الرئيسية / قضايا أسرية / العولمة الأبوية ودور الأسرة في التربية

العولمة الأبوية ودور الأسرة في التربية

الحجر الفكري كمفهوم أشمل للعولمة

  ليست كل عولمة سياسية أو اقتصادية أو دولية، وإنما عولمة الثقافة والآراء التي تمارس في كل بيت وأسرة أخطر على المجتمع مما سواها، وإن من مظاهرها هيمنة الكفيل على العيال وتنشئة ذرية لا تحمل نفس الجينات الوراثية فحسب وإنما ترث كذلك الجينات الفكرية بمضارها ومنافعها، و مساوئها ومحاسنها، ورؤاها ومذاهبها، وإنه من أعتى أنواع القتل وأشر عناوين التدليس أن تلغي شخصَ إنسان من الوجود، أو تمحو خصائصه وبصمته التي تصنع منه إنسانا فريدا وفردا أوحدَ في هذا العالم الفسيح، وقد يُصلح به حال أو يدرأ به شر.

  يقول أحد الناقدين المسئولين في مصر -ثناء على خطوة الوزارة التي خطتها نحو تطوير التعليم في مصر- أن الطفل لدينا في مصر بحسب الدراسات يولد بأعلى نسبة ذكاء لطفلٍ في العالم كله حتى أن يصل إلى ست سنوات -وهي سن المدرسة- فيتضح أن ذكاءه يأخذ في انتقاص دائب حتى يستقر إلى حد معين في سن الطفولة المتأخرة— يقول: “فإذا بحثنا لوجدنا أن هذه الفترة من عمره هي مرحلة التعليم الأساسي…”— وعليه فإن المدرسة لا تنمي والأسرة لا تربي ولكن تسهمان بشكل أو بآخر في كبت وتقييد ذلك العقل النير والذكاء الفطري ويستبدلان بهما تقاليد وأعراف قائمة على التلقين المدقع والتبعية المطلقة.

التأثير وقمع الشخصيات الناشئة

  مذ أن كنت حديثا إلى عهد طفولتي القريبة، كان يتردد إلى طبقات أذني ويتهافت لعن أمي المُطنَب بالتأفف والاستياء للصيف، ولم تك لتكف فكها عن تعديد مساوئه التي ارتأتها جمة ليست إلى منتهى؛ وعلى النقيض من ذلك، فقد كانت كثيرة الثناء والتقريظ على الشتاء وبرده وأدوائه وغيومه الكئيبة وأمطاره الغزيرة وريحه العاتية؛ فظللت أردده وذهبت إلى ما ذهبَت حتى انقضت ثمانٍ بعد عقد ونيف؛ فلم ألبث أن رأيتني أخالف ما اتفق مع أمي من رأي قبيل زمن اليوم، وعلمتني في الخريف مكتئبا وفي الشتاء منقبضا، ثم في ربيع الصيف منبسطا قريرا.

اعتقدت في بادئ الأمر خطأ فيه فكنت أتحير أنْ أنَّىٰ؟ وأنا وليد الشتاء؟ حتى انتهيت إلى فساد كم من فكرة وفكرة رَبينا عليها كان من بينهن -فيما يخص المثال- أن الذي يولد في الشتاء يألفه والذي يولد في الصيف لا يأنفه كذلك، ولقد آلت بي الحال إلى أن أنسلخ تمام الانسلاخ عن جلد آلي وحيد عن مسلكهم إلا ما ارتحت أن أتفق إليه بعقل لا عن نقل واتباع، فلمَ كان من البداية ما كان؟ فلتكفوا أيدينا -أيتها الأسر المريضة -عن السخط على مدارسكم والخروج على مناهجكم من البداية بكفالة التحرر وضمان حرية الرأي والاعتقاد والتعبير، وتطليق أرواحنا حبيسة أدراجكم، وإطلاق سراح شخوصنا إلى دنيانا التي تتباين عن دُناكم العتيقة التي عفت السنون على دروسها واندرست مفرداتها وتغيرت وموضوعات تعابيرها.

