الرئيسية / سياسة وفكر / قنابل الدخان ومحاولات العدوان على الدستور المصري

قنابل الدخان ومحاولات العدوان على الدستور المصري

بقلم: شريف هلالي

في سياق الحملة الدائرة حالياً في مصر للعدوان على الدستور بإجراء تعديلات تسعى لإطالة مدة حكم الرئيس السيسي للعام 2034، انطلقت عدد من قنابل الدخان الإعلامية والأكاذيب بغرض التغطية الاعلامية للترويج لهذه التعديلات التي تكرس هيمنة النظام السياسي على مجريات الأمور سواء في التمديد لاثنتي عشرة سنة إضافية، والسيطرة على هيئات السلطة القضائية ومن بينها مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض، وإعادة صلاحيات الرئيس المطلقة والتي حاول دستور 2014 التخفيف منها باعطاء بعض الصلاحيات المحدودة لمجلس النواب فيما يخص تشكيل الوزارة أو إجراء أي تعديل وزاري.

ما المشكلات التي تسببت بها الحملات الإعلامية للدستور المصري؟

تنطلق حملة الأكاذيب كقنابل دخانية تستخدم لغرض تهدئة وإقناع الرأي العام بأن ما يجرى شيئاً طبيعياً ويحدث في كل البلدان، من خلال استخدام عدة مقولات ومنها:
ـ أول هذه المقولات ( الدستور ليس قرآناً مقدساً) يقبل التعديل:
طبعا الدستور ليس وثيقة مقدسة لا تقبل التغيير أو التعديل، فواضعوها بشر تم اختيارهم عبر معايير معينة سواء من خلال لجنة تأسيسية معينة أو منتخبة تمثل عموم الشعب، والمعارضون ليسوا ضد مبدأ التعديل في حد ذاته، والذي يحتاج أولاً إلى احترام مواد الدستور فترة كافية وتطبيق مواده، وهو الذي لم يمر عليه سوى 4 سنوات، ثم أن تأتي مستجدات موضوعية ومجمتعية تتطلب إجراء تعديل مادة أو أكثر للاستجابة لهذه التغييرات والمستجدات، وهو ما لم يحدث، فنصوص التعديلات ليست سوى رغبة البعض في تكريس السلطة التنفيذية فوق كل السلطات، وللغرابة سبق للرئيس عبد الفتا ح السيسي أن أكد احترام الدستور الحالي ونفي وجود أي نوايا للقيام بتعديلات فيه أو تعديل مدتيه الـ 8 سنوات.

–إن هذا الدستور جاء ثمرة الموجة الثورية في 30 يونيو ضد جماعة الإخوان وممثل الحكم بسبب إصداره ـ للمصادفة ـ تعديل دستوري في سبتمبر 2012 يضع السلطات الأساسية في يديه ومنها تحصين الجمعية التأسيسية من الطعن ضدها أمام القضاء، والسعي للسيطرة على السلطة عبر الوصول من خلال إجراءات ديمقراطية، ثم سحب السلم حتى لا يصعد عليه أحد أو قوى سياسية أخرى، وهو ما ينسف مبدأ تداول السلطة، وهو ما يفعله العدوان الحالي على الدستور من خلال تفصيل نصوص لصالح التمديد للرئيس الحالي، وهو الذي جاء عبر هذا الدستور الذي أقسم على احترامه.

