩٥م، بدأ الفرسان الإفرنج يخيطون الصلبان على الأكتاف اليمنى من العباءات: قائلين أنهم جميعاً سيقتفون أثر خطوات المسيح.. وتحولت الصلبان التي تخاط على عباءات الفرسان كشارة أو “خاتم الشعار” ؛ وأما للنبلاء فكانت الصيغة في صورة صكوك أصبحت تباع وتشترى من قبل الكنيسة فيما بعد حرفياً فيما عرف ب”صكوك الغفران”.

فأصبحت “صكوك الغفران” تستعمل من جانب الكنيسة بصورة مطردة وآخذة في التوسع ضد الأمراء والملوك المرتدين خاصة فرديدرك الثاني الإمبراطور المارق، ومن خلال صكوك الغفران حشدت روما الأوروبيين لاقتلاع كابوس الساراسين “Saracens” من أسبانيا في حملاتها التي وجهت ضد خلافة قرطبة، وتختصر الأمور بقول البابا عام 1326م:
“.. لقد فكرنا أن نمنح الغفران الذي قد اعتاد الكرسي الرسولي منحه في حالات مماثلة، لأولئك الذاهبين إلى نجدة الأراضي المقدسة..”.

من غرناطة إلى بغداد؛ تحياتي..

إن دراسة أي لغة ما وممارستها، تعني دراسة ثقافة أهلها وأفكارهم، لأن اللغة ليست مجرد ألفاظ للتفاهم بين أفراد، وإنما وعاء يحوي مكونات وجدانية ومعتقدات؛ فتعلم أي لغة يستتبعه تعلم ثقافة أهلها وأفكارهم ومعتقداتهم، وكذا الإلمام بأي ثقافة يستلزم الإلمام باللغة التي تمثل تلك الثقافة.

وللحق، إذا كانت مصر هبة النيل؛ فالحضارة الاسلامية هبة اللغة العربية، فالعرب لم يهتموا بأي علم سوى علم اللغة قبل الدعوة المحمدية، إذا اعتبروه علماً، ولم يكونوا يتعاملون مع لغتهم كوسيلة طيعة غنيّة للتعبير عن مشاعرهم شديدة التقلب، كليل الصحراء ونهارها، في الشعر والأمثال وأخبار العرب وأنسابهم.

لذلك فإن معجزة النبي محمد (صلعم)، حتماً، كان لابد لها أن تكون “كتاب”، وحينئذ، قد لا يبعث على الدهشة، إيمان العرب برسالته آنذاك، إذا ما وضعنا في الحسبان أن إجادتك التامة للغتك الأم قد تجعلك تفرق جيداً بين شخصية صاحب الكتابات خاصةً إذا كنت تعرفه جيداً، وأيضاً ما إذا كان المكتوب كُتِب بإحكام لغوي أي لا أخطاء، بمفهومها الواسع، فيه؛ وأن العرب علموا جيداً أن هذه ليست بكلمات محمد أو غيره.

وعلى صعيد سياسي محض؛ ومن منطلق تقسيم “يوسف العش” لنظم حكم ما بعد النبي محمد (ص) إلى: دولة الراشدين والأمويين كانت دولة عربية حيث كان الحكم والإدارة فيها في يد العنصر العربي الخالص، ثم دولة العباسية والتي وصفها بالدولة الاسلامية، فإنه وباكتمال أركان “السيادة” لدولة العباسيين في “بغداد” وهرب الأمراء الأمويين إلى الأندلس لتأسيس خلافة “قرطبة”، تبلورت معالم المدنية الاسلامية الفارسية، وأصبح العباسيون الوريث الشرعي للساسانيين “الفرس”، أحد كتلتي القوة في العالم القديم.

وقد اتفق معظم المستشرقين “المؤرخين” الأوروبيين، والكثير من المؤرخين الشرق أوسطيين، أن أزهى مراحل الرقي الثقافي في الحضارة الاسلامية قد لا يخرج من فترات حكم الخلفاء العباسيين “المنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم والواثق” حتى اندلاع الحروب الأهلية في عصري الاضمحلال؛ وفي مراحل متقدمة، في الوقت الذي كان المسيحيون يذبحون المسلمين في الشرق الأوسط كان بعض منهم يسافر إلى إسبانيا للدراسة على أيدي العلماء المسلمين بقرطبة وطليطلة، وهناك اكتشف هؤلاء الأوروبيون أعمال أرسطو والعلماء والفلاسفة الإغريق التي كانت قد فقدت بالنسبة لهم منذ سقوط روما، وكذلك كتابات المسلمين واليهود، فترجم الأوروبيون -بمساعدة اليهود المحليين- تلك الكتابات.

ويؤكد “آرنست رينان” ذلك حين قال: “أن العرب الفاتحين قد حملوا على أكتافهم -فرحين- غنائم النبوغ والفلسفة.. فهؤلاء المدمرون للإمبراطوريات كانت لديهم مجموعة من العلوم التي قاموا هم بأنفسهم بخلقها.. والحال بأن إبن سينا وابن رشد، وهما طبيبان ورياضيان وفيلسوفان، قد صانا تراث العلوم الحقيقية عبر الترجمات والشروح.. إن عدداً من الأعمال التي ضاعت أصولها اليونانية لا توجد إلا في ترجمات عربية؛ ومن المؤكد أن ما طردته بربرية أوروبا إلى آسيا قد وجد ترحيباً لدى العرب والحال أن الخليفة المنصور هو أول من أتاح لرعاياه تذوق العلوم لكن المأمون، الخليفة الخامس هو الذي شجع أكثر من سواه رجال الأدب..”.

وختاماً..

إن أحد البصمات التي لا تنسى في التاريخ البشري بدأت ب”كتاب” من قلب جزيرة العرب في القرن السادس وانتهت بالنار والدم في غرناطة في القرن الخامس عشر..

ألف عام أثبتت أن ما يتذكره التاريخ فقط، هو ما قدمته حضارة ما للبشرية من الفكر، لا القتل والعنف..

بصمة قد لا يسعف وصفها بأنها.. “مدنية استحقت بالفعل أن توجد..”.

المصادر..

  • ريتشارد اي نيسبت “جغرافيا الفكر”.
  • عبد العزيز الدوري “التكوين التاريخي للأمة العربية”.
  • قاسم عبده قاسم “ماهية الحروب الصليبية”.
  • هنري لورانس وجود نولان وچيل ڤاينشتاين.. أوروبا والعالم الإسلامي “تاريخ بلا أساطير”.
  • ويل ديورانت “قصة الحضارة”.
  • يوسف العش “الدولة الأموية”.

فيديو مقال كم من أندلس فقدنا..؟!