الرئيسية / أدب / قصة / عُقَد كثيرة متشابكة أهلكتني…

عُقَد كثيرة متشابكة أهلكتني…

اليوم هو الثامن والعشرون من أكتوبر في عامي الثاني والعشرون كل الأشياء تسير معي على ما يرام، دراستي، عائلتي، أصدقائي الكل في سلام وارتفاع وتأنق وكل شيء كما يجب أن يكون.

فقط علمت اليوم بمرض صديقة مقربة لي. تشبهني كثيرا. علمت أنها استلذت وعانت ما يقارب من أربعة عشر شهرا أو أكثر من الإدمان لمخدر قوي شل عقلها وفعل بها ما لا يفعل.
آثارني الفضول والرحمة لزيارتها فهي منذ زمن طويل تقول إنها لا تستكين إلا في الحديث معي، لذا قررت الذهاب.

وفي ذاك اليوم كانت ظروف عملي ترغمني على تغيير مكان معيشتي حملت أكبر وأثقل حقيبة يمكن أن تحمل وذهبت في طريقي لها. وبالرغم من احتلال الجو بفصل الخريف في هذه الأيام إلا أن شمس هذا اليوم كانت حارقة في سماء ميدان العباسية… وأنا لا أبالي.

صديقتي وإدمانها على مادة المخدر

الوصول والدخول إليها كان يبدو أمرا صعبا. لكن كل الأشياء كان مرتب لها قدريا
ذهبت إليها وأنا بروح حماسية وجسد متعب جلست بعفوية وأنا في إنصات لم أتحلى به من قبل وعقدت العزم بأن لا أنطق بكلمة واحدة. فقط جئت لأجلها، اصمت أنا لكي تنطق هي بما تشاء وكيف ما تشاء.
فأحيانا يكون الصمت عملا نستحق أن نؤجر عليه
ومن ثم بدأت حديثها وفي وجهها شحوب لم أره عليها من قبل ونظرات عشوائية بعينيها وكـأن لا أحد معها ولا حتى أنا.

الفصل الأول:

وصف صديقتي للمخدر

بعينين يملأهما الحنين تقول:
في البداية كان مخدرا مثاليا، ومن ثم أدركت بأني تعرضت إلى عقد كثيرة متشابكة أهلكتني.
فهذا الذي يحمل الكثير من العقد وكل عقدة فيه تحمل جمالا عكس البشر. حتى سلاسته مختلفة وبعيدة عن البشر
أستطيع أن أصفه بالكتاب.

كتاب أبعد ما يكون عن الملل وأقرب ما يكون للإجهاد، كتابا تقرأه لا تمل منه أبدا صفحة تزداد شغفا وأخرى تزداد انبهارا … لم يكن انبهارا مرضيا، لم يأتي في غفلة منك أتى تدريجيا كي يثبت لك مدى قوته، وسرى بك إلى أن أصبحت قويا بوجوده.. ضعيفا معه.
أو كأنه سلما طويلا شاقا تصعد به إلى السماء لكنه يحمل من الأمان ما يجعلك لا تريد أن تصعد إلا عليه.

كلام صديقتي عن المخدر عانقه الندم

بصوتا عانقه الندم على استحياء تقول:
التخفي كان خطأي البدائي آااه لو كنت أحمل سلاسة الفضفضة وراحة السطحية لم يكن ليمسني هذا كله.

كيف خبأته وحدي بداخلي؟ لا يعلم أحد من هو حتى أنا لا أجرؤ على التظاهر بوجوده أمام نفسي.
كيف تركت نفسي إلى هذا الطريق أو كيف أخذني هو إليه؟
كيف تركت نفسي للتعلق الذي نتج عنه شعوري بالانسحاب؟
تحكمت في تخدير عقلي بنفسي بطريقة أبهرتني.

هكذا عندما تكون مسكر في شيء ولا تريد أن تستيقظ منه
تخدر نفسك بنفسك وتترك غيرك يؤثر عليك، تتركه بإرادتك مستمتع بذلك غير مبالي بالعواقب، غير منتبه للعوائق.
كأن الشعور الذي يجعلك تحجب هذا كله يستحق أن تسري أعمى أو أن تترك نفسك تائها
أنت لست أنت
تتغير ولا تتغير
معك الكثير من الناس لكن مخدرا واحد يعادل كل الناس.

