<جوجل اناليتكس>
الرئيسية / مسلسلات وأفلام / المسلسلات التركية / مسلسل قيامة أرطغرل في الميزان

مسلسل قيامة أرطغرل في الميزان

استخدام الإعلام كوسيلة لتحقيق المصالح

لقد أصبح الإعلام اليوم هو الأداة الأولى في تشكيل الأفكار، والآراء بل والتحكم في الشعوب بمختلف طوائفها، ناهيك عن توجيه الأصوات الانتخابية واختيار مرشح بعينه سواء بتأثير إعلامي مباشر أو بتأثير غير مباشر، وكذلك سواء بتأثير قريب المدى أو بتأثير بعيد المدى.

فالتأثير المباشر هو التوجيه صراحة اتجاه شيء معين مثل التوجيه الإعلاني اتجاه منتج معين، أما التوجيه غير المباشر مثل التنفير من مرشح أو طائفة والتخويف منها.

وكل هذا قد يكون قريب المدى مثل الدعاية المباشرة تجاه الإسلام وفقاً لما يحدث في دول الغرب الآن وعلانياً من التنفير من الإسلام ومثل ما تفعله الصين حالياً من التشنيع بمسلمي تركستان الشرقية المحتلة (شينجيانغ الآن)، أو بعيد المدى مثل الأفلام العربية والتي كانت تصور من صورة الشيخ أنه محب النساء وجشع وإرهابي وغير ذلك من الأفلام والمسلسلات التي شكلت أفكار الكثيرين خلال فترة الستينات وما بعدها، فأخرجت جيلاً كل ظنه أن أرباب اللحى إنما هم إرهابيين.

ونظراً لأهمية الإعلام في الوقت الحالي فإن كل دولة تريد أن تنجح وتتقدم وتستقر لابد أن تولي الإعلام بشتى أنواعه اهتماما كبيراً، ففي أمريكا يسيطر اللوبي الصهيوني سيطرةً كاملةً على الإعلام ليستطيع أن يوجه الانتخابات الامريكية كيفما شاء وكيفما أراد، فدور النشر وأكبر القنوات والصحف تتبع اليهود بل وتعلن ذلك صراحة.

بل نستطيع القول إن سر نجاح العلمانيين هو الاهتمام بالإعلام وتقديم صورة مروعة للطرف الآخر، بل وتصويرهم على كونهم إرهابيين كما ذكرنا، وتصوير البعد عن الدين هو الملاذ الآمن وسر التقدم.

ولا شك أن هذا الاتجاه كان ناجحاً على مدى سنوات طويلة جداً، وحتى لما دخل التيار الإسلامي في هذا المضمار كان دخوله ضعيفاً، ولا يقوى على المنافسة ولذلك كان النصر دائماً لصاحب الصوت الأعلى والكلمة المسموعة المؤثرة في القلوب والعقول، أي كانت للتيار العلماني، أو بمعنى أدق التيار المعادي للدين.

وبتطبيق ذلك على الوضع في تركيا ستجد أن الاهتمام الإعلامي كان موجه طوال الفترات الماضية، وفي صف العلمانيين بشكل كبير جداً، فأصبح اهتمام “الميديا” كلها منصب على قصص الحب والعشق سواء ممنوعاً أو محرماً أو غير ذلك من كم الأفلام والمسلسلات التي أدرجت فقط تحت لفظ ومسمى حب أو عشق، بل حتى عندما يتم تصوير فلم تاريخي أو مسلسل يمت بصلة بالتاريخ فإنهم يقلبونه في هذا الاتجاه أي اتجاه الحب والعشق وما شابه ذلك، مع الكثير من التشوية للتاريخ والشخصيات الإسلامية التاريخية مثل مسلسل (حريم السلطان) الذي يعد تدميراً للتاريخ وتصويراً للأمور على غير الحقيقة.

وكم ناشدنا أربابَ الإعلام الإسلامي أنه لابد وحتماً من تطوير الأساليب الإعلامية لتكون مواكبة للعصر حتى تستطيعوا أن تصلوا إلى طوائف من الشعب غير التي معكم وفي صفكم، بل إنكم إن استمريتم على ذلك النهج سوف تخسرون فئة كبيرةً من التي معكم.

