الرئيسية / تاريخ / دنشواي في التاريخ ودور الحركة الوطنية

دنشواي في التاريخ ودور الحركة الوطنية

ولم تتوقف عمليات الصيد من قبل الجنود البريطانية وتسببت في اشتعال حريق في إحدى قرى منطقة الزقازيق عام 1902 مما دفع الفلاحين لمهاجمة اثنين من الرهبان تصادف وجودهما في هذا المكان، ومرة أخرى كان العقاب الذى نزل بالفلاحين قاسياً فقد أرسل أربعة منهم إلى السجن لمدة سنة، كما حكم على سبعة آخرين بمدد تتراوح بين شهرين وستة أشهر وفى هذا الاتجاه وقعت معركة دنشواى 1906، وأصدرت أحكام بالغة القسوة وانتهت إلى أن 21 شخصاً هم الجناة ونفذت الأحكام التي شملت هؤلاء الأشخاص ما بين الجلد والإعدام.

حكم بريطانيا في مصر

لا يمكن تبرئة بريطانيا من أنهم قاموا بإنشاء محكمة استثنائية لكى تحاكم وخارج القانون، فلاحين مسالمين لم يرتكبوا أي خطأ، سوى الدفاع عن حقولهم وأملاكهم. ولكن إذا كانوا مسؤولين عن ذلك، فإلى أي حد كان كذلك المسئولون المصريون الذين قبلوا، وبلا احتجاج، الاشتراك في هذه المحكمة، والذين قدموا للدولة المحتلة أكثر مما كانت هي تحلم به، أو تجرؤ على طلبه. ولكن بريطانيا لم تلمس من هؤلاء السادة أية مقاومة.

بريطانيا في المحكمة المصرية 

ولم يقم بطرس باشا وزملاؤه بأي بادرة؛ لكى يتهربوا من ذلك الشرف البائس لمحاكمة أبناء بلدهم. ولم تصدر أي كلمة طيبة من أفواههم؛ وبدون احتجاج، وبدون تردد، ضحوا للأجنبي بهؤلاء البؤساء، والذين كان مصيرهم في أيديهم، والذين كان عليهم أن يستمعوا إليهم قبل أن يحكموا عليهم. ولم يذكر أحد الظروف التي دفعت بالأحداث إلى هذا الحد، والتي دفعت بالأهالي إلى الثأر لكرامتهم. ويقول الخديو عباس حلمي الثاني بخصوص الأهالي: “وكان صديقي العزيز، والمأسوف عليه، السير إلدون جورست، لديه النية دائما في أن يصلح، وبقدر المستطاع، وفى كل فرصة تسنح من مشكلة دنشواى. ولقد تفاهمنا سوياً على العفو عن المساكين المحكوم عليهم، الذين كانوا لا يزالون في السجون. وتم فك أغلالهم، وتحويلهم سرًا من سجن القناطر، الذى كان داخل نطاق مديريتهم. وفى الصباح، قبل الفجر، تركوهم يخرجون وأرسلوهم إلى قريتهم. ونحن ندين، في عملية التحرير هذه للسير إلدون جورست، والذى كان قد بذل كل ما في وسعه لدى وزارة الخارجية البريطانية حتى تسمح لي بالعفو عن هؤلاء المساجين البؤساء. ومع ذلك، فلم يشكره أحد. وفهمت سبب شعوره بالمرارة، وقلة سروره.

حادثة دنشواي

نفذ الحكم بطريقة وحشية، زادت فظاعة المحاكمة، وفاقت كل ما يتصوره العقل، من وسائل الانتقام والتعذيب، وكان التنفيذ في اليوم التالي لصدور الحكم، في المكان الذى مات فيه الكابتن بول، وفى مثل الساعة التي وقعت فيها الحادثة، ففي الساعة الرابعة بعد منتصف الليل سيق المحكوم عليهم بالإعدام والمحكوم عليهم بالجلد إلى نقطة الشهداء، على مسافة نحو عشرين كيلومترا من شبين الكوم وأربعة كيلومترات من قرية دنشواى، وأنزلوا بها بحراسة الجنود البريطانيين والمصريين، حتى اذا اقتربت الساعة الأولى بعد الظهر جيء بهم إلى دنشواى، وهناك نصبت المشنقة وآلة الجلد، ونفذ الحكم في المشنوق الأول علنا، على مرأى من أهله وذويه، وبين صياح النساء ونواحهن، وبقى معلقا بينما نفذ حكم الجلد في اثنين، ثم شنق الثاني بهذه الطريقة، يليه جلد اثنين آخرين، وهكذا حتى تمت المجزرة.