على الهامش

ولست أدري أصلا من أين لها -أمي- بأن الشتاء خير والصيف قحط، على الرغم من عراء كل شجرة فيه من ورقة تكسوها، ومن ثمرة تعلوها، وإن كان المطر خير في الشتاء فإنما ذاك لأنه يخلف ثمرا (غير البرتقال الموحد) نجنيه فيما بعد وعليه فإن فصل الحصاد هو الخير الوفير المديد المتنوع لا الشتاء عينه؛ قد كان يجدر بي أن أسائلها ماذا لو اشتهت بطيخا في النصف من كانون؟ ثم أليس يهون عليها البطيخ في حزيران والمانجو في تموز قيظ الصيف وحرارة الشمس؟ ألم تشتق المثلجات وعصير القصب البارد الذي لا نستسيغ له مذاقا في الشتاء؟ فإن كان باردا أمرض وإن فاترا أثار عصيبات الحلق كأنه دبس التمر أو عسل أسود؟

  أما أكثر ما يطرب نفسي في الصيف ضياؤه وبقاء نهاره؛ فشمسه طويلة وهيجة، يتوقها المرء في الشتاء المعتم اللَّيِّل—الذي يبث في صدرك الوحشة والمضنة، ويورثك الضيق والكآبة بقصر أنهره، وعمق ليله الأدهم— وفيه ما فيه من النشاط والحيوية: فجره باكر، وليله قاصر، وسماؤه صفاء، وشمسه دواء؛ نهاره حركة ومساؤه يقظة، وصبحه بركة.

النسبية وحق الاختلاف

ولأن الحقائق نسبية وأثبتها ألا حقيقة في الوجود مطلقة، فإنك قد ترى أنت ذات الشيء ونقيضه من زوايا مختلفة، وإنك قد تراني كذلك أرقب في الصيف طول نهاره، وضياءه، وفي الشتاء دفء ليله الساكن (إلا يساورك فيك النكد) ولو نظَّرنا لقال قائل بأني قد أحب الدفء فيه لأنه أكره برودته فأوثر النوم على معايشة زمهريره الممرض، ولن تزال الفلسفات تتوارد وتتباين إلى اللانهائية وما بعدها، فلمَ قد يؤثر الواحدُ منا على عقل ذويه؟ أو صحبه؟ أو من يعول؟ ولماذا أوقفنا الدنيا على ضرورة التوافق التام؟ والحيلولة دون إفساح الساحة أمام العقول المفكرة؟ والشخصيات النامية؟ أما إنني وقد اعترضت على ذلك في مجا نقدي الديني والفلسفي، فإني قد لاحظته ينبع أساسُه من البيوت ومن لدن صِغار الأسر التي هي قوام المجتمعات: إن ذلك الذي يرؤس عاملين أو يؤم مصلين، أو ذاك الذي يذهب مذهبا ما– أولئك طُرًا قد عانوا الويلات في دواخلهم الخفية عهدَ الطفولة والصغر، تعرضوا لسطو الأهلين وانتصار أيديولوجياتهم وآرائهم المطلقة؛ وانتقدت نظرياتهم ومذاهبهم لصَغارٍ مظنون بعقولهم الحديثة؛ فلم يتعلموا احتمال الاختلاف، ولم يحتملوا تعدد الأطياف، وإنما التزموا المطلق وجاوروه حتى نكأهم بصحبته، وانتهكم بضلالته.