وعلى هذا كان اهتمام التيار الإسلامي في تركيا بهذا الأمر، واهتمام رجب طيب أردوغان وحزبه بالإعلام اهتماماً كبيراً بل وبأعلى إنتاج ممكن وبأحدث التقنيات الحديثة التي تبهر وتوصل الفكرة المراد إيصالها؛ لتكون منافساً قوياً وحائط صد للأفكار التي تحاول الانتشار في المجتمع التركي وتحاول التغير لما هو أسوأ في الأفكار والمعتقدات أيضا، بل وليكون هذا الإعلام مدافعاً عن الإسلام إن تطلب الأمر ذلك، حيث أن الحرب الآن أصبحت مختلفة عما مضى، فالحروب الآن تبدأ أولاً في الإعلام.

وعلى إثر ذلك كله بدأت تركيا برئاسة حزب العدالة والتنمية بتوجيه الإعلام نحو الأفكار والمعتقدات الإسلامية، حتى ولو كانت تخالف في كثير من الأحيان، أو ليست على المستوى الكبير، إلا أنها أفضل بكثير مما هو معروض على الساحة.

هذا المسلسل لمن يوجه؟!

ربما يثار تساؤل هام هنا وهو هذا المسلسل لمن يوجه؟! فبالتأكيد كان هذا المسلسل منذ بداياته الأولى موجه للأتراك وفقط، ولم يكن يتوقع أن ينتشر على هذا المدى الواسع الذي وصل لأكثر من ثلاثين دولة؛ ولذلك ستجد حزب العدالة والتنمية وأردوغان يهتمون بالترويج له بشكلٍ كبيرٍ، للدرجة التي يوقف فيها أردوغان إحدى اللقاءات التلفزيونية بغرض اللحاق بالحلقة التي تعرض، بل وفي إحدى اللقاءات ينظر إلى الساعة، فتقول المذيعة له لا تقلق سيدي الرئيس فقد رتبنا كل شيء حتى لا تفوت المسلسل، بل ويحضر أردوغان أكثر من مرة موقع التصوير، ويحضر مع الفريق القائم بالتمثيل في أكثر من لقاء وحفلة ويأخذه معه في أكثر من زيارة لأكثر من دولة، فمقصد ذلك هو توجيه الأتراك نحو هذا الفكر الجديد في الدراما التي تعرض، بل ونحو تصحيح أفكار قد تكونت لفترات طويلة كفكرة أن العثمانيين احتلوا الدول، ولرفع ظلم، وظلمات كثيرة ألقيت على كاهل الدولة العثمانية لتحملها فوق طاقتها.

ونظراً لأن هذا هو التوجه العام فتم إنتاج أكثر من مسلسل بعد أرطغرل مثل السلطان عبد الحميد الذي حقق نجاحاً أيضاً ولكن ليس مثل أرطغرل، وغير ذلك من المحاولات الأخرى، بل إنه من المفترض أنه سوف يتم اتصال المسلسل بعد وفاة أرطغرل ليكون مستمراً بقصة عثمان مؤسس الدولة العثمانية.

ولأنه عملاً فنياً مفترض أنه يعرض حقبة تاريخية إسلامية متعلقة بالتاريخ الإسلامي وتاريخ الدولة العثمانية منذ مرحلة التكوين الأولى فلذلك كان له كثير من المميزات التي جعلت من الكثيرين شغوفين به إلى درجة كبيرة جداً، وعليه أيضاً بعض الاعتراضات، أو الانتقادات، وعلى إثر ذلك سوف نقسم النقد إلى أربع اقسام الأول.

أولاً ما لهذا المسلسل من محاسن ومزايا، والثاني انتقادات لا محل لها، والثالث انتقادات عامة، والرابع أخطاء تاريخية.

