الرئيسية / اقتصاد / الرؤية الإقتصادية في النظم الدكتاتورية

الرؤية الإقتصادية في النظم الدكتاتورية

نبذة عن الحرية و الدكتاتورية 

بعيدًا عن صراع المعتقدات والحركات والتحزبات ، والإنقسام الداخلي في بلادنا ما بين مؤيد ومعارض ، لابد أن نصل جميعًا إلي نقطة إتفاق واحدة ، وهي الحرية ، ولا أظن أن أحدًا يحب لنفسه العبودية لنظام معين وأن يكون مهمشًا بلا حق له أو واجب عليه ، ولكي نتفق جميعًا علي هذا الهدف لابد أن نعرف معني الحرية ، ولن نعرف حقيقة هذا اللفظ إلا إذا عرفنا مضاده جيدًا ! فإذا أردت أن تعرف قيمة الحرية لابد وأن تجرب أضرار العبودية وتعرف مساوئ الحياة فيها وتكتشف حقيقة أطماعها المرة ،
ولذلك أود أن أطرح بعض الأسئلة غير البريئة والتي يتحتم علي الجميع الإجابة عليها :
_ ما الذي جنته بلادنا من الدكتاتورية وما حقيقة هذا المصطلح ؟
_ ولماذا تقدمت الدول الأقل مواردًا وما زلنا نتعثر ؟
_ من المسؤول ؟

الحقيقة أننا لا نجد عذرًا مقنعًا لتلك الدكتاتورية وذلك التسلط العجيب في بلادنا العربية ، فإن كانت الدكتاتورية بغرض الحفاظ علي مصلحة واستقرار الدولة كما يدعون ، فأين تلك الأمجاد والبطولات التي يخافون عليها من الضياع والتي تجعلهم يزجون بكاتب أو مفكر إلي السجن خوفًا من أن يزيل أمجادهم العريقة أو يهدد اقتصادهم الفتاك ؟

“مثال” كوريا الشمالية

إن كوريا الشمالية رغم دكتاتوريتها ونظامها الشديد إلا أنها تمتلك وجهة نظر واقعية لاستخدام الدكتاتورية ، وهي فرض النظام وتحقيق الهدف المعلن وهو” الإستقلالية” ، وقد أظهرت الدولة شيئُا من التقدم بالإضافة إلي تطور الجيش رغمًا عن هذه السياسة المتعسفة ، وهي قاربت علي الوصول إلي الإكتفاء الذاتي واستقلال قرارها السياسي ، فلقد أصبحت كوريا الشمالية سيدة قرارها ولا تتدخل الدول الأخري في شؤونها تحت أي شعار ، فهي صاحبة شخصية مهابة بين الدول رغم اقتصادها الذي لا يزال فقيرًا بالمقارنة بنظيرتها الجنوبية ، كما يعامل فيها المواطنون بمبدأ المساواة والشدة ، وليس هناك أشراف وعامة ، وهم يعتمدون علي خبراء يخططون لإقامة مشاريع قوية ومصانع منتجة في الفترات الأخيرة .

وها هم الآن يصدرون الأسلحة لمختلف الدول الإفريقية ويمتازون بصناعات جيدة ، وأيضًا يملكون مقرات حديثة لأبحاثهم العلمية ، ويكفي أنهم يصنعون سلاحهم ويؤمنون احتياجاتهم ،
و الدكتاتورية عندهم علي الأقل تحاسب الفاسد والمقصر مهما بلغ منصبه ، ولكن علي كل حال فتجربة الدكتاتورية فاشلة في كل مكان وزمان ولا تجلب إلا مزيدًا من التأخر والتخلف خاصة علي الإقتصاد ، لكن ما أقصده أن أهداف الدكتاتورية في كل مكان تختلف عن أهداف الدكتاتورية في أوطاننا !
فتجد هتلر استخدمها بغرض سيطرة بلاده والهيمنة علي العالم لصالح ألمانيا ،
وتجد كوريا الشمالية _ كما ذكرنا _ تهدف إلي الإستقلال والإكتفاء والقوة الحربية ،