أدب التربية ونتاجه

  قال لي عمي -المهاجر- ذات مرة بلسان يغمره الأدب وتعلوه الحكمة في النقد والتعبير: “الأطفال هناك لديهم وعي يفوق الشباب هنا، والشباب الصغار هناك يتولون مناصب توكل إلى الحكماء هنا…” -يخاطبني بلسان هم حتى لا يفترض الانفصام عن ثقافته الأم وبيئته الأصل وهو يقارن؛ فيظهر مصعَّر الحديث منسلخا عن أصله- واستطرد: “لقد يناظر عقل طفل ابن عقد وبضع هناك عقلَ كهل عربي راشد -أي فوق الثلاثين- وتراهم على تلك السن الحديثة يبحثون ويتعلمون ذاتيا ويفكرون ويتبنون مذاهب وقرارات، ويتعلمون الرسالات التي قد لا يحسنها أستاذ في الدكتوراه”– فعقبت على نظرته الصائبة: “إلا من رحم الله، فقد ترى هنا أيضا كذلك، كما أنك لا ينبغي لك أن تتناسى تكافؤ الفرص”– فاتفقنا، ولكني بعد دراستي السطحية -تلك التي بين أيديكم- رأيت أن المدرسة التي طورها الوزير والمناهج التي تحدث عنها ليست هي المسئول الأول، بل إن الأسرة هي صاحبة القرار والاختيار والتأثير وهي الجاني الرئيس -وإن لم يكن الأوحد- في هذا الصدد.

أعجبني الأعاجم في مذهبهم في تربية الرعيّة -التي هي مسئولية لا يهملها إلا جبان، ولا يفسدها إلا هالك بحصاد ما بذر- ولقد يتداخل عليك أنك تقوِّم وتحسن النصح في أدق صوره حينما تنقل خبراتك الشعورية وآلامك وأفراحك إليه، وإنه ليس بحق لو أنك كنت تعلم، وثمة فروق بين الخبرات والتجارب: أن تنقل له قصصا من التجارب التي قد يفيد منها بخبرات يستنتجها بذاته لهو واجب عليه، ولكن تقديم الدروس المستفادة منها على طبق بلاستيكي بالٍ مشقق، بل وتقييمها له بمخيلتك وما تمليه عليك دون حيادية شعورية لهو الإثم والعدوان على مفاهيم شخص لا تزال تولد حديثا.

 نعم من شابه أباه فما ظلم، ولكن الظالم أبوه بلا أدنى شك، وتتوارث الضحايا حتى يصحح منهم من يصحح فيجتنب ظلما يوقعه على غيره، أو يستطرد فيما وجد عليه الأسلاف فيتحول من ضحية إلى ظالم معتدٍ. الموكل إليك أن ترعى رعية وجيلا جديدا للبشرية وخلائف لله استخلفك فيها، وليس أن تصنع نسخا منك بما ترتئيه أنت من صواب أو خطأ، حتى أصبح العالمون متشابهون في جرائهم حتى تقليديتهم المملة الرائجة؛ أي أن ترعى وتغرز قيما عامة ولست تتحكم في البرمجة الداخلية.

  إنهم في الخارج لا يتحدثون عن أية مفاهيم دينية أمام الطفل قبل سن معينة (وإن كان يعارض القاعدة لدينا وإنما ضربته لأنه أبرز مثال على قضية الحياد وعدم التأثير على الآخر بما تراه) بل يدعونه بلا تدليس على عقله أو تدنيس لسجيته حتى إذا اختار اقتنع وإذا اقتنع التزم وإذا التزم تولى المسئولية فينشأ جيل صالح لا جيل جُبل على دين لم يختر، ومذهب لم يعرف غيره ولم يتيقن صوابه، وقوم لم يهوَ، وثقافة لم يرضَ، ثم لم يجبر فقط على تبنيهم جميعا والعيش في ظلالهم بل على الدفاع عنهم تضحية بدمه الأنفس، وأن يتحمل مسئوليتهم وما استوعبت أطياؤهم من معتقدٍ وإيمان، وأن يرضخ لقوميتهم عليه؛ فأي مظلمة بعدُ وأية مهانة؟ ومن الذي افترض الصواب الوحيد والباطل الوحيد؟ لئن يكُ من خلق قائل «ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم» أفعليك أنت أيها المخلوق الرث إلى خالقك أن تفرض المذاهب وتعَيِّن الفردية التي لا تحتمل قبول الآخر؟ ولا تعدد الأدمغة تحت سقف واحد؟ إن الفتى من أولاء قد يُتهم بالكفر إذا خالف لأبيه رأيا؛ ليس لشخص أبيه، بل لمعتقده وما تأسس عليه محيطه، حتى إن الاضطهاد والتنمر قد يقعان في أبسط صورهما على زملكاوي في وسط أهلاوي، وإن التمييز قد يقع في أبسط صوره على أساس الطبقة أو الهيئة أو اللكنة أو بعض العادات النائية؛