مع الوضع في الاعتبار أن هذا النقد لا يعتبر تقليلاً من هذا العمل الرائع، وإنما بهدف تحسين الصورة لما سوف يأتي بعد ذلك إن شاء الله من مسلسلات تنتهج هذا النهج، وكذلك حتى يتسنى للمشاهد معرفة الحقائق التاريخية، وخصوصاً وأن كثيرين لا يعلمون شيئاً عن هذه الحقبة فلا يأخذوا ما ذكر في المسلسل على كونه مسلمات، بل إن أغلب ما ذكر إما هو من وحي خيال المؤلف.

أولاً: ما لهذا المسلسل:

إن لهذا المسلسل الكثير من المزايا والحسنات التي تجعله فريداً من نوعه في ظل هذه الفترة، وفي خضم هذا الكم الهائل من الدراما التركية والعربية التي لا محل لها من الاعراب، بل ويعتبر انقلاباً في الدراما التركية وخصوصاً بعد مسلسل حريم السلطان، حيث إن النهج الذي يسير عليه هو نهج المسلسلات التاريخية ذات الطابع الإسلامي أو الموجهة بما يحمله من معاني سامية وأموراً رائعة وبإنتاجٍ عالي المستوى، الأمر الذي يعد انقلاباً هاماً وخطير في سير الدراما التركية ونراه في صالح التيار الإسلامي بصفة عامة والحزب التركي بصفة خاصة.

ومن معالم هذا الانقلاب:

  • أنه قلما يظهر شعر امرأة في هذا المسلسل بل إن هذه المشاهد التي يظهر فيها شعر امرأة تكاد تعد على اليد الواحدة، ناهيك على عدم احتوائه على مشاهد خادشه للحياء أو قبلات في سياق الدراما، الأمر الذي يهدم تلك النظرية الفاشلة التي تبرر العري وعدم الحياء والدعارة الواضحة تحت مسمى “في سياق الدراما”.
  • إظهار حب الدين بشكل كبير والتضحية من أجله، وأن المهمة الأكبر هي نصر الدين فوق أي اعتبار، وهذا واضح جداً منذ الحلقات الأولى في المسلسل.
  • توضيح فكرة أن الأعداء يريدون الشتات للعالم الإسلامي وعدم التوحد، بل السعي الجاد والدؤوب إلى تفريقه وتشرذمه، وأن السبيل للنصر هو التوحد ضد كل الأعداء.
  • اظهار حب الجهاد في سبيل الله، وهذا في حد ذاته يعد انقلاباً خطيراً، فقد كان لا يجرؤ أي مسلسل أو فيلم إلى التلفظ بهذه الكلمة نهائياً حيث أنها تعد من الكلمات المحرمة دولياً، بل كانت دائما وابداً تذكر عندما يعرض إرهابي معادي لتركيا، فبفضل هذا المسلسل أصبحت متداولة الآن بل والتلفظ بها أمراً عادياً بل وفتح الباب لذكرها واضحة في المسلسلات التي تبعته.
  • ربط الدولة بالدين: فكما يظهر في المسلسل دائماً الشيخ له مكانته وكلمته، وخصوصاً عندما يذكر فيها قال الله وقال رسول الله تكون فوق كل شيء حتى فوق السلطان نفسه، وهذا أمر لم نعتد عليه في المسلسلات، وخصوصاً في الوطن العربي الذي اعتاد على صورة الشيخ الذي يتلفظ باللغة العربية على شكل هزلي، والتقليل الدائم من هيبة المشايخ والتقليل من قيمة رجال الدين، ولكن هذا المسلسل جاء صفعة كبيرة لكل هؤلاء حيث أنه رفع من قيمة الشيخ إلى عنان السماء بل وربط نجاح الدولة بقربها من ربها ودينها وعلمائها.
  • وضع العلم والعلماء في مكانهم الصحيح.
  • إيضاح معالم أساسية في نهضة الأمة وعلى رأسها الدين حيث أن الحياة لا تستقر بلا دولة والدولة لا تستقيم بلا دين، فالدين لا ينفصل عن الحياة بل أن الدين هو الحياة، وهذا أمر مختلف وجديد على الدراما بصفة عامة، حيث كان النهج العلماني الأتاتوركي هو المقدس، والتحقير والتقليل من فكرة ربط الدين بالدولة هو الأساس.
  • إظهار شخصيات جديدة بدلاً من تقدس أتاتوررك في كل وقت وبلا أدنى داعٍ في المسلسلات والأفلام، فأصبح الآن أسماء الشخصيات العثمانية والسلجوقية تتردد في الأصداء بل ويسعى الجميع لمعرفة من هم هؤلاء العظماء.
  • إظهار التسامح الإسلامي مع الصليبين رغم أن الأمر معكوس من الصليبين ضد المسلمين، وهذا أمر جديد أيضاً، فالنهج العلماني كان هو السائد وكان لا يرى أي خير في النهج الإسلامي ولا حتى في التاريخ الإسلامي.
  • ركز المسلسل بشكل كبير على أن للأمة عدوان الأول ظاهر وواضح وهو من الخارج والثاني الأشد الأخطر وهو من الداخل مثلما يحدث في بلدانا حالياً، وركز أيضاً على أن العاقبة للمتقين بفضل الله تعالى وأن النصر في النهاية مع أهل الحق وليس بالقوة والعدة والعتاد مثلما حدث مع فرسان المعبد والتتار وغيرهم في أحداث المسلسل، وهذا في ذاته باعث أمل كبير في نفوس المتابعين، بل هو الهدف المقصود من المسلسل بتوجيهه للأتراك في البداية في ظل هذه الفترة التي يتكالب فيها الأعداء على تركيا.