حديث صديقتي عن إدمانها على المخدر

مخدرا عظيما ،،،،
تتركه متحكما في مزاجك الداخلي يرتفع بك إلى السماء ومن ثم يهبط بك إلى الأرض كيف ما يشاء.
تمنحه بيدك مفاتيح كل شيء وهو مثله مثلك لا يعلم الغيب ولا على أي شيء قدير.
أخبرت نفسي كثيرا عما يعقب هذا كله. إنه شيء ليس بالهين ولكن هذه نتيجة من يسمع دون أن يحظى بمتعة التجربة
وعندما تقع فيها تجد متعة الخطأ والإستسلام تتمكن منك..

تدمن ما يصعب الانسحاب عنه أو تقع في دائرة مفرغة تشقى في خروجك منها وتنهك من استمرارك فيها.
ما تحاول أن تسطحه يتعمق دون أن تقصد.
ما تحاول أن تخفيه ترغب في التعبير عنه.

حديث صديقتي عن انبهارها بالأشياء

فأنا الذي اعتدت على الانبهار بالأشياء كنت ولا زلت أنبهر بهذا، أطيب منه لم أرى، أشد منه لم أصادف، ومثل ما تمحو الحسنات السيئات تتلاشى العيوب بالمميزات، فالشدة تمتزج بها كل الطيبة، ووجود الأنانية يستعوض عنه كل ما يحمله من معاني إنسانية
حتى تعقيد التفكير تشفع له الحكمة وكل التأني في التصرف، وكـأنه لا شيء سيء به لإن ثبات محاسنه يزرع بداخلك فتنة به.

تعلم يقينا بأنك لن تجد مثل هذا مخدرا قط فتتمسك به ومن ثم تتذكر وتتمسك باللحظة، ثم وقت لا يتجاوز الثانية من التفكير تجد نفسك مجبرا على التخلي عن هذا كله غير تاركا في نفسك ذرة واحدة من الأمل حتى تحافظ بجانبك على بقاء بسمة أمل.
شعور التخلي عن شيء ممتع من أجل شيء سيمحى هذا الألم كله.
هكذا هي الأشياء الجميلة تأتي وتستقبلها بكل حاسة من حواسك برغم علمك كل العلم أنها زائلة لا محالة.

استوقفتني تنهيدة جعلتها ترى في عيني نظرات الشفقة عليها
ثم أنهت حديثها الأول كأنها تتحدث لذاتها وقالت:
كان مخدرا لو يعلم تأثيره علي لتركني ورحمني في العالمين خوفا من عقابه بذنبي العظيم.

_________________________

الفصل الثاني:

في الفصل الثاني من إنصاتي المليء بالتعاطف معها تقول: كل ما سردته من قبل لم أمر به وحدي فهذا ما يتعرض له كل مدمن مخدر في بدايات أيامه وإن كان ما يميزني أن أوائل أيامي أخذت زمنا طويلا فهذا هو المسمى بالسكر بعد اللذة الأولى……
كنت طوال الوقت أفكر في التعافي، تفكير جعلني أشعر بالمشقة وكانت صديقة لي دائما تنصحني على قول مَثَل شعبي “بأن لا أنظر تحت قَدَمي ” وفي أول لمحة لي وأنا ألقي نظرة على من هم حولي، شعرت بأني اتنفس.

أول محاولة للتعافي

وأول محاولة مجزية للتعافي كانت عندما تركني أتنفس.
عندما تركني أتنفس أدركت نفسي وأدركت أن كل الأشياء كانت مصنوعة، الذكاء صنعها، خطوة خطوة الخطوة التالية تطورا طبيعيا لما سبقها. هذا هو دائما يسود ينفرد، يفوز، يغزو كل ما بداخلي بالوحيد الذي يميزه “ذكائه” وأنا التي أفوقه بميزات الأرض أشعر فوق شعوره بألف ميل لم أكن لأدرك هذا كله.

