الرئيسية / تكنولوجيا / منصة فيسبوك واتش (Facebook Watch).. نشأتها وتأثيراتها على وسائل الإعلام

منصة فيسبوك واتش (Facebook Watch).. نشأتها وتأثيراتها على وسائل الإعلام

الظهور والانتشار

فيسبوك واتش هي خدمة فيديو عند الطلب (Video on demand) يقدمها موقع التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا حول العالم إلى مستخدميه، تتيح لهم اختيار المحتوى ومشاهدته أو الاستماع إليه داخل الموقع عبر أجهزة الحاسوب أو الهواتف المحمولة، في الوقت الذي يرغبون به دون وجود موعد ثابت أو جدول للبث كما في وسائل الإعلام التقليدية، انطلقت منتصف عام 2017م وكانت متوفرة فقط لشريحة من المستخدمين داخل الولايات المتحدة، تدريجيًا بدأت بالانتشار لتصبح متاحة لجميع المستخدمين في كل الدول مطلع عام 2018م، تقدم الخدمة مقاطع فيديو مُقترحة طبقًا لتفضيلات المستخدم أو مقاطع الفيديو الأكثر شعبية عبر الموقع، تظهر في قوائم وتصنيفات حسب النوع، كبرامج الأخبار، والبرامج الحوارية، والدراما والكوميديا، وتلفزيون الواقع، والبرامج الوثائقية، وغيرها. فهي أشبه بالتلفاز لكنَّ إمكانية الوصول إلى محتواها تكون حسب رغبة المشاهد أو المستخدم.

التمويل وطبيعة المحتوى

حرص فيسبوك على إنتاج برامج إخبارية واجتماعية وترفيهية حصرية ومخصصة لهذه المنصة بالتعاون مع كبرى مؤسسات الإعلام مثل سي إن إن (CNN) وفوكس نيوز (Fox News) وأي بي سي نيوز (ABC News)، وغيرها من المؤسسات الإعلامية الأمريكية، بعد توقيع عقد شراكة بين المؤسسات وبين فيسبوك الذي يحصل على (45%) من عائدات الإعلانات التي تظهر في تلك البرامج، بينما تحتفظ المؤسسة الإعلامية بنسبة (55%) شرط أن لا يُنشر أو يُبث البرنامج خارج إطار المنصة أو موقع فيسبوك بشكل عام إلا بعد مدة من عرضه فيها.

وطبقًا لما ورد في صحيفة وول ستريت جورنال (WSJ) فإنَّ فيسبوك كان مستعدًا لإنفاق مليار دولار كميزانية لإنتاج محتوى مرئي يُعرَض لأول مرة عبر منصته فقط، إذ خصص الموقع مبالغ مالية تتراوح بين (10-40) ألف دولار لكل حلقة من البرامج القصيرة، أما بالنسبة للبرامج ذات الحلقات الطويلة فقد خصص الموقع لها ميزانية تتجاوز أكثر من (250) ألف دولار.

وفيما يخص نشرات الأخبار، فقد استقطب فيسبوك في منصته وجوه صحفية معروفة حائزة على جوائز في الصحافة والإعلام، لتقديم نشرات إخبارية محلية ودولية، فضلًا عن تغطيات مباشرة لأحداث وفعاليات حول العالم، وهذه النشرات يتم تحريرها وإنتاجها وإخراجها من قبل صحفيين مهنيين، فمضامينها خاضعة لمعايير وضوابط العمل الإعلامي، ولا تشبه ما يُنشر في الموقع من قبل باقي المستخدمين غير المتخصصين في مجال الإعلام.