وخلاصة القول إن المسلسل رائع بمعنى الكلمة وهو من أروع المسلسلات التي أقيمت خلال المائة سنة الماضية على حسب ظني وظن الكثيرين.

ثانياً: انتقادات مردود عليها

انتقد البعض مسألة تولي المرأة القيادة، وكذلك مشاركتها في الاجتماعات وغير ذلك مثلها مثل الرجل، حيث تولت الأم “هيمانه هاتون” القيادة بالوكالة بعد وفاة سليمان شاه، وكانت تشارك مع حليمة زوجة أرطغرل، وغيرها في الاجتماعات مثلها مثل الرجال، ولكن هذا النقد رغم ما له من قوة إلا أنه مردود عليه، حيث وفقاً للكتب والمصادر التركية وعلى رأسها كتاب “يلماز ازوتونا” الذي تحدث عن جذور الأتراك وأعرافهم وتقاليدهم فقد كانت المرأة تشارك في الاجتماعات، مثلها مثل الرجل ويتضح مما تقرأ أيضاً انه من الممكن أن تتولى قيادة بالوكالة كما ظهر في المسلسل.

يرى البعض إنه قد تردد ذكر كلمة “أعرافنا” أكثر من كلمة ديننا في المسلسل، وأرى أن هذا أيضاً مردود عليه، حيث كانت هذه الفترة وفقاً للمصادر التاريخية أيضاً، ووفق لأرجح الأقوال فيها، كان العثمانيون في بداية معرفتهم بالإسلام، ولم يكن الإسلام متجذراً كما كان في بلاد العرب آنذاك، ولذلك كان بالفعل في هذه الفترة تتردد كلمة الأعراف والتقاليد أكثر من كلمة الدين، بل إن سر حب الأتراك للإسلام إنه يخاطب الفطرة السليمة وكذلك يوافق كثير من الأعراف والتقاليد التركية.

ولكن وإن كان العثمانيين كانوا حديث عهد بالإسلام إلا إن الأتراك بصفة عامة كانوا قد عرفوا الإسلام من قبل ذلك بكثير ولذلك كان الأولى في ذلك التقليل من كلمة الأعراف وزيادة كلمة الدين.

 ثالثا: بعض الانتقادات العامة:

  • مسألة القومية

وهذه المسألة كانت بارزة جداً في المسلسل وبعصبية تركية أو الطورانية، أما عن أصل نشأة هذه العصبية أو القومية فلها جذور تاريخية تشتعل وتبرز في عهد أتاتورك بالتأكيد ولكن كان لها إرهاصات قبل ذلك.