ماذا حققنا بالدكتاتورية في بلادنا وما مبرر استخدامها ؟

نحن عندما نقلد نختار أسوء نموذج ثم نقلده بأسوء طريقة ! فيا ليتنا نجحنا حتي في الديكتاتورية ووظفناها لصالح البلاد وحاسبنا الفاسدين مثلما فعل غيرنا علي الأقل !
لكن الدكتاتورية عندنا تحاسب الفقير دون الغني وتستهدف العالم دون الجاهل وتطارد المثقف دون العامة وتكتف المصلح دون المفسد وتكتم المفوه دون السفيه !

ولقد قصدت ذكر هذه الأمثال لأثبت أن ما يحدث هنا في بلادنا ليست دكتاتورية تهدف لتقدم البلاد بالشدة والقوة أو الإكتفاء والإستقلال ، وإلا لكنا حققنا ذلك منذ الكثير

بل هي ديكتاتورية عقيمة تهدف إلي التحكم في الناس وقوت يومهم في المقام الأول ثم الطبقية ومصلحة الحكام واستمرار بقاءهم في المقام الثاني ، وإلا ،
فأين الإقتصاد رغم كثرة مواردنا ، ولماذا لم يتحسن رغم كل هذه المشروعات وبعد هذه السنوات الطوال ورغم كل هذا الدعم الخارجي ؟
هم ببساطة أثبتوا أنهم لا يريدون إقتصادًا حقيقيًا لشعوبنا ، حتي لا تملك الأجيالُ قرارها في مصير بلادها والحرية في صنع دولة ديمقراطية ، لتظل هذه الطبقات الحاكمة ونسلها هي المهيمنة دائمًا علي الشعوب ، وهذا هو مفهوم الدكتاتورية عندنا وسبب استخدامه ،
فحتي ذلك المصطلح الفقير قد ظلم في بلادنا ولم يسلم من غباء الحكام وخبث أهدافهم ! فالديكتاتورية العربية تعني حماية الفاسد ومحاربة الفكر والعقول المستنيره بدلًا من التنكيل بالفاسدين والمخربين !

الإقتصاد في ظل الدكتاتورية في بلادنا

بعد أن تحدثنا عن الدكتاتورية ومفهومها نريد أن نتكلم عن الإقتصاد في بلادنا وكيف يتحرك في ظل هذه الدكتاتورية ، فطريقة التفكير والإدارة هي التي تصنع المواقف القوية ، وتبني الشخصية المهابة ، وليس هناك وجود لمن لا يملك اقتصادًا قويًا يمكنه من التفرد والتفزلك واتخاذ القرارات ولكي أوضح الفرق بيننا وبين مختلف الدول بمختلف الأنظمة سأضطر إلي عقد مقارنة أخري لنعرف كيف يدار إقتصادنا بالمقارنة مع الدول الناجحة اقتصاديًا ، وما الهدف من ذلك ؟

الاقتصاد في اسرائيل

نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل المغتصبه هو في الحقيقة رجل إقتصاد ناجح شئنا أم أبينا وهو يعرف كيفية بناء دولة قوية وقد صنع مشوارًا طويلًا لإقامة هذه القوة الإقتصادية علي مدار سنوات عديدة ، منذ البداية ، وحتي الآن هو يدبر لقوة كيانه المزعوم ويخطط لصفقة القرن ويريد دولةً من النيل إلي الفرات كما تعلمون ، لكنه استوعب السر ولم يتخبط ، لقد علم منذ الوهلة الأولي أنه لن يستطيع التحكم في غيره دون إقتصاد وعلم ،