وأبرز هذه البرامج الإخبارية التي تُبَث عبر منصة واتش هي:

  1. إي بي سي نيوز من الحدث (ABC News On Location): برنامج يومي يعرض تقارير متنوعة من مراسلين مختلفين حول العالم، إلى جانب أبرز الأخبار العاجلة.
  2. برنامج مطاردة الفساد (Chasing Corruption): برنامج أسبوعي من مجموعة ألباما للإعلام (Alabama Media Group) يُقدِّمهُ الصحفي والكاتب إيان هوب (Ian Hoppe)، وهو برنامج استقصائي يكشف قصص متنوعة عن الفساد الإداري والاحتيال وغسل الأموال والجرائم الأخرى.
  3. الحلقة الكاملة مع أندرسون كوبر (Anderson Cooper Full Circle): برنامج يومي تستضيفه سي إن إن ويقدمهُ الإعلامي الأمريكي أندرسون كوبر الذي يمتلك خلفية مهنية كبيرة في مجال الإعلام وقاعدة جماهيرية واسعة، وهذا البرنامج يسلط الضوء على موضوعات متنوعة سياسية واجتماعية.
  4. برامج أخرى: تناقش قضايا مهمة وتخص الشأن الداخلي الأمريكي، وأحداث وملفات تخص شؤون باقي الدول، على سبيل المثال برنامج (أمريكا الحقيقية) الأسبوعي الذي يسافر فيه مقدم البرنامج في إلى ولايات مختلفة في أمريكا للتحدث مع المهاجرين غير الأمريكيين من جنسيات مختلفة والتعرف على واقعهم.

خدمة الأخبار العاجلة

إضافة إلى ما سبق، توجد خدمة الأخبار العاجلة داخل المنصة، وقد عمل فيسبوك على تطوير وإطلاق الخدمة بالتعاون مع أكثر من (80) موقع وصفحة ناشرة للأخبار حول أمريكا الشمالية والجنوبية والهند وأستراليا، وفيها يستقبل المستخدم إشعارات داخل تطبيق فيسبوك عن أهم الأخبار التي تدور حوله طبقًا لموقعه الجغرافي وما يتابع من صفحات ناشرة.

على الرغم من ذلك، لم يرصد الباحث ضمن المدة التي تابع فيها المنصة وما يُنشر من محتوى فيها، أي محاولات جادة من وسائل الإعلام المحلية العراقية، أو حتى العربية لاستثمار هذه الخدمة وتحويلها إلى منصة لنشر المحتوى ومقاطع الفيديو وحتى البرامج، وإنما لا تزال أجهزة ووسائل الإعلام العراقية تُعاني من مشكلة في الخروج من دائرة التقليدي وتجربة ما هو جديد في حقل يشهد تطور وتغير في كل دقيقة، بالتالي فهي دعوة للمؤسسات والوسائل الإعلامية المحلية للخوض في هذه التجربة وتقديم مواد صحفية وبرامج تُحاكي خصائص وسمات مستخدمي الفيسبوك وتُلبي حاجاتهم لتحقيق التفاعلية والاندماج والتأثير الإيجابي الذي يؤدي وظائف الإعلام المتمثلة بنقل الرسالة والتثقيف والتوعية والإرشاد.

وقد رصد الباحث أيضًا أنَّ الصفحات والحسابات العراقية غير الإعلامية تستخدم هذه الخدمة بمحدودية نشر مقطع فيديو دون تخطيط مسبق للعملية؛ أي أنَّ الناشر غير متخصص في مجال الإعلام بل شخص يُدير صفحة قد تكون خاصة بمتجر أو علامة تجارية معينة تروج عن منتجاتها، أو صفحة عامة تنشر مقاطع فيديو (أغاني، أفلام، مقاطع مضحكة) منقولة من اليوتيوب وسناب شات وغيرها، لكنَّ نسب المشاهدات التي تحظى بها تلك المقاطع تفوق معدلات متابعة أكبر صفحات وسائل الإعلام المحلية، كصفحة شبكة الإعلام العراقي والشرقية نيوز، وهو مؤشر سلبي يخلق فجوة بين الإعلام ومن يتخصص في صناعته، وبين أشكال ومظاهر الإعلام الجديد التي لا يستطيع التعامل معها.