”وإنك ليُمارس عليك نوع من هذا كله بين حوائط وأعمدة دارك قبل أن يمارسه عليك المجتمع الذي -هو بدوره- ليس إلا انعكاسا لهذا البيت وتلك الأسرة، ولا تنسَ أن فاقد الشيء لا يعطيه.“

من الأسس السليمة في التربية

لا بد أنها لم تتردد كثيرا إلى آذانك عبارات مثل:

  • لا اؤثر عليه، بل دعه ليتخذ متخذه
  • اتركه يتعلم وراقبه من بعيد، لتتدخل وقت الخطر
  • اكتشف مهاراته ونمها لديه، فليس دورك أن تجعل منه من يمتهن مهنتك فيصير إلى ما صرت إليه ويخلفك وإنما أن تصنع منه نفسه، وتنمي ما مال إليه بفطرته وتُرْبيه لديه؛ فهل يتساهل في ذلك الآباء في مجتمعاتنا، فيؤثرون أن نماثلهم كيلا يتعبوا في التعقب أو كيما يتوقعون النتائج الواحدة؟ أم أن ذنبهم أن «فاقد العلم لا يلد عقلُه الحكمة»؟

الضحايا المتوالدة

  اكتشفت أخيرا أن كثيرا من الآباء الذين طحنتهم الحياة فتخلوا عن آمال وطموحات كانت في أنفسهم تراود شبيبتهم، ووجهتهم نحو ما يعدونه فشلا (لأنه ليس ما كانوا يسعون إليه) حتى لو كان نجاحا فعليا وواقعا، إلا أنهم لا يزالون يتمنعون عن التسليم له والاقتناع به، ولا يزال شعور ما في خبايا سرائرهم يطاردهم بعدم الرضا— فيظن للحظة أن ابنه هو بذرته في الدنيا، وأنه حمل اسمه ليخلفه فيه ويحرث له أحلامه ويحقق له ما فشل فيه وكأنما هو إعادة لمسلسل حياته بكامل حلقاته، وأنه فرصة ثانية له، والحقيقة أن هذا المولود هو بذرة الله في أرضه وأنك عليه راعٍ وعنه مسؤول، فالتتساءل معي أيها القارئ المبارك «بأي ذنبٍ وئدت وقُتِلَت» تلك النفس المـحدَثة الوليدة التي لمَّا تجنِ من الحياة لويحظات في أعمارها، وقد تذبح بسكين بارد بلا رحمة ولا شفقة حتى تُقتَل فطرتها وسجيتها النقية وتسود شفافيتها، ويُمحى لها من الوجود أثر؟ لتتحول البشرية العربية -على وجه التحديد- إلى عالم من الآلات المتكررة التي يُلغى معها امتياز الاختيار وبالتالي تندثر المسئولية الأخلاقية، ليصبح المجتمع الذي ننقضه اليوم ليس المجتمع الذكوري بل المجتمع الآلي العاري من التعددية ومن المسئولية ومن الأخلاق والقيم إلا التقاليد العرفية الموروثة التي تتشعب فيها التشعبات من الجهل والتبعية والتلقين الكفيلين بهدم عالمٍ بأكمله لا مجتمع محلي فحسب.

فيديو مقال العولمة الأبوية ودور الأسرة في التربية

أضف تعليقك هنا

أحمد محمود القاضي

أحمد محمود القاضي
شاعر وكاتب، باحث ومفكر في الفلسفة الإسلامية النقدية، يدرس ليسانس الألسن- جامعة عين شمس- قسم اللغة الإيطالية