من المعروف أن إسرائيل تستخدم الإشتراكية كنظام أساسي لبناء الإقتصاد لكنها في الحقيقة دولة دينية تميل إلي الهيمنة وتنفيذ المخططات والتحكم المطلق ، والغريب أن هذه الهيمنة لم تتحول إلي دكتاتورية داخل الدولة تفصل الشعب عن الحكومة وتسلب الناس حريتهم لصالح تلك السلطة المهيمنة ،
إن ما نفذته حكومة إسرائيل منذ بدايتها وحتي الآن في الإقتصاد هو ما نطلق عليه مصطلح ال ( efficiency ) وهو أن تفعل أفضل ما يمكن فعله في وقت معين وبموارد معينه ، أن تضع كل ما تملك في أصح مكان لتجني أفضل عائد مرغوب ، مما يعني أنه ليس هناك احتمالٌ للفشل أو المشروعات الوهمية ،
يوضع المال في أفضل مشروع وبأدق التفاصيل من دراسة وخطة ومراقبة ومتابعة من أجل تحقيق أفضل ما يمكن تحقيقه ،فمثلًا ، إسرائيل في فترة التقشف وفي بداية طريقها لم تؤسس مدنا جديدة ولم تؤسس ملتقيات شبابية وتنفق عليها المليارات دون جدوي حقيقيه ، ولم تهتم بالأمور الشكلية التي تجذب الأنظار إليها ،
لقد اهتمت في تلك المرحلة بعدة أمور أساسية أهمها بناء مؤسسات الدولة الصحية والتعليمية ، الإنسان والعقل كانا في المقام الأول ، لذلك نجد وفود العلماء والمهاجرين عليها ، لأنهم وجدوا اهتمامًا وتقديرًا بالغًا لعقولهم في ذلك المكان .
ثم مرت بمرحلة تضخم وكساد فتغلبت عليها عن طريق تقليل أرباح الشركات الرأسمالية وتقليل الإنفاق الحكومي ولم تمتص دماء الشعب بطريقة مستفزة لتعويض الخسائر ،اليوم إسرائيل تصدر وتستثمر في العالم كله، ولديها أحدث معامل بحثية وتكنولوجيا فائقة.

وللأسف هي تحتضن علماء العالم وتجهز لهم أفضل معامل وأحدث أجهزة وتقدر مجهوداتهم بأفضل عائد مادي وهو عكس ما تفعل أنظمتنا العربية من تفريط وتهجير وتسفيه للعلم والعلماء
هم يهتمون بالعقول أكتر ما يهتمون بالحجارة والبناء ، ويعطون العقول حريتها ويتركون للفرد مجالًا للإبداع والتفوق ، فبذلك كله مما ذكرنا ، نجدهم يتبعون أفضل الأنظمة الإقتصادية المخططة ..

أما الدول العربية في الإقتصاد ليس لها أي مصطلح علمي توصف به ، لا ( efficiency ) ولا ( effictiveness) ولا أي منهج علمي آخر ، فمن الممكن أن نسميه منهج ” الفشخره الكدابه ” أو “الشبع من بعد جوع ” أو ” زي ما تيجي ”

الاقتصاد في مصر

في مصر مثلًا ظهرت تصريحات شديدة الغرابة تقر بأنه لا يوجد دراسات جدوي معتبره لمعظم المشاريع التي تنفذ ، وهذا ليس بالشئ الغريب بالنسبة لي ، فهذا هو المنهج المتوقع للجيش والإدارة العسكرية للبلاد ، فهذا منهجهم الطبيعي الذي يعتمدون عليه في حياتهم العسكرية انهم ياخذون الامور كلها بالقوة والفتونة لا بالدراسات العلمية ،
وقد تكلم الدكتور علاء الأسواني في مقال له عن أسباب فشل النظام العسكري في إدارة البلاد بالتفصيل لذلك لن أتطرق إلي سرد الأسباب مرةً أخري

لكننا حينما نسقط الفكرة علي الواقع نجد أن معظم المشروعات الكبيرة التي نفذت في مصر في الفترة الأخيرة هي بالنسبة لرجل إقتصاد ما هي إلا ( لعب عيال ) أو ( فرد دراع ) لإسكات المعارضين ليس أكثر ، في حين أن هذا المال كله كان من الممكن أن يستغل في مشاريع تحدث نقلة مختلفة في تاريخ مصر إذا ما استُغِل بطريقة علمية مدروسة لإعادة هيكلة الدولة بمؤسساتها المختلفة ،

