الرئيسية / أدب / بقايا حديث #قصة قصيرة

بقايا حديث #قصة قصيرة

قصة قصيرة

بعد ماأبعدني قطار الأيام عن محطة الطفولة والصبا وصرت في محطة الشباب

حتى بعد ماأبعدني قطار الأيام عن محطة الطفولة والصبا وصرت في محطة الشباب… بقيت كما أنا حيث بدأت!، وكل مازاد مع مرور السنين مجرد رتوش بسيطة للصورة الأصلية.

والتقينا .. شرد ذهنى فقد كنت دائما أقول أن الارادة فوق كل شيىء ، فالانسان يمتلك  شيئا لانهائيا ً فى مقدرته فكيف يخشى، ولماذا يخشى؟ كيف يضع المجهول فى حسابه ..فهل هناك أشياءً تعد فوق الارادة ؟!

(تستمع لى ويدها تعبث بيدى .. أشعر من حرارتها أنها لاتسمعنى، وكأن أذنيها محشوة بالعجين !)
انها مشكلة تحوى العديد من التساؤلات وكلها بلا جواب .. مالذى يجعل الانسان يتصرف بطيش ويتجاهل ارادته، وتتلقفه أيادى الشيطان ؟!

( نظرت لى بطرف عينيها وبغرور شديد وكأنها تقول : أنا .. أنا أستطيع أن أوجهك كيفما أشاء !)
تذكرت قليلا.. سخرت من نفسى .. الارادة .. ماهى تلك الارادة .. مالونها وماشكلها ؟ .. لم أستشعرها قط فى حياتها – سوى فى الروايات أو على لسان الأصدقاء .. كنت لاأرغب فى التعليم وأهرب من المدرسة فيلاحقنى الضرب والاهانة فى كل مكان .. من أبى .. من المدرسين .. حتى وصلت للجامعة بعد سنوات كثيرة !

( ضغطت على أصابعى .. همست .. لاتسرح .. لاتبتعد عنى .. اقترب أكثر وأكثر .. أليس هذا اتفاقنا ، والا لم وافقت على الخروج معى  ؟! )
شردت .. همهمت .. حقا لِمَ وافقت وكيف ومتى ؟  لاأدرى .. ربما لأن الزمان سلب منى – أكثر وأكثر- ارادتى فلم أعد أدرى ماذا أريد ؟!..

حتى بعد ماأبعدنى قطار الأيام عن محطة الطفولة والصبا وصرت فى محطة الشباب .. بقيت كما أنا حيث بدأت ! ، وكل مازاد مع مرور السنين مجرد رتوش بسيطة للصورة الأصلية فبدلا من الضرب والاهانة صارت الأوامر والنهى والحساب ، انه العقاب فى ثوب آخر !

فليس لى راى أو كيان .. فى الكلية .. فى الشارع .. فى المنزل ، وفى أى مكان !

صمت ولم أجب!

( أمسكت بيدى ووضَعَتْها على وجهها ،لامست شفتيها ، سحبت يدى ووضعتها بجانبى .. نظرت لى بغضب: ألا تحبنى؟ صمت ولم أجب .. قالت : لم خرجت معى؟ صمت ولم أجب !)

ركزت بصرى على السماء ، تجاهلت الزهور والحديقة الجميلة التى التقينا بها .. تذكرت كيف ترددت علىّ كثيرا وألحت فى طلب مقابلتى .. تجاهلتها ، فاستمرت فى التقرب .. كانت تحدثنى بعيونها وليس بثغرها- مثل العشاق فظننته عشقا ، ولم أكن أدرى ماذا يدور داخلى .. لاأدرى .. أهذا هو الحب ؟ ، ولكننى قرات أنه يسمو بالانسان فهل هذا هو السمو ؟

بقيت أحاسيسى داخلى .. كنت أسمع أى كلمة أو تجربة فأضيفها بسطور أخرى  اليها ، وأنسج  ثوبا ترتديه أحاسيسى المرتعدة .. شعرت بالتميز الشديد .. حب نادر لم يمر به أحد قبلى .. سعدت، انها المرة الأولى التى أصنع فيها شيئا جديدا بنفسى .. نعم فهى لم تصنعه لى مثلما يفعل أبى وأمى والمدرسين فى المدرسة ثم الجامعة ، هى ستحمسنى فقط وهذا كل ماأريده .. الحماس .. ولكن أى شيىء سأصنع .. اللقاء !

أهذا هو الحب؟

والتقينا ، وظللنا هكذا في صمت قاتل يحتوينا .. همست : لم الصمت ؟ انى أسمعك بكل جوارحى ، لقد كنت حزينا ، وقد وعدتك أن ندفن الحزن سويا!

امتدت يدها ثانية وأمسكت بيدى .. بدأ الحديث على لسانى ، واستمرت الرياح تضيع جزءا ، وأذناها التى لاأشعر انها تسمعنى- تضيع جزءا ، ويداها العابثة تضيع جزءا، وعيونها الساحرة تضيع جزءا حتى وصلها فى النهاية حديثى بقايا ، سار فى الهواء مكبوتا .. مقتولا كان ولايزال لايجد مستمعا .. صرخ الحديث داخلى ، سقطت الدموع من عينى .. امتدت أناملها الناعمة تمسحها وتعبث بوجهى وشعرى .. رجوتها ..جذبتنى بحرارة الى صدرها .. احتضنتنى ..دفعتها .. ماذا تفعلين ؟ همست : انى أحبك ! .. صرخت : أهذا هو الحب ؟

قالت : نعم ألا تدرى .. قلت : أرجوك ابتعدى ،قالت:  لاأستطيع أننى أحبك! قلت: ابتعدى !

قالت: وماذا أقول لقلبى ؟ .. قلت : قولى له أنت لاتعرف معنى الحب

قالت: وماذا ستقول لقلبك الذى أحبنى ؟ قلت : سأقول له : ستحب عندما تمتلك الارادة ؟

قالت: وماذا ستقول لعقلك؟ قلت : سأقول له .. ستحب عندما تجد الرياح تهدأ ، والعيون تصدق ، والأذن تنصت ، وحديث الجسد يصمت .. وقتها ستعثر على معشوقك ، ولن يصير حديثك- بقايا حديث.

فيديو مقال بقايا حديث