الدهشة بالحكم الصارم

من الطبيعي أن يقابل هذا الحكم بالدهشة لصرامته، ولأنه فاق كل ما كان يتوقعه المتشائمون، وخلا من كل انصاف وعدل، اذ كانت الحادثة راجعة في الأساس إلى عدوان الضباط البريطانيين، ولم يقع اعتداء من الأهالي إلا بعد أن أصيبت احدى نسائهم وحرق جرن لهم ولم يمت من الضباط الإنجليز سوى ضابط واحد ثبت من تقرير الطبيب الشرعي أنه مات من ضربة شمس لشدة حرارة الجو.
وكانت الاجراءات التي لجأ اليها رجال الاحتلال في هذا الحادث مثار سخط عميق في مصر والخارج، وانتهت جهود مصطفى كامل بإثارة الرأي العام البريطانيّ نفسه على شناعة الاجراءات التي اتُخذت وبما وقع في مجلس العموم البريطانيّ من استجواب كان له أثره في صدور العفو عن مسجوني دنشواى.

جهاد مصطفى كامل ضد بريطانيا 

أثار جهاد مصطفى كامل حفيظة بريطانيا ضد شقيقه على فهمى كامل الذى كان ضابطا في الجيش فكانت هذه فرصة للانتقام من مصطفى كامل في شخص شقيقه الذى لاقى الكثير من الاضطهاد مما دفعه إلى تقديم استقالته من الجيش في أكتوبر1895 ولكن الانجليز مارسوا ضغوطهم عليه حتى استرد استقالته مرة أخرى في مارس 1896 بعد خطبة مصطفى كامل في الإسكندرية معتزما أن يلازم شقيقه في ميدان الجهاد. وقد اعتبر بريطانيا تقديمه للاستقالة في المرة الثانية في وقت تستعد فيه الحكومة لحملة دنقله مخالفة للواجب العسكريّ تستوجب محاكمته في حين أنه لما علم بنبأ الاستعداد للحملة استرد استقالته ووضع نفسه تحت تصرف وزارة الحربية وحوكم أمام مجلس عسكريّ قضى بتجريده من رتبته كملازم أول وتنزيله لرتبة نفر ولحق بتجريده ونقله بالأورطة السابعة. أما مصطفى كامل فقد طلب مقابلة الخديو لهذا الغرض واعتبر بريطانيا هذه المقابلة تحديا من الخديو ومظاهرة ضد الاحتلال مما دعا اللورد كرومر لمقابلة الخديو مظهر استياءه واستياء الدوائر البريطانية وكان رد الخديو أن مصطفى كامل ككل مصريّ له الحق أن يشكو مظلمته ثم أصدر عفوا عن على فهمى كامل في أغسطس 1896وقد أعيدت إلى على فهمى رتبه ونياشينه ثم قدم استقالته للمرة الثالثة ولكنها في هذه المرة قبلت في 22يناير1899.

نداء مصطفى كامل إلى الأمة البريطانية

وجاء في نداء مصطفى كامل: “وأطلب أخيرًا إلى الأمة البريطانية إذا ما كان يجدر بها ترك ممثليها يلتجئون، وبعد أربعة وعشرين عامًا، إلى قوانين استثنائية، وإلى وسائل أكثر همجية، لكى يحكموا مصر، ويعلموا المصريين قوانين العدالة الإنسانية. كما أن القوانين الاستثنائية والتعسف لا تؤدى إلا إلى هياج الشعب المصريّ، وخلق مشاعر عنده تخالف تمامًا مشاعره الحالية.
ويستمر قوله فيقول أيضًا: “هذا شأنهم معنا شأن القوى مع الضعيف، ينتهكون كل حرمة، ويطأون كل عزيز نفيس، فلقد احتلوا البلاد بحجة الاصلاح، وليس في تاريخ الاحتلال الا آثار الضغط واستبداد منطق حوادثه حادث بعد حادث، أن مراد البريطانيين امتلاك البلاد وجعلها هندا افريقية. ولسنا نستشهد على حوادث الماضي، بل نستشهد بحادث اليوم الذى جاء بضبة قاسية على النفوس، وصاعقة شديدة الوقع على الرؤوس، أعنى به حادث المحكمة العرفية الاستبدادية، التي أنشئت لمعاقبة كل من تعدى على جنود الاحتلال عقابا لا يدخل تحت قانون ما.