التأثير على وسائل الإعلام

سعى فيسبوك في السنوات الأخيرة الهيمنة على الإعلام عالميًا بإطلاقه الكثير من الخدمات التي نافس بها الوسائل الإعلامية الكبرى، ولم تجد تلك الوسائل طريقًا غير استخدام ما يطلِقهُ فيسبوك من خدمات وتوظيفه لنشر المواد والبرامج، متقبلة فكرة أن يُصبح الفيسبوك شريك في عائدات الإعلان ورقيب أو حارس بوابة آخر على ما يُنشر عبر الوسيلة؛ حفاظًا على الجمهور أولًا وبقائها فاعلة في السوق الإعلامي ثانيًا، وقد بين تقرير معهد رويترز للصحافة مؤخرًا أنَّ منصة واتش هي رغبة طال انتظار تحقيقها بالنسبة لفيسبوك من أجل تحديد مفهوم جديد للتلفزيون، والسيطرة على سوق الإعلانات الذي تُهيمن عليه شركات ومؤسسات إعلامية كبيرة.

والمتتبع لهذه الظاهرة سيلاحظ أنَّ منصة واتش جاءت كنتاج محصلة نهائية تُغير المشهد الإعلامي والطريقة التي نشاهد بها التلفاز، فالميزانيات التي يخصصها فيسبوك لجذب واستقطاب الوسائل الإعلامية مغرية جدًا ومثمرة في الوقت ذاته؛ لأنَّ المادة المنشورة في صفحة تحمل اسم مؤسسة إعلامية (لتكون على سبيل المثال سي إن إن) موثوقة ولها صورة في أذهان الجمهور، هي مادة تحقق مشاهدات عالية تفوق مشاهدات القناة الفضائية التي تكاد عائداتها لا تُغطي نفقات البث والإنتاج.

وهناك منافس آخر اليوم بالنسبة لوسائل الإعلام عبر الإنترنت وداخل فيسبوك بشكل خاص، وهم صُناع المحتوى من غير الإعلاميين الذين يملكون جمهورهم الخاص بأعداد كبير تصل إلى الملايين، فالمنصة غير محددة فقط لوسائل الإعلام، بل يستطيع كل شخص أن ينشر فيها البرامج والمقاطع محققًا عائدات وأرباح مالية هائلة، وقد حدث هذا فعلًا فهناك صفحة تُسمى (The prankster brothers) ذكرت أنها حققت عائدات وصلت أكثر من (500) ألف دولار مطلع شهر آب/أغسطس العام الماضي، هنا ينبغي على وسائل الإعلام اليوم استيعاب فكرة التغيير، والسعي لوضع خطط تستقبل غرف الأخبار الذكية القائمة على مخاطبة جمهور مواقع التواصل الاجتماعي.

إنَّ الضغوطات التي يتعرض لها الإعلام التقليدي اليوم خطيرة، لذلك لابد من مواكبة التطور الحاصل حفاظًا على المؤسسة الإعلامية وعلامتها التجارية، وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها في نشر وبث المواد الصحفية التي تتناسب مع طبيعة المنصة، دون التقيد بقوالب تقليدية في تحرير الأخبار وتقديمها، بل ابتكار طرق جديدة سواء في التحرير والإنتاج تجذب المستخدم وتدفعهُ لمتابعة ما يُنشر ويُبث عبر الوسيلة.

المصادر والمراجع

  1. محمد يسري جبر، “FB WATCH”.. هل يقضي تسونامي “فيس بوك” الجديد على صناعة الإعلام؟، مقال منشور في جريدة المال، متوفر على الرابط: bit.ly/2I8n8Mj.
  2. Deepa Seetharaman, Facebook Is Willing to Spend Big in Video Push, The Wall Street Journal, available at: on.wsj.com/2Bo2RME.
  3. Sapna Maheshwari, Facebook’s Version of YouTube Takes Shape With Pranksters, Magicians and Cartoons, The New York Times, available at: nyti.ms/2HVmDoA.
  4. Todd Spangler, Facebook Paying for News Shows From ABC News, CNN, Fox News, Univision, Others, Variety, available at: bit.ly/2tbYMXj.

فيديو مقال منصة فيسبوك واتش (Facebook Watch).. نشأتها وتأثيراتها على وسائل الإعلام