ولكن مع بروز هذه القومية في المسلسل يبررها البعض بكونه في الأصل كان موجهاً للأتراك بصفة أساسية، ناهيك عن كون التعصب للتركية هو أمر قائم بالفعل لدى الترك بصفة عامة.

  • التصوف

نظراً لأن الصوفية تعد العقيدة الأساسية لدى الأتراك فهنا يبرز دورها ويلمع في هذا المسلسل، وبشكل فج جداً بل وبترويج لها ولأفكارها التي تخالف العقيدة في أكثر من شيء وهو الوساطة بالأولياء، وزيارة الأضرحة وغير ذلك مما ليس مقامة هنا.

  • تمجيد “ابن عربي”

وهو شيخ صوفي وعليه كثير وكثير من الانتقادات التي تخالف الإسلام ببدع لا أصل لها، ولذلك ستجد علماء الإسلام وائمته يخالفون ابن عربي هذا، وعلى رأسهم ابن تيمية رحمه الله وكذلك ابن خلدون الذي قال فيه: ومن هؤلاء المتصوفة: ابن عربي، وابن سبعين، وابن برّجان، وأتباعهم، ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف (مؤلفات) كثيرة يتداولونها، مشحونة من صريح الكفر، ومستهجن البدع، وتأويل الظواهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها، مما يستغرب الناظر فيها من نسبتها إلى الملّة أو عدّها في الشريعة.

وهذا يختلف عن الشيخ ابن العربي العلامة والقاضي شيخ المالكية رحمه الله، فقد أردنا أن نوضح هذه النقطة حتى لا يختلط الأمر.

  • تهميش العرب، ودورهم، وعدم ذكر صلاح الدين وموقعة حطين، وإظهار أن حلب هي إمارة تركمانية رغم أن سكانها من العرب، وربما هذا نتيجة التعصب القومي التركي في هذا المسلسل، والذي ستجده عند كثير من الأتراك كما ذكرنا نتيجة لأن هذا هو ما تعلموه في المدارس وما تربوا عليه مثلما نشأنا نحن على أن العثمانيين احتلوا مصر وأن للاحتلال الإنجليزي والفرنسي على مصر مميزات.
  • المماليك وعدم ذكر أي دور لهم مع أن الحقيقة تقول إن موقعة عين جالوت أوشكت على الحدوث وفقاً لأحداث المسلسل، ولابد من ذكر للمماليك ودورهم العظيم، حيث سيهزمون التتر في موقعة عين جالوت وموقعة بيسان التي يجهلها الكثيرون وهي التي تلت عين جالوت وتم القضاء نهائياً على التتر فيها، وتخليص العالم الإسلامية من شر حل به، بل وتخليص العالم أجمع من شر التتر الذي ظنه البعض نهاية الدنيا، وأن هؤلاء هم يأجوج ومأجوج.

لماذا فرح الكثيرون من المسلمين بهذا المسلسل؟ ولماذا يفرحون بأردوغان؟

فرح الكثير من أررباب العالم الإسلامي بهذا المسلسل، وذلك لأنه يجسد الحال الذي نحياه الآن من تكالب الأعداء على الأمة الإسلامية، والضعف والهوان الذي حل بها، ناهيك عن حال قادتها وشعوبها، فلذلك تجد من الجميع الأمل في ظهور قائد عظيم من قادة الإسلام الذين ظهورا عبر التاريخ فوحدوا الصفوف أمثال شخصية ارطغرل رحمه الله، فهؤلاء استطاعوا أن يخرجوا بالعالم الإسلامي من أزمته الطاحنة ومن المحنة الشديدة وتحويلها إلى منحة بفضل الله تعالى، فلذلك يأمل الكثير في ذلك حتى ولو على شاشات التلفزيون فقط، فهذا هو الحلم الذي يحلم به الكثير الآن، والذي ما إن تحقق فستجد الجميع يلتف حول هذا القائد بإذن الله تعالى، “شعوباً وليس حكاماً”.