 –إنه وفقاً لهذا الدستور أجريت الانتخابات الرئاسية في 2014 و2019، وجاء الرئيس فيهما رئيساً، فما الجديد سوى رغبة أركان النظام الحالي في التمديد للرئيس السيسي ووضع مادة انتقالية لم تحدث في تاريخ مصر الدستوري من قبل إلا في تعديل عام 1980 للدستور 1971 بفتح الفترة الرئاسية إلى مدد أخرى.
ـ المقولة الثانية: الشعب هو الحكم وهو الفيصل في هذه التعديلات، وهي مقولة تبدو متماسكة ومنطقية، ولكن هذا يحدث في ظل نظام ديمقراطي تعددي، يحترم حرية الرأي والتعبير والحق في المشاركة السياسية ووجود منابر صحفية وإعلامية مستقلة، ومجتمع مدني حقيقي يستطيع مراقبة العملية الخاصة بالاستفتاء، واحترام دور الأحزاب السياسية وحقها في ممارسة نشاطها السياسي سواء بالتأيييد أو بالمعارضة، واحترام الحق في التظاهر السلمي، وتفعيل مبدأ سيادة القانون واستقلال للقضاء،
بدون ذلك لا يوجد ضمانات بأن يعكس الاستفتاء الرأي الحقيقي لجماهير الشعب، وألا يحدث تلاعب في النتيجة سواء عبر الصناديق، أو عبر النتيجة الرقمية، أو عبر منع المعارضين من التصويت، أو هناك مؤشرات بذلك منها القبض على عشرات المعارضين لهذه التعديلات سواء بسبب مواقفهم السياسية المعلنة، أو بسبب قيامه ببث فيديوهات تؤكد موقفهم ومنهم عدد من قيادات حزب الدستور والكرامة.
ـ المقولة الثالثة: الحاجة للتمديد للرئيس الحالي لاستكمال الإنجازات، وهو حديث يختلف عليه الكثيرين من تقييمهم الإيجابي أو السلبي لمثل هذه الإنجازات خلال السنوات الماضية، مثلاً على المستوى الاقتصادي؛ هناك تردي كامل لمعيشة المصريين في ظل تعويم الجنيه المصري، وسياسة الاقتراض المستمرة من صندوق النقد الدولي ورفع الدعم عن كامل الخدمات في النقل والكهرباء والمياه والغاز، وتردي حقوق المصريين في السكن والصحة والتعليم.
وتحولت الدولة إلى جابية لأموال المصريين التي لم تعد موجودة، وتحميل الشعب كل الفواتير سواء بالدخول في مشاريع يراها البعض غير ذات جدوى مثل العاصمة الإدارية الجديدة أو تفريعة قناة السويس..
— من ضمن هذه التعديلات نص المادة 140، التي تشير إلى انتخاب الرئيس لمدة 4 سنوات ولا يجوز انتخابه إلا لمرة واحدة، ونص التعديل هو أن تكون المدة 6 سنوات، ولا يجوز انتخاب الرئيس لأكثر من مدتين متتاليتين، ويجرى هذا العدوان في ظل وجود مادة 226، والتي تحدد إجراءات تعديل الدستور، وتتضمن نصاً مانعاً من التعديل في فقرتها الأخيرة (فيما يخص إعادة انتخاب الرئيس أو مبادئ الحرية والمساواة ما لم يكون التعديل متعلقا بالمزيد من الضمانات)، وتأتي هذه التعديلات رغماً عن هذه المادة والتي سبق أن أكد رئيس “مجلس النواب” استحالة إجراء تعديلات على المادة الخاصة بانتخابات الرئاسة في ظل وجود هذه المادة “وأنه سبق أن ناقشها في لجنة العشرة التي ناقشت المبادئ الأساسية لدستور 2014 ووضعت مسودته الأولية لتنظر فيه لجنة الخمسين، ثم تراجع بعد أن ذلك مدعياً أن التعديل به ضمانات!!
ومن السهل أن نخرج محاضر المناقشات فيما يتعلق بهذه المادة ووجهات نظر أعضاء لجنة الخمسين والتي شرحوا فيها قصدهم من هذا التعديل.
الأنكى أن نص التعديل يشير إلى جواز تولي الرئيس مدتين متتاليتين فقط، أي أنه -وبمنطق المخالفة- يفتح الباب لنفس الرئيس أن يأتي مرة ثالثة ورابعة عبر محلل بعد فترتيه الأوليتين، وبالتأكيد لم يكن هذا النص في نية ولا مقصد من وضعوا هذا النص سواء في 2012 أو 2014.

بقلم: شريف هلالي