كنت أتعاطف مع صنعه للأشياء صنعه لنشوتي صنعه إحساسي كان يصنعه، دائما ما كان يسألني عنه “؟” كان يشتاق ويتوق لمعرفة ثمره تفكيره واجتهاده ، نتيجة ذكائه !! كان يستمتع بنجاحه معي أكثر من استمتاعه بي. صبره الشديد وإتقانه المتناهي كانوا يستحقان الفوز.
صبره أقوى من شعوري
وإتقانه فاق اجتهادي

العشوائية والترتيب والنظام

كل الأشياء كان يرتبها بعقله، يصنعها بخفة ساحر كنت أنبهر من اجتهاده، اتحسر على خوفه خوفه الذي لمسته في ضياع الأشياء، الأشياء التي لا يعرف أن يتمسك بها، لا يعرف أن يحبها هو فقط يريدها، يريد أن يسخرها لنفسه ويرى الحب فيها.
كنت أتعاطف مع كونه يفكر أقول من يفكر يهتم إذن فهو يحب أبررها بأنه شديد الإتقان في حبه مثل شدته الإتقان في عمله فهو ينظم كل شيء في حياته، لم تدركه مرة العشوائية ولم يدركها. لم يدرك معنى العشوائية داخل النظام لم يدرك أن هناك أشياء المتعة فيها تكمن في عشوائيتها كان لا يكتفي بترتيب الأفكار، كان يرتب الكذبة والكذبات، يرتبها فتصبح جميلة.

الثقة تجعل الشخص أعمى

انشغل كل الانشغال بصنع صورة أمامي نجح في كل هذا وأدركه لكنه لم يكن ليدركني أبدا ، لم يحاول … الثقة تجعل الشخص أعمى، ولا يدرك سقوط الأشياء منه إلا في النهاية. بررتها ثانية بأنه لا شيء كامل، وأي وقتا وأنا استمتع بالكمال، ففي كلا منا شائبة تميزه، تميز روحه تجعلها سعيدة أو حتى حزينة ال مهم أنها تميزه. كثرة الشوائب كانت أكبر من حبي، أثبت من قوتي آثرها كان ملطخ على كل شيء، على مشاعره، على أفكاره على نظرته للأشياء، على نظرته لي، على ماضيه الذي كان يؤذيني، على نفسه التي علقها ألف مرة إلى أن بدأ يلطخه علي وأنا فرط العشق جعلني أرى مساوئه كأني لا أرى.

ممارسة الخطأ

فأنا الذي اعتدت على عدم ممارسة الخطأ كنت أمارسه معه إلى أن أذهبت معه طيباتي في حياتي الدنيا واستمتعنا بها سويا.
كشف من على جسدي ومن على عقلي ثوب العفاف، كان ساحرا في كشفه لنفسه فقط، له وحده. كنت أتركه يفعل ما يشاء حبا فيه وحبا في كل شيئا معه أملا في إخراجه من هذا كله.
إخراجه من كل الصدف التي صنعت كل هذه الشوائب
إخراجه من محاولاته لازدياد كل هذا فيه
إخراجه منها حتى أحبه حبا سليما جما
لم يكن سليما لكي يحظى بمشاعر سليمة لكنه كان ذو عقل أخاذ، سليم مائة بالمائة عقل سليم بمشاعر مشوهة.
وكنت من كل هذا لا أريد إلا “هو” لإن يقيني بأن فاقد الأشياء لا يلوم على بخله في إعطائها جعلني أغامر معه.

الفضول اللعين

وفي طريق فضولي اللعين، تعلقت وأحببت وشعرت بغرام وألم …  أصدرت ع نفسي أحكاما كثيرة وشروطا عدة بلا أي مقابل
كنت أستشعر الإرهاق الشديد وأتجاهله شعرت بذعر من فكرة أن أخسر نفسي شعور الأسر، القيد، التعلق، كنت أكرهه ولا أستطيع أن أتخلى عنه. الأمر ليس شبيه بالإدمان، بل هو الإدمان بعينه الجرعات الأولى تشعرك بالنشوة، تأخذك للسحاب ومن ثم تنغمر وتستكمل لأنك تخاف من الأعراض الانسحابية أو لأنك تريد. تعطي مبررات للخطأ وهو أمامك عين الخطأ تتمنى لو يعود بك الزمن للحظاته الأولى، كنت لتقتل نفسك انتقاما لها.