أما لماذا أروغان؟ فرغم أن أروغان له ما له وعليه ما عليه، وأنه ليس الخليفة الإسلامي المخلص للعالم الإسلامي من دنس اليهود والأمريكان والصين التي تحتل أرض الإسلام في تركستان الشرقية، إلا أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن هذا الرجل إنما هو قائد مسلم محنك، وعظيم ونادرة من نوادر الحكام المسلمين الآن، فهو الآن يقف بقوة كبيرة بين القىي الكبيرة في العالم، بل ورأساً برأس لأمريكا وروسيا، ولا يخشى أحد، وهذا ما تأمله الشعوب العربية في حكامهم، فهذه هي الصورة التي تأملها وتتمناها فلذلك ستجد هؤلاء يحبون أروغان.

رابعاً: أخطاء تاريخية:

  • إن أول الأمور التي لفتت نظري هو علم قبيلة “القاي”، حيث أنه لم يكن كما ظهر في المسلسل كعلامة حرب Y التي ترمز إلى النبلة وسهمين على الجانبين حيث يعني سهم للعدو وسهم للخائن، فالحقيقة هي أن العلم وفقاً لأرجح الروايات والمصادر كان مرسوماً عليه النسر وهو رمز القوة لدى الأتراك، وربما قام المؤلف بذلك حتى لا يختلط علم القاي بعلم الدولة السلجوقية وليكون هناك تمايز بينهم، إلا أن ذلك غير مبرر.
  • الدولة العباسية والخليفة العباسي: لم يتم ذكرهم نهائياً في المسلسل بل لم يتم التعرض لهم على الرغم من أن الدولة السلجوقية كانت تابعة للعباسيين ولو اسماً، فالحقبة الزمنية التي يتم فيها سرد الأحداث كانت في فترة حكم الدولة العباسية، تحديداً الخليفة الناصر لدين الله، وهو من السلاطين العباسيين المعروفين في التاريخ الإسلامي، بل إنه عَلَم من أعلامه، فهو تحديداً، إذا جئنا لذكر علاقته بالسلاجقة، فقد حاول في بداية ملكه دحر ملك السلاجقة لتستقيم أمور دولته ودارت بينهم خلافات وحروب وفتن عديدة لا يمكن إغفالها جملة في المسلسل، ولذلك لم يكن سهلاً أبداً تهميش هذه الأحداث إذ كانت في قلب الفترة التي يتكلم عنها المسلسل، وربما كان ذلك عن طريق العمد نتيجة التعصب القومي السائد على المسلسل.
  • قاضي حلب: حيث تم إظهار قاضي حلب في المسلسل وهو يقبض الرشوة ليحكم مخالفاً للحق، وقد كان قاضي حلب حينها هو “ابن شداد” وهو مؤرخ وقاضٍ مسلم، عاصر صلاح الدين وأرّخ لفترته، وله كتابه الشهير “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية”، كما كتب في الشريعة: “فضائل الجهاد”، أي إنه كان من الافاضل والكرام، ولم يكن أبداً أن يتم إظهاره بمثل هذه الصورة، ناهيك أن كل هذا الحدث الذي دار هو من خيال المؤلف فكان لابد أن يراعي ذلك ويغير القصة بأي شيء أخر لا يسيء إلى العلماء أمثال ابن شداد، فاللعب في تاريخ شخصية مهمة مثل هذه كان لابد أن يؤخذ في الحسبان وعدم التهاون فيها.
  • مسألة سقوط بغداد والخلافة العباسية ومقتل الخليفة العباسي في عام ولادة عثمان؛ لم يتم التعرض له رغم أنه حدث فارق جداً في هذه الفترة ليس فقط للسلاجقة ولا للأتراك بل للعالم الإسلامي ككل.
  • شخصية نويان: فحسب المصادر التاريخية التي أطلعت عليها وجدت أن هناك عدد من القادة الذين ظهروا تحت مسمى نويان.