في مصر نحن الشباب ليس عندنا أي ثقة في أن نتعلم في بلدنا ، وكل من يريد التعلم يضطر إلي الخروج من مصر ،فهناك الكثير والكثير من العلماء المصريين في مختلف المجالات يعيشون بالخارج وقد حصلوا علي أعلي المناصب وأتيحت لهم أفضل المعامل لكي يبدعوا ،فنظامنا الحاكم يهتم بالحجارة أكتر مما يهتم بالعقل البشري ، نحن دائمًا ندوس العقول ونهتم ببناء المدن ومصالح الصفوة والإستعراضات الغير مجدية ، ولا أعترض علي الإنفاق علي هذه المجالات إذا أخذ الشعب حقه وتم الإهتمام بالأولويات أولًا .

وحتي الدول العربية الأخري والتي تمتلك مالًا لا حصر له ، لم تفكر في استضافة العلماء من الدول العربية المتدهورة لتوفر لهم الأجواء العلمية ، بدلًا من اضطرارهم إلي السفر إلي الدول الغربية والتي تمتص عقول أبناءنا لصالح تقدمها ، إن أنظمتنا لم تشرع حتي الآن في بناء المعامل والمفاعلات ، كل الإهتمام يكون ببناء أفضل مدينة وأفضل منتجع والحروب الداخلية ونقل كرة القدم بطريقة جيدة ليس أكثر ،

الأمر بما فيه أن الإقتصاد هو بداية التقدم ونقطة التحول ، وبتحريضٍ من الغرب هم يريدون أن نظل نبحث دائمًا عن قوتنا وننهك في طلب العيش حتي لا نلتفت إلي الحرية التي ستجعل عقولنا أكثر فهمًا مما قد يضر مصالحهم الخاصة .

شماعة “المؤامرة” لتبرير الفشل

ولكن من السفه أن نظل نردد مصطلح المؤامرة ونترك أنفسنا في استسلام لتلك المخططات ، ومن السفه أيضًا أن نجعل اليهود عباقرة تخطط ، ونحن ضحايا فكرهم الخرافي ،الأمر ليس كذلك ، هناك مؤامرات نعم بكل تأكيد ، لكننا نحن من نشارك في صنعها في المقام الأول ، ونحن من نحارب بعضنا في الداخل ، لأن كل فريق يريد مصلحته الخاصة .

نعم هناك قراصنة إقتصاد يتلاعبون ببلادنا ويفرضون سيطرتهم ويمدونا بالأموال لكي يضمنوا الاستقرار لصالحهم ثم ينهبون ثرواتنا في الخفاء ، والاستقرار الذي يريدونه لنا ليس الإستقرار بمعناه الجيد وهو التقدم والقوة
وإنما يعني خضوعنا وعدم نيل الحرية التي تمثل بداية تهديد لوجودهم المزعوم ، ولكن علي كل حال .
إن القضية قضية علم وفكر وليست قضية غضب وحمق ، فحينما غضبت الشعوب العربية في ربيعها الأول لم تحقق شيئًا غير التخلف والدمار وذلك بسبب قلة الوعي وسطحية الفكر ، فبلادٌ أحتلت ، وبلاد سرقت ثوراتها ، وبلاد مزقها الإرهاب .
لكنها قد تكون بداية جديدة تعيدنا إلي الصواب، حتي إذا ما انتشر الوعي ونضج الفكر بوجود هذه المحن والمصاعب ، يتحول هذا الفشل ويكون بدايةً للتقدم وتحقيق الديمقراطية في بلادنا المنهكة ، فها نحن الآن عرفنا الحقيقة وجربنا كل الأنظمة واختبرنا جميع الصراعات وفطنا إلي أن الحرية تكون بالتكاتف والوحدة ، ولن تكون القيادة بعد الآن إلا للعقول التي تستحقها ، فالديمقراطية هي الحل …

فيديو مقال الرؤية الإقتصادية في النظم الدكتاتورية

 

أضف تعليقك هنا