كل شيء تعرض للسقوط

وعندما انسدل الستار وهل الوقت لكي تتعرى المشاعر تعرض كل شيء للسقوط .. سقوط الخوف، سقوط الخطأ، سقوط التخفي، سقوط التمرد سقوط التمرد الشاق، الشاق الجميل الاحتفال بالفوز، الفوز بنفسي نفسي التي سرقت بواسطته، سرقها مني، سرقها من كل من هم حولي، سرقها وهم أحق وهو على غير حق نفسي التي امتلكها بخفة ثم حركها بشدة، زلزلها، علقها، جعلها تشعر بكل شيء إلى أن استنفذها استكشف بذاته قوتها، استمد منها قوته معها جعلها لا تقوي على الوقوف ضد كلمة واحدة منه، كانت أرض خصبة تغريه على فعل ذلك تغريه أن يتلذذ بالعذاب وأن يستمتع بضعف المقاومة
اعتاد ذلك إلى أن أصبح لا يعطي سوى ذلك
لا يعطي سوى خوف
سوى غيرة
سوى إنهاك نفسي لا حل للتخلص منه أثناء وجوده ولا أمل في الراحة منه أثناء تركه.

المصارعة من أجل اللاشيء

وأنا على الجانب الآخر من الحب والتمني أصارع من أجل اللاشيء اللاشيء المتمثل في تغييره واستفزاز عواطفه استفزاز عواطفه الذي كان لا يجني شيء سوى إثاره غضبه كنت أجرؤ على تعريته أمام نفسي ولا أفعلها أمامه حتى لا يسقط أو يثور كان يغضب كثيرا يشعر بثورة داخله لا يقبل التعليق على أفكاره، لا يجتهد في قربه من نفسه كان يخاف لم يكن بالشجاعة التي تكفيني .

إلى أن ضعف جهازي المناعي فأصبحت أعاتب نفسي بقوة، بألم بقولي أن من يتحمله إذا فهو مثله وعندما كنت أتعب في وسط الطريق أدرك أني ما زلت سليمة أني لست مثله، أدرك أني أقوى منه، أكثر شجاعة ومحبة .. المحبة التي كنت أستميت بداخلي لكي أجد رائحتها بداخله، المحبة التي جعلتني أتغاضى عن هذا كله أمام سلاسته معي واحتياجه لي أمام جماله الذي كان يستأنس ألمي.

الحجج التي جعلتني أتمسك بهذا الإدمان

فقد كان شديد الجمال العقلي يذهب بي حيث شاء ويأخذني إليه على راحته بكل خفة جعلني اكتشف نفسي من جديد اكتشف كل من هم حولي جعلني أرى الأشياء الجميلة أكثر جمالا مما اعتدت أن أراها عليه لأنه ترك لي كل البصر وحدي لأرى الجميل كان لا يرى ولا يجعلني أرى معه سوى الأخطاء في كل شيء في كل شخص، في كل موقف. كان جميلا لكن لا يرى الجمال.
كان يحاول أن يلمس الجمال فقط، لم يحاول أن يحسه أو يراه.

كان يترك لي ذكرى رائعة في كل مكان ، في كل ليلة بداية من ارتجاف جسدي من نظراته ويديه نهاية إلى ضمته التي ترجعني مخمورة إلى صوابي و فرحتي التي كانت تسبق ظلها وهي بجانبه.
استخدم كل ألاعيب نحت ونقش نفسه بداخلي حتى أصبحت أشتاق وأقول هل من مزيد!! كل هذه الأشياء كانت حجة قوية تجعلني أتمسك به بداخلي وأترك نفسي بداخله. فهو ساحرا، عبقريا في جعلي لا أحتاج لغيره في وجوده ولا أتوق إلى غيره في غيابه.

وبعينين متوهجتين بالحب والشغف ويد مستمسكة باليد الأخرى توهما منها ألا أحد على الأرض يعرفه مثلها، قالت: من يشاهد من مدى يشعر بأنه متناقض. أبدا هو ليس متناقض هو بيّن للجميع، متناقض بداخلي، لكني كنت ولا زلت استمتع بهذا التناقض الملائكي الذي لم يترك بداخلي أقل من آثر الوجود أكثر من استمتاعي به ذاته، فسلاما عليه في العالمين من جعل عاقل يفقد عقله.

شعرت أن مهمتي على وشك الإنتهاء لذا استوقفتها في الحديث واستوقفتني في إنصاتي لها عند هذا الحد. إلى أن تصنع بيدها نهاية أو تلهف معتادة بهل من مزيد!!!!

“العوض في الفصول الأخرى”

فيديو مقال عُقَد كثيرة متشابكة أهلكتني…

أضف تعليقك هنا