فالأول هو “كتبغا نويان” وهو قائد مسيحي من قادة الجيش المغولي، الذين صبوا غضهم صباً صباً على مسلمي الشرق وخصوصاً بغداد، وكان من القادة الذين مع هولاكو والذين أسقطوا الخلافة العباسية وقتلوا أعداد لا تعد ولا تحصى تصل إلى قرابة المليون مسلم ببغداد فقط، ووالله هذا يذكرني بحرب أمريكا على العراق فستجد أنها قتلت ما يقارب مثل هذه الأعداد ولا حول ولا قوة إلا بالله، وخلاصة القول إن هذا القائد لم يقابل أرطغرل نهائياً، بل إن طريقهم لم يتقاطعا.

أما القائد الثاني وهو “جبا نويان” أو “بايجو نويان” وكذلك القائد “سوبيداي نويان” وكانا قائدا المغول اللذان اجتازا منطقة تركستان وأخذا في الاقتراب من إيران، وهذان لم يرد في أي مصدر تاريخي أنهم التقيا بأرطغرل كما ورد في أحداث المسلسل.

ولكن تتحدث المصادر عن “نويان” آخر وهو قائد صغير وليس كما يصوره المسلسل، قد توجه إلى الأناضول بعدد 700 فارس ليكون طليعة لجيش التتر بعد ذلك، وبمساعدة الروم أو ملك الكرج آنذاك، وانتهى به الأمر في مواجهات مع السلاجقة فهرب إلى اخلاط التي كانت بها قبيلة ارطغرل، ثم بعد ذلك هرب من هناك عائداً إلى الخان المغولي.

وعلى ذلك فإن الراجح إن كان قد حدث مواجهات أو لقاءات مع شخصية تدعى نويان فإنه سوف يكون هذا الأخير قد قابل أرطغرل في مواجهات ما لم يذكرها لنا التاريخ.

  • أمير حلب وقصة ذهابه إليها كلها من خيال المؤلف، ولم ترد في التاريخ أو تثبت أنه تقابل مع أمير حلب.
  • فتح قره جه حصار Karacahisar كان بمشاركة أرطغرل الذي عين بعد ذلك قائداً للجيوش ولكن في المسلسل ما حدث هو أن ارطغرل قام بفتح القلعة وحده ولم تتدخل القوات السلجوقية في الأمر بل أنهم قد جاؤوا بعد ذلك وهذا مخالف للحقائق.
  • سعد الدين كوبيك: ما أعلمه عن سعد الدين كوبيك كان مجاهداً فذاً عظيماً في التخطيط العسكري لصالح الدولة وليس المكائد والمكر كما ظهر وإن كان في آخر أيامه، كما قيل إنه عمل لنفسه لما رأى من ضعف الدولة فانتهى الأمر بقتله، ولكن يوجد كتاب لمؤلف مجهول يتحدث عن سوء سعد الدين كوبيك ويصفه بما جاء في المسلسل، ولكن من وجهة نظري أن هذا كتاب لمؤلف مجهول، فكلامة لا محل له لدي.
  • أوغداي خان: لم يثبت تاريخياً أن أرطغرل قابل الأوغاداي.
  • حليمة زوجة أرطغرل لم تكن من أميرات السلاجقة، ولكن كانت من أبناء قبيلة القاي.
  • يوجد شخصيات كثيرة من وحي المؤلف مثل الأفشين، وكذلك والد حليمة وما دار حوله من رغبته في تولي السلطة ثم قتله بعد ذلك، والقائد أيرس تكفور، وكذلك فاسيليوس تكفور، وخال أمير حلب والقصة التي دارت حوله، وكل أبطال فرسان المعبد، وإن كان من الممكن أن يكون قد حدث مواجهات بين القاي وفرسان المعبد في هذه الفترة، إلا إنهم وإحقاقاً للحق لم يكونوا بمثل هذا الضعف الذي صوره المسلسل بل إنهم كانوا أشداء وعلى أعلى مستويات التدريب العسكري حتى إنهم أرهقوا المسلمين كثيراً سواء من كان في القدس أو فرسان رودس، ولذلك لم يكن من الصحيح إظهارهم بهذا الضعف، وبسهولة ويسر يدخل عدد قليل من الفرسان، ويقتلون كل الحرس كما ظهر في أحداث المسلسل.
  • قضية حرق السفن: ذكر الشيخ ابن عربي أثناء أحداث المسلسل قصة حرق السفن، وأن طارق ابن زياد حرق السفن حتى لا يكون سبيل للعودة للجيش الإسلامي ولذلك انتصر، وهذا من الأخطاء التاريخية التي قالتها كتب الغرب لتبرر انتصار جيش قوامة 12000 مقاتل امام جيش كامل بالعدة والعتاد قوامة قرابة 100000 مقاتل، ولذلك وضعوا هذه الأكذوبة التي لا محل لها من الإعراب، وللأسف الشديد تتناقلها كتب المسلمين اليوم، ولذلك أردنا أن ننوه عن هذا.
  • ذكر المقولة الساكت عن الحق شيطان أخرس على أنها قول رسول الله، وفي الحقيقة أن هذا القول نسب لأكثر من واحد من أهل العلم مثل ابن تيمية في كتابه الفتاوي، وكذلك قال ابن القيم رحمه الله، وقالها عبد الحي محمد العماد الحنبلي في كتابة شذرات الذهب في أخبار من ذهب، وكذلك نسبت إلى النووي وابا على الدقاق النيسابوري الشافعي، وغيرهم ولكن بأي حال هو ليس قول رسول الله صلي الله عليه وسلم وإن كان الدين يأمر بذلك إلا عند ذكر قال الله وقال رسول الله لابد من وقفة وانتباه لما يقال.