بريطانيا تأسس محكمة في مصر

تأسست بعد أن أرغت جرائد لندن وأزيدت وأرعدت سماؤها وأبرقت،تأسست هذه المحكمة على شكل يكفى وحده لأن يبرهن للعالم بأسره أن الانكليز لا يعرفون للقانون اسما. وهل سمعتم يا قوم بمحكمة تحكم بما يشاء هواها. محكمة تحكم بصلم الأذن وجدع الأنف، وسلخ الجلد وبالجلد والضرب. وهل رأيتم يا قوم في التاريخ أن أمة تحاكم على غير قانون ودستور. أجيبونا معشر المتشرعين وأسمعونا كلمة الحق أيها المنصفون. نعم نعم.. أنتم تريدون أيها المحتلون بهذه المحكمة عقاب كل مصريّ أمين بعرف أنكم خصوم بلاده، وتقصدون بها اهانة الوطنيين بسجنهم السنين الطوال، ان لم تقل بإعدام كثيرين منهم. نعم نعم.. أنتم تريدون بهذه المحكمة وضع الأساس الصالح لهدم المحاكم الأهلية، وابدالها بمحاكم استبدادية تحكم بنفس القانون الذى تحكم به محكمتكم الجديدة.. الخ.

سياسة بريطانيا في مصر 

يتضح مما سبق إن صرامة الأحكام والطريقة الوحشية التي نفذت بها كانت تهدف إلى الإرهاب فكانت هذه القسوة التي تجلت في أحكام دنشواى والأحداث التي سبقتها الهدف منها هو إبعاد الفلاحين عن المشاركة في الحركة الوطنية فكان من الطبيعي أن تفشل سياسة بريطانيا تجاه الفلاحين بدليل مشاركة الفلاحين على نطاق واسع في ثورة 1919.
وكان من نتائج تلك الحادثة أن الحركة الوطنية اشتد ساعدها بانضمام جمهرة المصريين اليها، وكشفت عن حقيقة نيات الاحتلال وهى أنه لا يرضيه من المصريّ سوى الخضوع والاستسلام ولا يرضى منه أن يشعر يوما بالعزة والكرامة، واذا تحرك فيه هذا الشعور كان جزاؤه الظلم والتنكيل، فالحادثة اذن قد حببت الاستقلال إلى نفوس المصريين، وجعلتهم يعتقدون أنه لا كرامة للأمة ولا لأى فرد منها الا في ظل الاستقلال. وبسبب مرض كرومر ونقد سياسته في مجلس العموم قدم استقالته. ولما جاء خلفه القنصل العام “سير الدون جورست Sir Eldon Gorst” أوصى حكومته بالإفراج عن المحكوم عليهم في دنشواى.

مطالب مصطفى كامل 

ذهب مصطفى كامل يطالب بالعفو عن مسجوني دنشواى لكى يمحى أثر من آثار الظلم الذى وقع بالأبرياء من شهداء هذه الحادثة، ودعا المصريين إلى تقديم العرائض إلى الخديو بهذا الطلب، وقد لبت الأمة دعوته وأقبل المصريون على رفع العرائض الاجماعية إلى الخديو بلغت 148عريضة وتردد صدى هذه الحركة في أوربا وبريطانيا، اذ طالب بعض النواب الأحرار في البرلمان البريطانيّ بالإفراج عن مسجوني هذه الحادثة، وتقرر في ديسمبر1907 العفو عنهم، وقد أفرج عن المسجونين الباقين يوم 7يناير1908.

مصطفى كامل عمل لتدخل فرنسا بالقضية المصرية

وجد مصطفى كامل أنه من الأوفق للدعاية للقضية المصرية عمل نداء لفرنسا على هيئة صورة رمزية سياسية تمثل مصر ترسف في قيود الاحتلال وتستصرخ فرنسا لتعاونها على التحرر. وطبع منها عدة آلاف من النسخ وقام بتسليم الصورة والكتاب المتصل بها إلى المسيو “بريسون” رئيس مجلس النواب الفرنسي في يونيو1895. ثم أرسل عقب ذلك بنسخ من الصورة والكتاب إلى مختلف صحف العالم ووزعها على جميع النواب والصحفيين والسياسيين في فرنسا. كانت أقوى أثرا من مئات المقالات التي تكتب في الصحف.

الحركة الوطنية وتأسيس الحزب الوطني المصري

فقويت الحركة الوطنية وانتظمت منذ تولى سياستها في أواخر القرن التاسع عشر مصطفى كامل الذى اشتهر بصدق الوطنية، وبعد الهمة والجرأة، والفصاحة، وأسس الحزب الوطني المصريّ، وهو أول حزب انشئ في مصر ببرنامج محدد ورئيس عامل، وكانت أهم مطالب الحزب الجلاء والدستور، ومصطفى كامل هو الذى جعل الوطنية عقيدة ثابتة عند المصريين ومطمحا ساميا تعتنقه النفوس وتعمل على تحقيقه، ولكن ضعف الحزب على أثر وفاة رئيسه الذى كان فيه الركن الأول، وتطبيق قوانين الصحافة والاجتماعات في عهد سياسة الوفاق التي سار عليها خلف اللورد كرومر السير الدن جورست والخديو عباس منذ 1907.

فيديو مقال دنشواي في التاريخ ودور الحركة الوطنية