فهذه بعض الأخطاء التاريخية التي وردت في المسلسل وفقاً لما لاحظنا إلى الآن، وربما يكون هناك أشياء أخرى لم نلاحظها، أو أشياء أخرى ستظهر في الجزء القادم، ولكن رغم كل ما ذكرناه إلا انه لا يقدح في روعة المسلسل وأنه طفرة فنية في زمننا الحالي وأراه مقدمةً لأشياءٍ فنيةٍ رائعةٍ ستكون بعد ذلك، ولذلك لابد من شكر من قام بالبداية وبذر البذرة التي ستنمو بعد ذلك وتخرج أشياءً تشكل بها الفكر والعقل، ونأمل أن يكون على ميزان صحيح إن شاء الله، وعلى إثر ذلك فرغم وجود أخطاء وانتقادات للمسلسل إلا أن هذا لا يقلل من قيمته الرائعة.

وما نأمله من القائمين على هذا المسلسل وغيره من الدراما التي ستنتهج هذا النهج أن يتقوا الله في تلك المسائل، حيث أن الوضع الآن لم يصبح موجهاً للأتراك وفقط حتى تكون تلك القومية والعصبية والصوفية مبرراً لما يعرض، بل يعرض في أكثر من ثلاثين دولة الآن، ولذلك يجب أن يتم تدقيق تاريخي وديني صحيح لكل تلك المسائل حتى لا تؤخذ عليهم وحتى يكون العمل فنياً ومفيداً لأقصى الدرجات.

إعداد: مصطفى محمود زكي

فيديو مقال مسلسل قيامة أرطغرل في الميزان

كاتب

سيتم تصنيف المقال الى صفحة الكاتب خلال دقائق....
ستيم انشاء صفحة للكاتب الجديد وتنفيذ فيديو وتصاميم عن كل مقال، حال توفر:
- صورة شخصية
- حساب فيسبوك أو تويتر
- مقال جديد (لم ينشر سابقا على الإنترنت)
يمكن استكمال ارسال المعلومات بارسالها الى [email protected]

شاهد أيضاً

مؤ‎تمر باليرمو والسعي لتأجيل الانتخابات.. بقلم: عبد الرحيم التومي .. موقع مقال

مؤ‎تمر باليرمو والسعي لتأجيل الانتخابات

بقلم: عبدالرحيم التومي تعذر الانتخابات الليبية هل يعني نعي الديمقراطية فيها؟ أقلُّ من شهرين تفصلنا عن …